ما زال الغموض يلف جوانب متعددة بشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران المرتقبة غدا السبت في باكستان، إذ لم تُحسم بعد أجندة المحادثات بين البلدين اللذين خاضا حربا دامت نحو 40 يوما، لا سيما مع استمرار الأزمة في مضيق هرمز الذي يمرّ منه خُمس نفط العالم، وعدم توقف إطلاق النار تماما في جميع جبهات القتال، وسط اتهامات متبادلة بانتهاك الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين.
رغم ذلك، يقدّر خبراء ومراقبون أن المفاوضات الحاسمة ستنحصر في سيناريوهات ثلاثة، يمثل الأول التوصل إلى تفاهمات أولية تمهيدا لاتفاق نهائي، أما الثاني فيتمثل في التمديد والمراوحة دون اختراق، جراء الفجوات العميقة بين تطلعات البلدين، في حين يجسد السيناريو الثالث انهيار المباحثات وعودة الحرب.
من سيمثل البلدين بالمفاوضات؟
واشنطن: كانت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أكدت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيرسل فريق تفاوض بقيادة نائبه جيه دي فانس، في خطوة تعكس ثقل التمثيل السياسي الأمريكي.
ويضم الوفد كذلك المبعوثيْن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى جانب قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر، وفق ما أفادت به مراسلة الجزيرة في البيت الأبيض وجد وقفي.
طهران: لم تكشف رسميا عن أسماء ممثليها في المحادثات، لكنّ شبكة بلومبيرغ أفادت نقلا عن مصادر مطلعة بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف سيقودان الوفد الإيراني المفاوض.
ما الذي ستطالب به إيران؟
لم يتضح بعد ما إذا كان المقترح الإيراني المؤلف من 10 نقاط، هو ذاته الذي علق عليه الرئيس الأمريكي واعتبره أساسا مقبولا للتفاوض، لكنْ بالنسبة لطهران فالنقاط العشر وفق أكثر المصادر رسمية:-
- تعهد الولايات المتحدة بضمان عدم الاعتداء.
- استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.
- القبول بالتخصيب.
- رفع جميع العقوبات الأساسية.
- رفع جميع العقوبات الثانوية.
- إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن.
- إنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- دفع تعويضات لإيران.
- خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة.
- وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
ما الذي ستطالب به الولايات المتحدة؟
لا قائمة رسمية كما هو الوضع بالنسبة لإيران، لكنّ صحيفة واشنطن بوست نقلت عن مصادر قولها إن الوفد الأمريكي في باكستان يعتزم طلب إطلاق سراح أمريكيين محتجزين بإيران كجزء من مفاوضات إنهاء الحرب.
سيناريو 1: التهدئة
ويعزز من فرص هذا السيناريو توفر رغبة لدى كل من واشنطن وطهران بالخروج من حالة الحرب، إذ قد تتمخض عن المفاوضات تفاهمات أولية تمهد لاتفاق أوسع ونهائي ينهي الأزمة، ولعل ما يدعم تحقق الاتفاق والتهدئة، الأمور التالية:
إعلان البلدين النصر: إذ يشير مراقبون إلى أن إعلان كل من واشنطن وطهران عن ترحيبهما بالهدنة من أجل التفاوض، باعتباره انتصارا، قد يعكس الإرادة الفعلية لديهما بإنهاء الحرب وعدم العودة إليها.
احتفاء ترمب: إذ وصف الرئيس الأمريكي غداة إعلانه عن الهدنة توقف الحرب بأنه “يوم عظيم للسلام العالمي!”، وكان صرّح الليلة التي سبقتها بأن واشنطن “حققت جميع الأهداف العسكرية في الحرب بل وتجاوزتها”.
ثم تواترت التصريحات الإيجابية، إذ قال ترمب في مقابلة مع شبكة “سي بي إس”، “سنتوصل إلى اتفاق ناجح للغاية”، مضيفا أن “المستقبل واعد للغاية، وسيسير كل شيء على ما يرام”.
الوفد الأمريكي يبدي تفاؤله: فقبل صعود جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى الطائرة متوجها إلى إسلام آباد، قال “أعتقد أن الأمور ستكون إيجابية”، مضيفا “نحن متفائلون بشأن المحادثات.. إذا تفاوضت إيران بحسن نية، فقد يكون ذلك إيجابيا، لكنْ إذا حاولوا التلاعب، فلن يكون فريقنا متقبلا لذلك”.
وباعتباره منافسا محتملا على ترشيح الحزب الجمهوري للرئاسة عام 2028، فقد اتخذ فانس موقفا حذرا بشأن التدخل العسكري الأمريكي المطول في الشرق الأوسط.
سيناريو 2: المراوحة دون اختراق
ومما يجعل مثل هذا الخيار واردا بقوة في نظر مراقبين، وجود مطالبات قد تكون متناقضة بين البلدين، ولعل ما سيُبقي المفاوضات في إطار المراوحة في المكان ذاته دون تقدم واختراق حقيقين، النقاط التالية:
انعدام الثقة: إذ يرى محللون أن ضعف الثقة بين واشنطن وطهران يعد أكبر عائق، دون الوصول إلى تسوية.
وتقول سحر خان، وهي محللة تعمل في معهد الشؤون العالمية “إن انعدام الثقة هو أكبر عقبة في الوقت الراهن، تحاول كل من واشنطن وطهران إظهار أنهما انتصرتا من خلال تقديم مطالب قصوى، ولكنْ إذا صمد وقف إطلاق النار هذا والتقيا بالفعل، فسيكون ذلك أهم خطوة”.
فجوة تفاوضية: ويتمثل ذلك باتساع البون بين رؤى الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب والمطالب العشرة الإيرانية من جانب آخر.
ويقول السفير الباكستاني السابق لدى الصين مسعود خالد إن الأجواء مسمومة حتى قبل بدء المحادثات، مضيفا أن “إسرائيل تُعرقل العملية عمدا”، عبر مواصلة التصعيد في لبنان، مؤكدا أن المحادثات ستكون معقدة وشاقة، وقد تحتاج إلى تمديدها لما بعد مهلة الـ15 يوما.
غياب الضامن الدولي: وحول هذه النقطة، يقول خالد إن “لا توجد دولة واحدة مستعدة لأن تكون ضامنة نيابة عن الولايات المتحدة أو إسرائيل”، مضيفا أن الصين لا يمكنها أن تخاطر بضمان سلوك واشنطن وتل أبيب.
وأضاف أن أي اتفاق من المرجح أن يتطلب دعما من دول رئيسية في الشرق الأوسط، والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقرارا ملزما.
سيناريو 3: الانتكاسة وعودة الحرب
ويرجح هذا السيناريو وفقا لخبراء التهديدات المتبادلة بعد سريان الهدنة والتوترات الميدانية المتواصلة في عدد من الجبهات، ويعزز فرصة هذا السيناريو النقاط التالية:
لبنان: رغم إعلان إسرائيل عن اعتزامها بدء مفاوضات مع لبنان، فإنها ما زالت تواصل عدوانها على البلاد، وسط تأكيد مسؤولين إسرائيليين على فصل جبهة لبنان عن إيران، وحتى الساعة أسفرت الغارات الإسرائيلية غير المسبوقة عن مقتل 303 أشخاص وإصابة 1150، وفق حصيلة غير نهائية لوزارة الصحة مع تواصل انتشال الجثامين، وذلك في أول يومين من الهدنة.
ورغم تأكيد إسلام آباد وطهران أن الهدنة تشمل لبنان، نفت واشنطن وتل أبيب ذلك، قبل أن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مفاوضات لنزع سلاح حزب الله، استجابة لضغوط أمريكية.
وأمام هذا الواقع، تواصل إيران التهديد بالانسحاب من المحادثات، وسط تأكيد عدة مسؤولين إيرانيين بأن لا مفاوضات دون لبنان.
وأشار سفير إيران لدى إسلام آباد، أميري مقدم، في منشور حُذف لاحقا، إلى أن طهران تعتبر استمرار الضربات الإسرائيلية محاولة لعرقلة المفاوضات.
وتقول تريتا بارسي، نائبة الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للحكم الرشيد -في تصريحات لصحيفة ذا تايمز- “أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية على الإيرانيين الموافقة على وقف إطلاق النار من جانبهم، تاركين لبنان عرضة للخطر”.
مضيق هرمز: أفادت وسائل إعلام أمريكية بأن مضيق هرمز الحيوي ما زال مغلقا قبل يوم من المفاوضات، ووفق وكالة رويترز، لم تعبر المضيق في الساعات الـ24 الأولى من وقف إطلاق النار، سوى ناقلة واحدة للمنتجات النفطية و5 ناقلات للبضائع الجافة، في حين كان يمر قبل الحرب ما يصل إلى 140 سفينة يوميا.
أما شبكة “سي بي إس” الأمريكية فأفادت بأن مضيق هرمز لا يزال يشهد انخفاضا ملحوظا في حركة مرور السفن، مشيرة إلى أن قرابة 12 سفينة فقط مرت عبر المضيق في أول يومين من الهدنة، بحسب بيانات ملاحية.
وفي سياق متصل، قال رئيس تحرير منصة “لويدز ليست” المتخصصة في أخبار الشحن لصحيفة “ذا تايمز” البريطانية إن إيران تفرض رسوما قدرها مليونا دولار على ناقلات النفط لعبور هرمز.
ويرى الخبير في معهد الشرق الأوسط أليكس فاتانكا أن إغلاق إيران لمضيق هرمز بسبب الضربات الإسرائيلية قد يشكل تهديدا لمحادثات السلام خلال الأسبوعين المقبلين.
ويقول فاتانكا للصحيفة البريطانية “يراهن الإيرانيون الآن على أن ترمب سيضغط على إسرائيل للتراجع عن (استهداف) لبنان وإدراجه في وقف إطلاق النار” مضيفا أنها مخاطرة بالنسبة لترمب، إذ قد لا يرغب في فعل ذلك، ولا يملك السلطة للقيام بذلك.
هذا فضلا عن الملفات التي ستكون شائكة أيضا، بشأن آلية التفاوض، والاتفاق النووي والمطالبة برفع العقوبات، والانسحاب الأمريكي من المنطقة، الأمر الذي لا يستبعد معه البعض عدم الوصول إلى نقاط اتفاق مشتركة، والعودة إلى التصعيد العسكري مجددا.
ويصف فاتانكا العديد من مطالب إيران، مثل مقترحات الانسحاب العسكري الأمريكي والتعويضات، بأنها “مجرد أمنيات”.
المصدر: الجزيرة