تكشف صور الأقمار الصناعية، خلال الأسابيع الأخيرة، مسارا متسارعا لإعادة ربط ضفتي نهر الفرات عبر جسور رئيسية في الرقة ودير الزور، في خطوة تتجاوز البعد الخدمي، وتعكس تحولا في خريطة السيطرة وإعادة وصل المجال الجغرافي السوري بعد سنوات من الانقسام.
فالترميم الجاري لا يستهدف جسرا واحدا أو مقطعا معزولا، بل يشمل سلسلة نقاط عبور إستراتيجية تمتد من الرقة إلى البوكمال، مما يشير إلى مشروع إعادة وصل شرقي الفرات بغربه، بوصفه فضاء واحدا سياسيا وأمنيا واقتصاديا.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
اللافت في مسار الترميم ليس فقط الجسور التي شملها، بل تلك التي استُبعدت مرحليا، فجسور متضررة أخرى على الفرات بقيت خارج الأولوية، مما يشير إلى أن معيار الاختيار لم يكن بالضرورة حجم الدمار أو الحاجة المحلية فحسب، بل موقع الجسر ضمن شبكة حركة أوسع يُعاد ضبطها تدريجيا.
تحليل صور فضائية ملتقطة بين منتصف يناير/كانون الثاني وبداية فبراير/شباط 2026 يُظهر نمطا واضحا من أعمال التأهيل المتزامنة على 5 جسور رئيسية.
-
جسر الرقة الجديد.. إعادة فتح العقدة الحضرية أولا
يقدّم جسر الرقة الجديد الدليل الأوضح على أن أولوية الترميم تبدأ من العقد الحضرية الكبرى قبل الأطراف. فالصور المؤرخة في 5 فبراير/شباط 2026 لا ترصد مجرد أعمال صيانة، بل تشير إلى إعادة تفعيل المعبر الأوسع والأحدث في المدينة، المصمم للحركة الثقيلة والربط الإقليمي.
إعادة تأهيل هذا الجسر، الذي خرج عن الخدمة أواخر عام 2025 ضمن تعطيل شامل لعبور الفرات داخل الرقة، تعني استعادة نقطة تحكم مركزية بالحركة بين المدينة وريفيها الجنوبي والغربي، مما يضعه في صلب مشروع إعادة الوصل الجغرافي لا في هامش الإعمار الخدمي.
-
جسر الرقة القديم.. استكمال الوصل داخل المدينة نفسها
إذا كان الجسر الجديد يعيد ربط الرقة بمحيطها، فإن ترميم جسر الرقة القديم (المنصور) يكشف بعدا مكملا للفرضية نفسها وهي إعادة توحيد المجال الحضري الداخلي.
وتُظهر الصور الملتقطة في التاريخ ذاته معالجة هيكلية لجسر تعرض لتفجير مباشر خلال انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أواخر 2025.
اختيار إعادة تشغيل جسر قديم بالتوازي مع الحديث عن افتتاحه خلال أيام، يعكس حرصا على استعادة كثافة العبور داخل المدينة، وليس الاكتفاء بمسار واحد، مما يشير إلى تصور متكامل لإعادة الحركة لا إلى حل مؤقت.
وبحسب موقع محافظة الرقة، فقد انتهت الفرق الميدانية من تدعيم ركائز الجسر، وإعادة تعبيد أرضيته، وتجهيزه بالإنارة، مع توقعات بإعادة افتتاحه رسميا خلال أيام.
-
جسر العشارة.. تثبيت الوصل المحلي بعد استعادة المحور
على مسافة أبعد جنوبا، يمثّل جسر العشارة دليلا على انتقال مشروع الوصل من المراكز إلى المفاصل المحلية.
فالصور التي توثق انتهاء أعمال الترميم وعودة الحركة، بعد سنوات من خروجه عن الخدمة نتيجة الغارات والمعارك بين عامي 2016 و2018، تشير إلى تثبيت العبور في مناطق كانت تعتمد على بدائل غير مستقرة.
وإعادة تشغيل هذا الجسر لا تعيد فقط حركة السكان والبضائع، بل تغلق فراغا جغرافيا كان يعطّل الاتصال بين ضفتي الفرات في ريف دير الزور الشرقي.
-
جسر الميادين.. الوصل الإسعافي قبل الإعمار الكامل
يقدّم جسر الميادين قراءة مختلفة للفرضية نفسها، عبر اختيار الحل الإسعافي. فالصور المؤرخة في 9 فبراير/شباط 2026 تُظهر إنشاء جسر ترابي مؤقت يربط الميادين بالحوايج والقرى النهرية، رغم أن الجسر الدائم ما زال قيد التأهيل طويل الأمد.
هذا النمط من العبور الآن والإعمار لاحقا يكشف أن إعادة الوصل تُقدَّم على اكتمال البناء، خصوصا في محور سكاني واقتصادي واسع كان الجسر فيه مدمرا منذ عمليات 2016-2017 ضد تنظيم الدولة.
-
جسر الباغوز.. إغلاق الحلقة عند الحدود
عند أقصى شرق المسار، يقدّم جسر الباغوز الدليل الأكثر حساسية سياسيا على اكتمال شبكة الوصل. فالصور الملتقطة في 8 فبراير/شباط 2026 ترصد إضافة جسر فولاذي مؤقت فوق موقع دُمّر أواخر عام 2019 خلال معارك القضاء على تنظيم الدولة.
إعادة تفعيل العبور هنا، قرب الحدود السورية العراقية وعلى الطريق المؤدي إلى معبر القائم، لا يمكن فصلها عن إعادة فتح المسار الشرقي كاملا، من الرقة حتى البوكمال، بوصفه فضاء واحدا للحركة لا نقاط عبور معزولة.
ولا تظهر إعادة تأهيل جسور الفرات، كما ترصدها صور الأقمار الصناعية، بوصفها سلسلة مشاريع إعمار متفرقة أو استجابة خدمية لحاجات محلية، بل تتكشف كمسار سياسي أمني متكامل يعيد ترتيب الجغرافيا بعد سنوات من الانقسام.
فاختيار الجسور، وتسلسل تأهيلها من الرقة إلى البوكمال، والاعتماد على حلول إسعافية تضمن العبور السريع قبل اكتمال البناء، كلها مؤشرات على أولوية إعادة الوصل والتحكم بالحركة على ضفتي النهر.
في هذا السياق، يتحول الفرات من خط تماس فصلته الحرب إلى ممر يعاد ضبطه، حيث تسبق استعادة العبور إعادة الإعمار الشامل، ويغدو الجسر أداة لإعادة فرض المجال الموحد بقدر ما هو مرفق بنيوي.
المصدر: الجزيرة