من الباربكيو إلى الواشوكو.. رحلة المذاقات السرية في مطبخ المونديال

في كأس العالم لا تأتي المنتخبات بأقمصتها وتكتيكاتها فقط، بل تصطحب معها تاريخا طويلا من الأطباق والعادات والمذاقات. في الجزء الثاني من هذه السلسلة نواصل الرحلة على موائد المنتخبات، ونقترب من بعض بلدان المجموعات “دي” و”إي” و”إف” في مونديال 2026.

أمريكا.. باربكيو و”مطبخ دخان أسود”

يصعب اختصار المطبخ الأمريكي في أطباق محدودة، فقد تشكل من اتساع الجغرافيا وموجات الهجرة وتغير السياسات عبر عقود. ومع ذلك يظل “الباربكيو” أو الشواء على الطريقة الأمريكية واحدا من أعمدة المائدة هناك.

اقرأ أيضا

list of 1 item

  • list 1 of 1مطبخ كأس العالم.. ماذا تأكل منتخبات المجموعات الثلاث الأولى؟

end of list

في كتابه “الدخان الأسود” يوثق الباحث أدريان ميلر الدور الحاسم الذي لعبه الأفارقة في تاريخ الشواء؛ إذ اندمجت تقنيات الطبخ الأفريقية والأوروبية مع تقاليد السكان الأصليين لتصنع واحدا من أهم طقوس ثقافة الطعام في الولايات المتحدة.

إلى جانب الشواء يبرز “البرغر” بوصفه طبقا شعبيا أساسيا، رغم جذوره المرتبطة بـ”هامبورغ ستيك” الذي حمله المهاجرون الألمان إلى أمريكا في القرن الـ19، وينطبق الأمر نفسه على “الهوت دوغ”. أما “الفرايد تشيكن” أو الدجاج المقلي بالطريقة الأمريكية، فيقال إن تقنية قليه وصلت مع المهاجرين الأسكتلنديين، بينما أضاف له الأفارقة التوابل.

المطبخ الأمريكي (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
يظل “الباربكيو” واحدا من أعمدة المائدة الأمريكية (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

باراغواي.. “حساء” تحول إلى طبق وطني

الطبق الوطني الأبرز في باراغواي هو “السوبا باراغوايا” ، وعلى غير ما يوحي به الاسم فهو ليس حساء، بل كعكة مالحة مصنوعة من دقيق الذرة والجبن والحليب والبصل.

وراء الطبق قصة طريفة؛ إذ يقال إن طاهي قصر الرئاسة أخطأ في مقادير الحساء ليتحول إلى كعكة، وحين قدمها على المائدة أعجب الرئيس بطعمها، لتصبح لاحقا الطبق الوطني للبلاد.

أما إذا أردت حساء حقيقيا فهناك “بيرا كالدو” ، حساء معتمد على السمك والخضروات والجبن، وظهر في أعقاب حرب التحالف الثلاثي مع شح الموارد الغذائية. وعلى الموائد الباراغوانية يحضر أيضا مشروب “التيريري” المصنوع من عشبة المتة مضافا إليها الثلج والأعشاب والليمون، إلى جانب خبز “التشيبا” المصنوع من دقيق الكسافا والجبن والبيض.

مطبخ باراغواي (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
الطبق الوطني الأبرز في باراغواي هو “السوبا باراغوايا” (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

أستراليا.. مائدة بحجم القارة

أستراليا دولة بحجم قارة، ومطبخها يحمل روافد بريطانية وموجات هجرة متنوعة إلى جانب تراث السكان الأصليين. تحت اسم “بوش تاكر” يجتمع ما يقرب من 5000 نوع من النباتات والحيوانات والحشرات التي اعتمد عليها السكان الأصليون منذ آلاف السنين، من لحم الكنغر وسمك الباراموندي إلى النمل العسلي وبعض أنواع الديدان، في نظام غذائي كامل.

إعلان

في أستراليا يمكن تناول لحم الكنغر بطرق متنوعة، سواء شرائح أو برغر أو نقانق، بوصفه مصدرا للبروتين قليل الدهون. وفي ركن الحلوى يحضر بسكويت “أنزاك” المصنوع من جوز الهند، والذي ولد مع الحرب العالمية الأولى من مكونات لا تتلف بسهولة كي يتمكن الجنود من حمله معهم.

المطبخ الأسترالي (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
المطبخ الأسترالي يحمل موجات هجرة متنوعة إلى جانب تراث السكان الأصليين (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تركيا.. إرث عثماني بطعم الكباب والبوريك

خلال ازدهار الدولة العثمانية واتساع نفوذها الجغرافي تدفقت إلى مطبخها المكونات والمذاقات من أراض متعددة، ليولد واحد من أكثر مطابخ العالم ثراء وتنوعا.

من أبرز الأطباق التركية “الكباب” بأنواعه المختلفة مثل كباب أضنة وأورفا ودونر وشيش وإسكندر كباب، ولكل منها طريقة تقديم ونكهة خاصة. ويحضر أيضا “البوريك”، المصنوع من رقائق العجين المحشوة.

أما “القهوة التركية” فليست مجرد مشروب، بل ممارسة ثقافية كاملة أدرجتها اليونسكو عام 2013 على قائمة التراث الثقافي غير المادي.

المطبخ التركي (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
من أبرز الأطباق التركية “الكباب” بأنواعه المختلفة و”البوريك” (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ألمانيا.. خبز ونقانق وطهي بطيء

بحسب المصادر الألمانية يضم المطبخ الألماني أكثر من 3000 نوع من الخبز. وقد أدرجت اليونسكو ما يعرف بـ”ثقافة الخبز” أو “بروتكولتور” (Brotkultur) على قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2014.

من أشهر المخبوزات “البريتزل”، وهو خبز يتشكل من عجينة معقودة مخبوزة ومغطاة بالملح الخشن. وعلى المائدة تحضر النقانق أو “البرات فورست” بتنوع ضخم يصل إلى أكثر من 1000 نوع من النقانق المختلفة.

ومن أطباق الطهي البطيء يبرز “زاور براتن” ، وهو لحم منقوع في الخل أو النبيذ مع التوابل قبل طهيه بعدة أيام، ثم يطهى ببطء ويقدم مع صلصة غنية وزلابية البطاطس. والبطاطس هنا مكون أساسي، تظهر في وصفات متعددة مثل “كارتوفيل بوفر” و”برات كارتوفلن” .

هولندا.. طعام البحر والشتاء

يقوم المطبخ الهولندي بشكل أساسي على البطاطس والأسماك ومنتجات الألبان. من الأطباق الشهيرة “بيتر بالن” ، وهو كرات مقلية مصنوعة من خليط كثيف من مرق اللحم البقري والزبدة والدقيق، يغطى بفتات الخبز ويقلى حتى يصبح ذهبيا ومقرمشا.

ويعد طبق “ستامبوت” من أشهر أطباق الشتاء؛ يتكون من البطاطس المهروسة مع الخضروات مثل الكرنب والسبانخ والجزر والبصل، ويقدم مع السجق المدخن أو اللحم.

المطبخ الهولندي (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
يقوم المطبخ الهولندي بشكل أساسي على البطاطس والأسماك ومنتجات الألبان (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ولا يمكن الحديث عن المطبخ الهولندي دون ذكر أسماك الرنجة، التي تقدم مع مكعبات البصل والمخلل. كما تشتهر هولندا بأنواع الجبن المختلفة مثل جودة وإيدام وليدن، وتتباين نكهاتها مع المكونات المضافة إليها مثل الكمون أو بذور الكراوية أو النكهات الحلوة.

وفي ركن التحلية يأتي “ستروب وافل” ، وهو بسكويت تقليدي يتكون من طبقتين من الوافل مع حشوة غنية من الكراميل، يوضع فوق كوب القهوة أو الشاي الساخن حتى تذوب الحشوة قليلا قبل تناوله.

اليابان.. “واشوكو” وفلسفة التوازن

يعرف المطبخ الياباني باسم “واشوكو” ، وقد أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي عام 2013. يقوم هذا المطبخ على فكرة التوازن والاحتفاء بالطبيعة، عبر تنظيم المائدة وفقا للألوان الخمسة (الأحمر، الأصفر، الأخضر، الأسود، والأبيض)، والمذاقات الخمسة (الحلو، المالح، الحامض، المر، و”الأومامي” أو المذاق الشهي).

إعلان

“السوشي” هو أشهر الأطباق اليابانية، ويتكون من الأرز المتبل مع المأكولات البحرية والأعشاب، في تكوين بسيط ظاهريا لكنه يعتمد على دقة عالية في اختيار المكونات وحجم القطع ودرجة حرارة الأرز.

على المائدة أيضا يحضر حساء “ميسو” المصنوع من معجون فول الصويا المذاب في مرق السمك مع التوفو والأعشاب البحرية، إلى جانب “الأودون”، وهو نوع من النودلز السميكة المصنوعة من دقيق القمح، تقدم في مرق ساخن أو مع الخضروات واللحوم.

المطبخ الياباني (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
“السوشي” هو أشهر الأطباق اليابانية (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تونس.. الهريسة في قمة المائدة

في عام 2022 أدرجت اليونسكو المهارات والممارسات المرتبطة بالهريسة على قائمة التراث الثقافي غير المادي. تتكون “الهريسة التونسية” من الفلفل الأحمر الحار والثوم والزيت والخل أو التوابل، وتستخدم في تتبيل اليخنات واللحوم، كما تقدم أحيانا كطبق جانبي، لتكون واحدا من أعمدة المطبخ التونسي الذي يمزج بين النكهات المتوسطية والعربية والأمازيغية.

من الأطباق البارزة “البريك التونسي”، وهو رقائق عجين رقيقة ومقرمشة محشوة بالبيض والتونة والبقدونس، ومقلية في الزيت. أما “اللبلابي” فهو حساء حمص ساخن يقدم مع قطع الخبز والثوم والكمون والهريسة وزيت الزيتون، ويعد من الأطباق الشعبية المنتشرة في الشتاء.

“علوش في القلة” طريقة خاصة لطهي لحم الضأن في إبريق من الطين يطهى ببطء على الفحم أو في الفرن، ليتشرب النكهات تدريجيا. أما “مارميت دو بيشور” بالفرنسية أو “مرميطة الصياد” فهو طبق بحري يتجلى فيه تأثير المطبخ الفرنسي، عبارة عن حساء غني يجمع الأسماك الطازجة والمأكولات البحرية المطبوخة ببطء في مرق الطماطم مع البهارات التونسية وزيت الزيتون.

المطبخ التونسي (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
تتكون “الهريسة التونسية” من الفلفل الأحمر الحار والثوم والزيت والخل أو التوابل (الجزيرة-صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

في كأس العالم تحمل كل تشكيلة وكل منتخب حكاية داخل الملعب، لكن على الطاولة أيضا ثمة قصص أخرى؛ أطباق تسافر عبر التاريخ والجغرافيا، وروائح تبدو وكأنها تخوض منافسة موازية لمنافسات المونديال.

 

المصدر: الجزيرة