من الأغلال إلى الأطلال.. حرية “منقوصة” تصفع أسرى غزة المحررين

تتأرجح مشاعر الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم من سجون الاحتلال إلى قطاع غزة بين نشوة التحرر من الأغلال، وصدمة الواقع المعيشي والأسري القاسي الذي ينتظرهم.

ولا تكتمل في غزة فرحة النجاة من عتمة الزنازين، إذ يصطدم المحررون بحقيقة أن الحرب لم تترك لهم من حياتهم القديمة سوى الذكريات، لتبدأ رحلة أخرى من المعاناة وسط ركام المنازل وفقدان الأحبة.

فقد خرج الأسير المحرر هيثم سالم من قيود السجان باحثا بلهفة عن زوجته وأبنائه بين الوجوه المستقبِلة، لكنه لم يجد سوى عبارات التعزية، وفق تقرير مراسلة الجزيرة نور خالد.

ويروي سالم للجزيرة لحظاته الأولى في حافلة النقل قائلا: “كل الأسرى الذين كانوا معي رأوا أهاليهم، إلا أنا أخرجت رأسي من نافذة الحافلة أبحث عن قريب، فصاح بي ابن عمي: يا هيثم، الله يرحمهم ويُسهل عليهم.. زوجتك وأولادك استشهدوا”.

وجعلت هذه الفجيعة من مواجهة الواقع مستحيلة في بدايتها، حيث يضيف سالم بمرارة أنه لم يستطع زيارة قبور عائلته إلا بعد شهرين، لعدم قدرته النفسية على استيعاب فكرة الوقوف فوق تراب يضم أبناءه الذين انتظر لقاءهم طويلا.

أسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال
الأسرى الفلسطينيون يتعرضون لتعذيب وتنكيل ممنهج في سجون الاحتلال (الصحافة الفلسطينية)

ألم الفقد

ولا يقتصر وجع الفقد على غياب الأهل والبيوت، بل يمتد ليشمل الرفاق الذين كانوا سندا في الحياة قبل الأسر، فقد وصف الأسير المحرر أحمد عبد العال لحظة خروجه واصطدامه بغياب أصدقائه: “أول ما سألت، سألت عن أهلي فطمأنوني أنهم بخير، لكن سؤالي عن أصدقائي كان وقع خبره كالصاعقة على قلوبنا”.

وفي سياق الإمعان في التنكيل، كشفت شهادات المحررين عن سياسة ممنهجة يستخدمها الاحتلال داخل غرف التحقيق، عبر استغلال ملف العائلات أداة للضغط النفسي. وروى أحد الأسرى المحررين كيف أوهمه المحققون طوال فترة اعتقاله -التي استمرت عاما وشهرين- بمقتل عائلته جميعا لإجباره على الاعتراف.

إعلان

وتنكشف خلف هذه القصص المأساوية حقيقة أن تجربة الأسر في غزة لا تنتهي بفتح أبواب السجون، فبين ما تركه الأسرى خلفهم وما وجدوه بعد عودتهم فجوة عميقة لا يرممها سوى الصمود، في واقع غدت فيه الحرية “منقوصة” برائحة الموت والدمار.

وحتى بداية أبريل/نيسان 2026، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل أكثر من 9600 أسير بينهم 84 امرأة، ونحو 350 طفلا، يُحتجز معظمهم في سجني مجدو وعوفر، وفق مؤسسات فلسطينية مختصة بشؤون الأسرى.

كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين نحو 3532 شخصا، وهي النسبة العليا مقارنة بفئات الأسرى المحكوم عليهم والموقوفين، إلى جانب المصنّفين ضمن ما يُسمى المقاتلين غير الشرعيين.

ووصل عدد المعتقلين المصنفين تحت هذا المسمى إلى 1251 معتقلا، علما بأن هذا الرقم لا يشمل جميع معتقلي قطاع غزة المحتجزين في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

 

المصدر: الجزيرة