من ردم الحفر إلى رعاية الأطفال.. هل وفّى “العمدة المسلم” بوعوده لفقراء نيويورك؟

تميّزت أول 100 يوم لزهران ممداني في منصب رئيس بلدية نيويورك بإصلاحات في مجال رعاية الأطفال، وإصلاح حفر الطرق، ومناقشات حادة حول سياسات القدرة على تحمل التكاليف.

ومرّت قرابة 100 يوم منذ أن تحدّى آلاف المؤيدين البرد القارس في حديقة قاعة المدينة لحضور حفل تنصيب ممداني، أول عمدة مسلم لأغنى مدينة في العالم.

ومثّل فوز الشاب الاشتراكي الديمقراطي حدثا تاريخيا هاما، إذ كان هذا الفوز بالنسبة للكثيرين بمثابة اختبار لمدى قدرة برنامج انتخابي قائم على تحمل التكاليف على إدارة عاصمة مالية.

أصبح ممداني رمزا للتغيير بالنسبة لأنصاره عندما ترشح للمنصب وسط استقطاب سياسي، برسالة وحدة ووعود انتخابية بخفض تكاليف المعيشة عززت شعبيته.

قال ممداني في مقابلة مع الجزيرة بمبنى البلدية: “الأغلبية الحقيقية الوحيدة في هذا البلد وفي هذه المدينة هي الطبقة العاملة. والكثير من سكان نيويورك من الطبقة العاملة، بل الأغلبية من الأمريكيين من الطبقة العاملة، ولا يرون أنفسهم ونضالاتهم في صميم سياستنا”.

كانت رسائله حول معاناة الطبقة العاملة هي التي دفعت العديد من مؤيديه إلى صناديق الاقتراع العام الماضي. فقد واجه سكان نيويورك إيجارات قياسية، وأسعار مواد غذائية مرتفعة، وتكاليف باهظة لرعاية الأطفال.

على الرغم من شعبيته في حملته الانتخابية التي استند فيها إلى هذه القضايا، لم يكن الجميع من مؤيديه، فقد واجه ممداني انتقادات لاذعة ليس فقط من خصومه في السباق، والجمهوريين على مستوى البلاد الذين اتهموه بالشيوعية، بل من داخل حزبه أيضا.

وقد وصفته عضوة الكونغرس الديمقراطية لورا جيلين بأنه “متطرف” للغاية، بينما رفض قادة ديمقراطيون مثل تشاك شومر وحكيم جيفريز تأييده على الرغم من شعبيته المتزايدة بين الناخبين.

رعاية الأطفال وردم الحفر

وشهدت أول 100 يوم له بعض الإنجازات الكبيرة، بما في ذلك الوفاء بأحد أبرز وعوده ألا وهو “توفير رعاية شاملة للأطفال”.

إعلان

ويستعد ممداني حاليا لإطلاق خطة لإضافة 2000 مقعد في مراكز رعاية الأطفال، بدءا من الأحياء ذات الدخل المنخفض، واعدا بتخفيف عبء تكاليف رعاية الأطفال الباهظة عن كاهل سكان نيويورك.

كان هذا الإنجاز في مجال رعاية الأطفال بمثابة انتصار لكل من رئيس البلدية والحاكمة كاثي هوكول، إذ اتفقا على أولوية لا تتطلب زيادة الضرائب. وقد نجحا معا في تأمين 1.2 مليار دولار لتمويل المشروع من إيرادات الولاية الحالية المخصصة في ميزانية السنة المالية 2026.

New York Mayor Zohran Mamdani speaks during a press conference at Sugar Hill Children's Museum of Art & Storytelling, Tuesday, March 3, 2026, in New York. (AP Photo/Yuki Iwamura)
ممداني يسعى إلى توفير 2000 مقعد للأطفال في دور الرعاية بحلول يونيو/حزيران المقبل

وفي يونيو/حزيران المقبل، سيتمكن سكان نيويورك من التسجيل لأطفالهم الذين يبلغون من العمر عامين، وسيتم الإعلان عن توفر الأماكن بحلول أغسطس/آب المقبل.

وقال ممداني: “هذه هي الاحتياجات الأساسية لسكان نيويورك، فنحن نتحدث عن مدينة تتمتع بثروة هائلة، بل هي أغنى مدينة في أغنى دولة في تاريخ العالم، ومع ذلك يعيش ربع سكان نيويورك تحت خط الفقر. وبعد تكاليف السكن، تأتي تكاليف رعاية الأطفال في المرتبة الثانية من حيث التكلفة، مما يدفع سكان نيويورك إلى مغادرة المدينة”.

كما حقق رئيس البلدية نجاحا شعبيا كبيرا في حملة إصلاح الحفر في شوارع المدينة. وبحلول أوائل أبريل/نيسان الجاري، كانت المدينة قد ردمت 100 ألف حفرة، وهو إنجاز تم تحقيقه يوم الاثنين الماضي.

وقال ممداني: “أحد الأسباب التي تجعلنا نركّز كثيرا على ملء 100 ألف حفرة في جميع أنحاء المدينة هو أنها دليل على وجود حكومة مدنية قادرة على الاهتمام حتى بأصغر المهام في حياة سكان نيويورك، لإثبات أنه يمكن الوثوق بنا في معالجة أكبر المشاكل في حياتهم أيضا”.

بيد أن رئيس البلدية واجه أيضا تدقيقا بشأن استجابة المدينة للعواصف الثلجية العنيفة والتقدم المحدود في مفاوضات ميزانية الولاية الجارية.

وقال ممداني للجزيرة متحدثا عن العواصف الثلجية الهائلة التي ضربت المدينة في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط: “أعتقد أن كل أزمة فرصة لمعرفة الأدوات التي تمتلكها المدينة، ومعرفة الأدوات التي يتعيّن عليها امتلاكها”.

وأضاف: “في العاصفة الثلجية الأولى، اتضح جليا أن المدينة لم تكن لديها خطة مسبقة لكيفية التعامل مع مختلف المشكلات، سواء كان ذلك نقصا في التخطيط الهندسي، أو في مواقف الحافلات، أو الأرصفة، أو ممرات المشاة”.

العواصف الثلجية التي ضربت مدينة نيويورك في فبراير/شباط أعاقت الحياة في كثير من شوارع المدينة (رويترز)

أعباء المعيشة

أطلقت المدينة أداة جديدة لقياس تكلفة المعيشة في نيويورك، مع الأخذ في الاعتبار الاحتياجات الأساسية كالغذاء والمواصلات والضرائب والسكن، وكشفت الأداة أن 62% من سكان نيويورك لا يكسبون ما يكفي لتغطية هذه التكاليف.

في المتوسط، تعاني الأسر من عجز يقارب 40 ألف دولار، ويُعدّ هذا العبء الأكبر على المجتمعات الملونة، إذ لا يستطيع 77% من سكان نيويورك من أصول إسبانية و65% من سكان نيويورك السود تغطية تكاليف المعيشة.

وقال ممداني للجزيرة: “هذا يُعادل حوالي 5 ملايين من سكان نيويورك. إنها أغلى مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلينا استخدام كل الوسائل المتاحة لجعلها في متناول الجميع”.

إعلان

وتعتمد كثير من خطط ممداني الأخرى على رفع الضرائب، مما أدى إلى توتر العلاقة بين رئيس البلدية وحاكمة الولاية. ولا يقتصر هذا التوتر على علاقة ممداني بالحاكمة فحسب، بل يعكس تاريخا طويلا من الخلافات بين المنصبين.

صلاحيات محدودة

ولدى المدينة صلاحيات محدودة في تحديد معدلات ضرائبها. وباستثناء الضرائب العقارية، يخضع رئيس البلدية لسلطة الحاكم، الذي يملك القرار النهائي بالموافقة على أي مشروع.

وسيستغل ممداني نفوذه السياسي في مجلس الولاية، الذي كان عضوا فيه سابقا، لدعم معظم أجندته، بما في ذلك اقتراحه بتوفير حافلات مجانية. ويتبع نظام الحافلات في المدينة لهيئة النقل الحضري (إم تي إيه)، وهي هيئة تابعة للولاية وليست تابعة للمدينة.

على الصعيد المحلي، يركّز ممداني على الإسكان. وتدرس الوكالة المعنية بتجميد الإيجارات، وهو أحد أبرز وعوده الانتخابية، مقترحه، إلا أن خطته ستنظم الإيجارات لنحو نصف الشقق المؤجرة فقط. ولتخفيف الضغط على النصف الآخر، تعمل إدارته على بناء المزيد من المساكن في أنحاء المدينة، بدعوى أن ذلك سيخلق مزيدا من المنافسة ويخفّض الأسعار.

تأتي أول 100 يوم لممداني قبل انتخابات التجديد النصفي، إذ يخوض مرشحون مثله الانتخابات في جميع أنحاء البلاد، متنافسين على السياسات والنهج. وقد بدأت بالفعل بعض الانتخابات التمهيدية، ولدى المرشحين سجل حافل في مدينة نيويورك. وخلال الأشهر الستة إلى الثمانية المقبلة، سيتمكّن المرشحون من الاستشهاد بالمدينة كمثال يُحتذى به، أو كنموذج سيتجنبونه تماما.

 

المصدر: الجزيرة