من شوارع المدن إلى المريخ.. قصة السيارات التي غادرت الأرض

لم يعد سير المركبات مقتصرا على الطرق التي نعرفها فوق كوكب الأرض، فقد تجاوزت العجلات حدود عالمنا بالفعل، وشقت طريقها فوق سطح القمر، ثم ذهبت إلى ما هو أبعد لتتجول بين صخور المريخ وتضاريسه الوعرة.

وقبل عقود، كان تعامل الإنسان مع الفضاء يعتمد بصورة أساسية على التلسكوبات التي أتاحت له مراقبة القمر والكواكب من بعيد، وكان السؤال الذي يراوده آنذاك: هل يأتي يوم نسير فيه على كوكب آخر؟

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2خطة طوارئ من 6 خطوات عند تعطل سيارتك بشكل مفاجئ
  • list 2 of 2أخطاء يتوارثها السائقون.. ما الحقيقة وراء أشهر خرافات السيارات؟

end of list

ما بدا يوما ضربا من الخيال العلمي أصبح واقعا، إذ توجد اليوم مركبات جوالة أُرسلت إلى أجرام سماوية تبعد عنا ملايين الكيلومترات، تتحرك فوق أسطحها وتنفذ مهام علمية معقدة بتوجيه من البشر على الأرض.

ومن القمر إلى المريخ، قطعت المركبات الجوالة شوطا هائلا في رحلة استكشاف الفضاء، وحملت معها كاميرات وأجهزة علمية متطورة لفحص الصخور والتربة ودراسة البيئة المحيطة.

ومع كل هذه التقنيات، تقوم تلك المختبرات المتنقلة في جوهرها على فكرة شديدة البساطة: مركبة تسير فوق عجلات، لكنها هذه المرة تجاوزت حدود الأرض وانطلقت لاستكشاف عوالم أخرى.

KRAKOW, POLAND - SEPTEMBER 5: The four-wheeled planetary rover Indomitus, engineered by the student team from Ukrainian Catholic University (UCU Space Robotics), stands on the sand track with its status indicator lights illuminated during the 12th European Rover Challenge at AGH University of Krakow on September 5, 2026, in Krakow, Poland. (Photo by Artur Widak/NurPhoto via Getty Images)
شكل المركبات الجوالة الفضائية يذكرنا بالسيارات التي نستخدمها في حياتنا بشكل يومي (غيتي)

من أين جاءت الفكرة؟

لقرون، راقب الإنسان حركة النجوم والكواكب بعينيه المجردتين، قبل أن يؤدي اختراع التلسكوب إلى نقلة كبيرة أتاحت رؤية الأجرام السماوية بصورة أوضح.

ومع تطور علوم الصواريخ في بدايات القرن العشرين، بدأ العلماء يفكرون في إرسال مركبات وأجهزة خارج الغلاف الجوي بدلا من الاكتفاء بمراقبة الفضاء من الأرض.

في البداية، أُرسلت مركبات فضائية للتحليق بالقرب من الأجرام السماوية أو الدوران حولها، ثم تطورت التكنولوجيا وظهرت مركبات قادرة على الهبوط فوق أسطحها.

لكن بقيت هناك مشكلة أساسية، وهي أن المركبة الهابطة تظل في موقعها ولا تستطيع استكشاف سوى مساحة محدودة من السطح، ومن هنا جاءت فكرة تزويدها بالعجلات كي تتمكن من الحركة والتنقل وفحص مساحات أوسع، لتولد بذلك فكرة “المركبات الجوالة”.

إعلان

القمر.. من هنا بدأت العجلات

في عام 1970، دخلت المركبة السوفيتية “لونوهود 1” (Lunokhod 1) التاريخ بعدما أصبحت أول مركبة ذات عجلات تهبط على سطح جرم سماوي آخر.

وهبطت المركبة على سطح القمر ضمن مهمة “لونا 17” (Luna 17)، وكان من المخطط أن تستمر مهمتها، التي جرى التحكم فيها عن بُعد من الأرض، لمدة 90 يوما فقط.

لكن “لونوهود 1” واصلت العمل لمدة 11 شهرا، متجاوزة بفارق كبير العمر التشغيلي المخطط لها، وقطعت خلال جولتها الاستكشافية مسافة إجمالية تُقدر بنحو 10.5 كيلومترات.

وفي عام 1971، وضمن بعثة “أبولو 15” (Apollo 15)، استخدم رواد الفضاء الأمريكيون المركبة الجوالة “إل آر في” (LRV)، لتصبح أول مركبة يقودها الإنسان بنفسه فوق سطح القمر.

وبعد ذلك بعامين، وصلت “لونوهود 2” (Lunokhod 2) إلى القمر ضمن مهمة “لونا 21” (Luna 21)، وكانت أكثر تطورا من سابقتها، وتمكّنت من قطع نحو 39 كيلومترا، في واحدة من أبرز الرحلات الجوالة في تاريخ استكشاف القمر.

ثم غابت المركبات الجوالة فترة طويلة عن سطح القمر، قبل أن تعود مع تطور برامج الاستكشاف الحديثة.

ففي عام 2013، نجحت الصين في إنزال المركبة “يوتو” (Yutu) ضمن مهمة “تشانغ إي 3” (Chang’e 3)، ثم واصلت برنامجها لاستكشاف القمر بإرسال مهمة “تشانغ إي 4” (Chang’e 4) عام 2019، التي حققت إنجازا تاريخيا بهبوط المركبة “يوتو-2” (Yutu-2) على الجانب البعيد من القمر للمرة الأولى.

A man looks at a model of a Marsokhod mars rover in the exhibition hall of the Institute of Space Research in Moscow October 4, 2007. Russia and the United States, the world's great space powers, celebrated the eve of the first satellite launch 50 years ago with a pact to use Russian technology on NASA missions to seek water on the moon and Mars. REUTERS/Sergei Karpukhin (RUSSIA)
المركبات الجوالة أصبحت أداة علمية متكاملة تحمل طموح الإنسان للوصول إلى ما لم يصل إليه من قبل (رويترز)

 المريخ.. المغامرة الأبعد

إذا كان القمر أقرب جرم سماوي إلى الأرض، فإن المريخ أصبح مسرحا لعدد من أبرز مغامرات المركبات الجوالة الفضائية.

ففي عام 1997، وصلت المركبة “سوجورنر” (Sojourner) إلى سطح الكوكب الأحمر ضمن مهمة “مارس باثفايندر” (Mars Pathfinder)، لتصبح أول مركبة جوالة تعمل على المريخ، وتفتح الباب أمام جيل جديد من المستكشفين الآليين.

وفي عام 2004، أرسلت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” مركبتين متطابقتين تقريبا هما “سبيريت” (Spirit) و”أوبورتيونيتي” (Opportunity)، واستمرتا في العمل سنوات طويلة متجاوزتين بفارق كبير المدة الأساسية التي صُممتا للعمل خلالها.

وفي عام 2012، هبطت المركبة “كيوريوسيتي” (Curiosity)، التي يبلغ وزنها نحو 900 كيلوغرام، على سطح المريخ في واحدة من أكثر عمليات الهبوط تعقيدا في تاريخ استكشاف الكواكب، وهي العملية التي وصفتها “ناسا” بأنها “سبع دقائق من الرعب”.

ثم وصلت المركبة “بيرسيفيرانس” (Perseverance) إلى المريخ عام 2021، ولم تكتفِ بالتجول والتصوير وجمع عينات الصخور ودراستها، بل حملت معها مروحية صغيرة تُدعى “إنجينويتي” (Ingenuity).

وفتحت هذه المروحية فصلا جديدا في تاريخ استكشاف الفضاء، بعدما أصبحت أول مركبة تنفذ طيرانا متحكما به على كوكب آخر.

سيارة بلا سائق

قد يذكرنا شكل المركبات الجوالة الفضائية بالسيارات التي نستخدمها يوميا، لكن طريقة تشغيلها تختلف جذريا.

فلا يوجد سائق يجلس خلف عجلة القيادة، كما لا يمكن التحكم بها لحظة بلحظة بالطريقة نفسها التي تُقاد بها السيارات على الأرض.

إعلان

وتصل الأوامر إليها من العلماء عبر شبكات الاتصالات الفضائية، لكن الإشارات تحتاج إلى وقت لقطع المسافة بين الأرض والمريخ.

ولهذا صُممت هذه المركبات بقدرات ذاتية تساعدها على تنفيذ بعض المهام، وتجنب المخاطر، والتعامل مع التضاريس وفقا لتعليمات وبرامج معدة مسبقا.

A new lunar rover vehicle that U.S. space agency NASA is testing goes through its paces in Black Point, Arizona, October 24, 2008. The Small Pressurized Rover Concept vehicle is designed to carry two astronauts without space suits, sitting in a pressurized compartment, when NASA returns to lunar exploration by 2020. The vehicle is being tested in a remote corner of Arizona with similar surface conditions to those found on the moon. It has a range of up to 625 miles (1,000 km). REUTERS/Tim Gaynor (UNITED STATES)
المركبات الجوالة غابت طويلا عن سطح القمر قبل أن تعود مع تطور برامج الاستكشاف الحديثة (رويترز)

عجلات صغيرة.. ومختبرات متحركة

قد تبدو المركبة الجوالة صغيرة وهي تتحرك ببطء شديد فوق سطح القمر أو المريخ، لكنها تحمل على متنها مجموعة من الأدوات العلمية التي تحولها إلى مختبر متنقل.

فكل صورة تلتقطها، وكل صخرة تفحصها، وكل متر تقطعه فوق سطح عالم بعيد يمثل جزءا من الإجابات التي يسعى الإنسان إلى الوصول إليها.

وهكذا تطورت الفكرة البسيطة للمركبة التي تسير فوق الطرق إلى آلات جوالة تستكشف عوالم بعيدة، وتدفع حدود المعرفة البشرية إلى ما وراء الأرض.

ومع كل جيل جديد، تتسع قدرات هذه المركبات وتزداد المهام التي يمكنها تنفيذها، فلم تعد مجرد وسيلة للتنقل فوق سطح عالم آخر، بل أصبحت أداة علمية متكاملة تحمل معها طموح الإنسان للوصول إلى أماكن لم يصل إليها من قبل.

 

المصدر: الجزيرة