من إرهاب اليمين إلى إرهاب اليسار.. إدارة ترمب تعيد ترتيب التهديدات الأمنية

تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى إعادة تحديد أولوياتها في إستراتيجية مكافحة الإرهاب لتنتقل مما يسمى “الراديكالية الإسلامية” واليمين المتطرف إلى ما تصفه اليوم بالنقطة العمياء المتمثلة في “الإرهاب اليساري”، في تحول لم يخل من انتقادات وتحفظات.

ومن خلال مؤتمر دولي دعت إليه وزارة الخارجية الأمريكية ويحضره ممثلون عن نحو 70 دولة، اليوم الخميس، تسعى إدارة ترمب إلى وضع حجر الزاوية لإستراتيجيتها الجديدة وحشد الدعم الدولي لمجابهة ما تراه تهديدا متناميا و”خطرا محدقا” لليسار المتطرف، بعد أشهر من تحرك عسكري وسياسي استهدف رأس السلطة في فنزويلا نيكولاس مادورو ونظام الحكم في كوبا التي تتعرض لحصار اقتصادي خانق.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو، في كلمته بالمؤتمر، “عقيدتنا لمكافحة الإرهاب شابتها ثغرة وهي إغفال العنف المتطرف الصادر عن اليسار السياسي.. لقد حان الوقت لسحق هذا الشر إلى الأبد”.

وتحدد إستراتيجية مكافحة الإرهاب لإدارة ترمب لعام 2026 ثلاثة تهديدات رئيسية، من بينها “إرهاب الإسلاميين المتشددين”، و”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، و”إرهاب اليسار المتطرف بما في ذلك الفوضويون والمناهضون للفاشية”.

التهديد المتواري

وتعتقد الإدارة الأمريكية أن التهديد الثالث تم تجاهله تقليديا. وفي إستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب، وصفت إدارة ترمب أوروبا بأنها “حاضنة للتهديدات الإرهابية”، مستشهدة بأعمال تخريب طالت شبكة السكك الحديد الفرنسية يوم افتتاح دورة الألعاب الأولمبية عام 2024، والتي قالت السلطات إنها تحمل بصمات تقليدية لليسار المتطرف.

كما تشير إلى مقتل الناشط القومي الفرنسي كانتان دورانك في فبراير/شباط الماضي، في قضية نُسبت إلى أعضاء في حركة مناهضة للفاشية، وكذلك إلى هجوم وقع في شهر يوليو/تموز الجاري على عدد من أعضاء حزب الديمقراطية الجديدة المحافظ في اليونان، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين.

متظاهر من حركة "أنتيفا" خلال احتجاج "لا للملوك" ضد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب
متظاهر من حركة “أنتيفا” خلال احتجاج “لا للملوك” ضد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (رويترز)

ويمثل ذلك تحولا عن نهج إدارة الرئيس السابق جو بايدن التي كانت تعتبر الجماعات اليمينية المتطرفة، ولا سيما جماعات تفوق العرق الأبيض، من أبرز التهديدات الأمنية.

إعلان

وتجادل الإدارة الأمريكية في مراجعتها إستراتيجية مكافحة الإرهاب بالتسويق للمعطيات التالية التي قدمها وزير الخارجية ماركو روبيو في المؤتمر:

  • %93 من الهجمات الإرهابية في الغرب في الفترة ما بين عامي 1970 و1980 نفذتها أطراف من أقصى اليسار المتطرف.
  • ارتباطات محتملة لشبكات موالية لإيران بجماعات يسارية مسلحة حول العالم.
  • زيادة في نسبة الهجمات الإرهابية ذات الطابع اليساري في الولايات المتحدة.
  • “الإرهاب السياسي اليساري” ليس ظاهرة حديثة العهد بل إنه الشكل السائد للعنف السياسي طوال معظم الحقبة الحديثة.

وعموما لا يكتفي المؤتمر الدولي بالكشف عن الإستراتيجية الأمريكية لكنه يمهد وفق تصريحات روبيو، لبناء بنية تحتية وشراكات وتعاون عابر للحدود، بجانب قرارات منتظرة لتصنيف منظمات يسارية على أنها منظمات إرهابية.

لكن منتقدين، من بينهم الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، قابلوا التصنيفات بتحفظات لجهة أن السلطات يمكنها استخدامها لاستهداف أنشطة أو احتجاجات قانونية بدلا من التهديدات الأمنية الحقيقية.

ما “إرهاب اليسار المتطرف”؟

تستخدم الحكومات هذا المصطلح عادة لوصف الحركات المتهمة بالعنف التي تحرّكها أيديولوجيات يسارية، بما في ذلك الماركسية والاشتراكية والأناركية (الفوضوية). وتصف هذه الحركات نفسها عادة بأنها مناهضة للرأسمالية والإمبريالية.

مجموعات يمينية مؤيدة لترمب تنظم "مسيرة المليون ماغا" للاحتجاج على نتائج انتخابات 2020
مجموعات يمينية مؤيدة لترمب تنظم “مسيرة المليون ماغا” للاحتجاج على نتائج انتخابات 2020 (الفرنسية)

وقد شهدت أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة ظهور العديد من الحركات المسلحة اليسارية، والتي شن بعضها حملات عنف سياسي متواصلة، مثل القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، و”جبهة فارابوندو مارتي” للتحرير الوطني في السلفادور، و”حركة توباماروس” في أوروغواي.

وعلى مدار القرن العشرين، دأبت واشنطن على دعم الأنظمة اليمينية المتشددة التي عارضت الحركات اليسارية في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية.

وفي أوروبا، وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كانت جماعات ماركسية مثل فصيل الجيش الأحمر في ألمانيا الغربية وراء العديد من عمليات الاغتيال والاختطاف والتفجيرات التي قالوا إنها تهدف إلى إضعاف الدولة الرأسمالية.

وعلى النقيض من ذلك، ظهرت حركة “أنتيفا”، التي سعت إدارة ترمب باستمرار إلى تصويرها كتهديد عنيف كبير، في الواقع كتجمع فضفاض وغير مركزي لأفراد ذوي ميول اشتراكية يعارضون اليمين المتطرف، وتفوق العرق الأبيض، والاستبداد.

مع ذلك، وُجهت اتهامات بالعنف إلى العديد من أفراد هذه الحركة في المحاكم الأمريكية منذ عودة ترمب إلى السلطة، لا سيما في ولايات مثل تكساس التي يحكمها الحزب الجمهوري.

وفي يونيو/حزيران الماضي، حُكم على ثمانية من هؤلاء الأفراد بالسجن لعدة سنوات من بينهم بنجامين هانيل سونغ، المدان بمحاولة قتل ضابط إنفاذ قانون، والذي صدر ضده حكم بالسجن لمدة 100 عام.

إحصائيات بمكيالين

تشير بيانات وردت في تقرير شامل أصدره مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، في 2025 إلى زيادة فعلية طفيفة في الهجمات المنسوبة إلى اليسار بالولايات المتحدة، لكنها إجمالا ووفق الملاحظين، لا تقارن بالعدد الكبير للهجمات الإرهابية التي يقف وراءها اليمين المتطرف منذ عام 1994.

إعلان

وجاء في التقرير أن “الولايات المتحدة شهدت في السنوات الأخيرة زيادة في عدد الهجمات والمخططات الإرهابية اليسارية، إلا أن هذا العنف انطلق من مستويات متدنية جدا، ولا يزال أدنى بكثير من المستويات التاريخية للعنف الذي نفذه متطرفون يمينيون أو جماعات جهادية”.

وأوضح التقرير أن عام 2020 على سبيل المثال، سجل 30 هجوما أو مخططا إرهابيا مرتبطا باليمين المتطرف في الولايات المتحدة، في مقابل ثمانية مرتبطة باليسار وثلاثة مرتبطة بجماعات جهادية.

وتواجه إستراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية اتهامات بتجاهل إرهاب اليمين المتطرف وجماعات تفوق العرق الأبيض، على الرغم من تزايد حالات العنف التي اتُّهمت بها بعض هذه الجماعات، بما في ذلك العديد ممن هاجموا مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2020، في محاولة لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي خسرها دونالد ترمب.

وقال مدير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي، توماس رينارد للجزيرة: “ما نشهده الآن في الولايات المتحدة هو أن مكافحة الإرهاب أصبحت مسيّسة تماما.. فعلى سبيل المثال، اختفى خطر الإرهاب اليميني المتطرف، الذي كان يعتبر لعقود التهديد الداخلي الرئيسي، تماما من إستراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية”.

تهديد متجذر

وتأكيدا على ذلك، يعد تفجير أوكلاهوما الذي نفذه المتشدد اليميني تيموثي مكفاي، وأسفر عن مقتل 168 شخصا وإصابة ما يقرب من 700 آخرين، أعنف عمل إرهابي داخلي في الولايات المتحدة حتى اليوم.

وفي إحصائية كشف عنها معهد “كاتو”، وهو مركز أبحاث أمريكي في واشنطن، في فبراير/شباط الماضي، يقف إرهاب اليمين المتطرف خلف 45% من القتلى الذين سقطوا ضحايا لعمليات إرهابية ذات دوافع سياسية داخل الولايات المتحدة بين عامي 1975 و2025، دون اعتبار تفجير أوكلاهوما وأحداث 11 سبتمبر، بينما تقدر مسؤولية الإسلاميين بنسبة 32% من الضحايا وإرهاب اليسار الراديكالي بنسبة 16%.

ويعلق مدير المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي، توماس رينارد على ذلك للجزيرة بأن مؤتمر الخارجية الأمريكية يخلق المشكلة نفسها التي يدعي حلها. وفي تقديره، فإن الولايات المتحدة، ومن خلال إستراتيجيتها، تخلق في الواقع “نقطة عمياء” بشأن التهديدات الإرهابية لليمين المتطرف، باعتباره تهديدا متجذرا بقوة في الولايات المتحدة.

 

المصدر: الجزيرة