منتجات أجبان “حلال” تشعل موجة تحريض ضد الإسلام بأمريكا.. ما قصتها؟

تحولت علامة تجارية صغيرة تحمل شهادة بأنها منتج حلال كتبت على عبوات من الجبن أنتجتها شركة “تيلاموك” (tillamook) الأمريكية إلى مادة لموجة واسعة من المنشورات التحريضية، بعدما أعادت حسابات مؤثرة تداول صور ومقاطع للعبوات باعتبارها دليلا على أن الشركة “تخضع للدين الإسلامي” أو اتخذت حديثا قرارا بتغيير منتجاتها لتتوافق مع متطلبات المسلمين.

وخلال ساعات، انتقلت القصة من مجرد الحديث عن مكونات الجبن وطريقة تصنيعه إلى دعوات لمقاطعة منتجات الشركة، فيما ذهبت بعض المنشورات إلى القول إن تيلاموك غيرت تركيبتها وأضافت شهادة الحلال حديثا.

قصص مقترحة

list of 3 items

  • list 1 of 3هل قررت ماكدونالدز تقديم وجبات حلال للمسلمين في فرنسا؟
  • list 2 of 3الحلال والكسكسي والعربية.. ثلاثية تشعل معركة الهوية في فرنسا
  • list 3 of 3الحجاب والطعام والهجرة.. معركة الهوية تتصاعد في فرنسا

end of list

لكن مراجعة ما تقوله تيلاموك نفسها، إلى جانب وثائق اعتماد المنتجات الحلال المتاحة، تكشف أن القصة مختلفة عن الصورة التي قدمتها المنشورات المتداولة، فما الحقيقة؟

كيف بدأت موجة التحريض؟

بدأت موجة واسعة من المنشورات في 17 سبتمبر/أيلول 2026، مع تداول صور لعبوات تحمل شعار “حلال” وإعادة تقديم الأمر على أنه تطور جديد.

وقالت حسابات في منشور على “إكس” إن إحدى أشهر أنواع الجبن في الولايات المتحدة “وضعت حديثا علامة معتمد حلال” على عبواتها، وربطت ذلك بما وصفته بـ”خضوع الشركات الأمريكية للإسلام” وتصوير الأمر على أنه جزء من “حرب ثقافية” وحصدت هذه المنشورات مئات آلاف المشاهدات.

وزعمت حسابات أن إحدى أشهر العلامات التجارية للجبن في الولايات المتحدة “بدأت الآن بمجاراة المسلمين” مدعية أن الشركة أضافت الشهادة بعد تغيير بعض العناصر المستخدمة عام 2016.

وظهرت صياغات شبه متطابقة لدى حسابات أخرى، من بينها “أكت فور أميركا” و”جون إف كينيدي جونيور” فيما تحولت السردية لدى حسابات أخرى إلى دعوات مباشرة لمقاطعة الشركة.

شهادة ليست جديدة

لكن بعد تحقق وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من القصة تبين أنها وظفت في سياق زمني خاطئ، كما استغلت بعض الحسابات طريقة تقديمها لتأجيج الخطاب التحريضي ضد المسلمين.

إعلان

وبالعودة إلى الشركة نفسها، تؤكد “تيلاموك” أن غالبية أنواع الجبن التي تنتجها حاصلة على شهادة حلال، وتطلب من المستهلكين التحقق من وجود شعار الشهادة على العبوة لمعرفة المنتجات المشمولة بها.

كما تظهر منتجات “تيلاموك” ضمن وثائق شهادات الحلال الصادرة عن المجلس الإسلامي للأغذية والتغذية بأمريكا، وهو ما يؤكد أن وجود الشهادة ليس ادعاء نشأ مع موجة المنشورات الأخيرة.

وتكشف وثائق الشركة ومصادر أخرى أن اعتماد تصنيف “حلال” لبعض منتجاتها يعود إلى سنوات سبقت الجدل الحالي.

وتوجد إشارة أكثر وضوحا إلى ذلك في تقرير رسمي نشرته تيلاموك عام 2020 حول سلامة وجودة منتجاتها، تحدثت فيه الشركة عن ممارسات وضع البيانات على العبوات، بما في ذلك إظهار شهادات الكوشير والحلال حيث تنطبق. وهذا يعني أن التعامل مع شهادات الحلال لم يبدأ في سبتمبر/أيلول 2026 كما توحي المنشورات المتداولة.

تقرير رسمي نشرته شركة تيلاموك عام 2020 حول سلامة وجودة منتجاتها
تقرير رسمي نشرته شركة تيلاموك عام 2020 حول سلامة وجودة منتجاتها

كما سبق أن أجابت تيلاموك، قبل سنوات، عن سؤال يتعلق بأحد منتجات جبن الشيدر، وأكدت أن المنتج حاصل على شهادة الحلال وأن الشهادة ظاهرة على العبوة. وبذلك، فإن ظهور شعار “حلال” على عبوات تيلاموك ليس تحولا بدأ مع موجة الجدل الأخيرة.

لقطة شاشة من موقع شركة تيلاموك حول إجابتها عن سؤال يتعلق بأحد منتجات جبن الشيدر
لقطة شاشة من موقع شركة تيلاموك حول إجابتها عن سؤال يتعلق بأحد منتجات جبن الشيدر

ماذا حدث عام 2016؟

أما عام 2016 الذي تكرر في المنشورات، فيتعلق بتغيير حقيقي في طريقة تصنيع بعض أنواع الجبن، لكنه ليس تغييرا حديثا.

وتقول “تيلاموك” إنها تستخدم منذ ذلك العام منفحة منتجة بالتخمير، وهي نباتية حاصلة على اعتماد الحلال والكوشير، بدلا من المنفحة الحيوانية في غالبية منتجات الجبن التي تستخدم المنفحة.

وتوضح الشركة أن المنفحة المنتجة بالتخمير شائعة في صناعة الجبن، كما تشير إلى أن جميع أنواع جبن تيلاموك تستخدم حاليا منفحة من هذا النوع باستثناء نوع من الجبن.

توضيح الشركة حول التخمير الشائع في صناعة الجبن
توضيح الشركة حول التخمير الشائع في صناعة الجبن (تيلاموك)

وبالتالي، فإن الاستناد إلى تغيير المنفحة عام 2016 صحيح من حيث أصل المعلومة، لكن تقديمه باعتباره قرارا جديدا مرتبطا بموجة الجدل الحالية يغير دلالته الزمنية، فالتغيير حدث قبل نحو عقد.

هل أصبحت منتجات تيلاموك كلها “حلال”؟

ولا يتوقف التوسع في الرواية المتداولة عند الجبن، إذ ذهبت بعض المنشورات إلى الإيحاء بأن منتجات تيلاموك كلها أصبحت حلالا، من الجبن إلى الآيس كريم والزبادي وغيرها. لكن بيانات الشركة لا تؤيد هذا التعميم.

في حين، تقول الشركة عبر موقعها الرسمي إن غالبية أنواع الجبن فقط حاصلة على شهادة حلال، بينما لا تحمل منتجات الآيس كريم شهادة الحلال، وكذلك الزبادي والقشطة الحامضة والزبدة والجبن الكريمي. وتؤكد الشركة أيضا أن الوجبات المجمدة التي تنتجها ليست معتمدة حلال.

تأكيد من الشركة عبر موقعها الرسمي أن غالبية أنواع الحبنت فقط حاصلة على شهادة حلال
تأكيد من الشركة عبر موقعها الرسمي أن غالبية أنواع الحبنت فقط حاصلة على شهادة حلال (تيلاموك)

وهذا يجعل الادعاء بأن تيلاموك حولت منتجاتها كافة إلى منتجات حلال غير دقيق، إذ يتعلق الاعتماد بمنتجات محددة، وليس بسياسة شاملة تشمل جميع ما تنتجه الشركة.

ماذا تعني شهادة “حلال”؟

أما الادعاء بأن شهادة “حلال” تعني أن الجبن “ذكر عليه اسم الله” أو “بُورك باسم دين آخر” فقد أضاف إلى القصة بعدا دينيا لا يظهر في آلية اعتماد هذا النوع من المنتجات.

إعلان

ويوضح المجلس الإسلامي للأغذية والتغذية في أمريكا (IFANCA) أن اعتماد الأغذية المصنعة يعتمد على مراجعة المكونات ومصادرها وعمليات التصنيع، إلى جانب إجراءات التنظيف ومنع التلوث بمواد لا تتوافق مع متطلبات الحلال.

 

كما توجد متطلبات إضافية تتعلق بالذبح عندما يكون المنتج من اللحوم، لكن الجبن محل الجدل منتج ألبان يستخدم منفحة منتجة بالتخمير.

وبالتالي، لا توجد في المصادر التي جرى الرجوع إليها إشارة إلى أن حصول جبن تيلاموك على شهادة الحلال يعني أن العبوات أو قطع الجبن نفسها خضعت لصلاة أو مباركة دينية.

وفي هذه الحالة، يشير الشعار إلى استيفاء المنتج متطلبات الجهة المانحة للشهادة فيما يتعلق بالمكونات وطريقة التصنيع.

خلاصة التحقق

تكشف هذه المعطيات أن جوهر القصة المتداولة لا يتعلق بوجود شهادة “حلال” من عدمه، وإنما بالطريقة التي أعيد بها تقديم معلومة قديمة باعتبارها قرارا جديدا.

فقد أخذت منشورات حديثة صورة لمنتج يحمل شهادة حلال بالفعل، وربطتها بتغيير في المنفحة حدث عام 2016، ثم قدمت الأمر كله باعتباره تحولا جديدا اتخذته الشركة في سبتمبر/أيلول 2026.

ومن خلال فصل الوقائع عن التفسيرات التي أضيفت إليها، يتبين أن شهادة “حلال” موجودة بالفعل على غالبية أجبان تيلاموك، وأن تغيير نوع المنفحة حدث قبل نحو عقد، وأن الشهادة لا تشمل جميع منتجات الشركة، كما لا تشير آلية الاعتماد إلى إخضاع الجبن لأي طقوس دينية، كما روجت الحسابات.

 

المصدر: الجزيرة