من قاض عزله أوربان إلى رئيس للمجر.. ماذا يعني انتخاب أندراس باكا؟

انتخب البرلمان المجري -الثلاثاء- أندراس باكا رئيسا للبلاد بـ140 صوتا مقابل 6 أصوات، في عودة لافتة لقاض انتهت ولايته على رأس المحكمة العليا قبل 14 عاما بعد صدامه مع إصلاحات قضائية في عهد رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان.

وكان باكا قد انتقد علنا تغييرات قضائية تبنتها حكومة أوربان في عام 2012، قبل أن تنهي تعديلات دستورية وتشريعية ولايته قبل أكثر من 3 سنوات من موعدها.

وقاطع نواب حزب “فيدس” بزعامة أوربان التصويت، الذي لم يشهد أي امتناع، بينما يملك حزب “تيسا” الحاكم بقيادة رئيس الوزراء بيتر ماديار أغلبية الثلثين في البرلمان.

ويأتي انتخاب باكا في خضم تغييرات تقودها الحكومة الجديدة لإعادة تشكيل مؤسسات ترسخت خلال 16 عاما من حكم أوربان.

ويحمل اختيار باكا دلالة تتجاوز منصب الرئاسة نفسه، فهو قاض أصبحت الطريقة التي انتهت بها ولايته إحدى القضايا المرتبطة بالجدل بشأن استقلال القضاء في عهد أوربان، ثم يعود إلى رأس الدولة مع بدء مرحلة سياسية ترفع شعار استعادة دولة القانون.

وفي خطاب أمام البرلمان عقب انتخابه، قال باكا إنه خلال حكم أوربان “استولى حزب واحد على الدولة”، ولم تكن السلطات منفصلة، ولم يوجد نظام فاعل للضوابط والتوازنات.

لكنه حرص منذ البداية على رسم حدود للمرحلة الجديدة، قائلا إن بناء مستقبل المجر “يتطلب العدالة وضبط النفس”، ومضيفا “هناك أمر واحد مؤكد لا يمكننا فعله، لا يمكننا بناء المجر الجديدة على الانتقام”.

Hungary's newly elected President Andras Baka (C) is applauded after he was elected at the parliament in Budapest on August 11, 2026.
الرئيس المجري باكا يتلقى التصفيق عقب انتخابه في البرلمان بالعاصمة بودابست اليوم الثلاثاء (الفرنسية)

قاض أنصفته المحكمة الأوروبية

تعود القصة إلى عام 2009، حين انتخب البرلمان باكا رئيسا للمحكمة العليا بعد مسيرة شملت 17 عاما قاضيا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

ومع عودة أوربان إلى الحكم في عام 2010، انتقد باكا علنا سلسلة تغييرات قضائية، بينها خفض سن التقاعد الإلزامي للقضاة من 70 إلى 62 عاما.

إعلان

ثم انتهت ولايته مطلع عام 2012 بعد تغييرات دستورية وتشريعية استُحدثت بموجبها محكمة “الكوريا” خلفا للمحكمة العليا، وفُرضت شروط جديدة لرئاستها لم تسمح باحتساب سنوات عمله في المحاكم الدولية.

ولجأ باكا إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وفي حكم نهائي عام 2016، قضت الغرفة الكبرى بأن المجر انتهكت حقه في الوصول إلى القضاء وحرية التعبير، ووجدت صلة بين انتقاداته للإصلاحات وإنهاء ولايته مبكرا.

كيف تفكك حكومة ماديار إرث أوربان؟

جاء انتخاب باكا بعد فوز بيتر ماديار وحزب “تيسا” في انتخابات أبريل/نيسان، وإنهاء حكم أوربان الذي استمر 16 عاما.

ومنذ توليه السلطة، بدأت الحكومة الجديدة تغيير عدد من المؤسسات والترتيبات المرتبطة بالعهد السابق، وعلّقت الخدمة الإخبارية للتلفزيون والإذاعة العموميين، وأغلقت “مكتب حماية السيادة”، إلى جانب إصلاحات قضائية وإجراءات للتحقيق في تجاوزات مالية.

وكانت رئاسة الجمهورية نفسها إحدى ساحات هذا التغيير. فقد دعا ماديار الرئيس السابق تاماش سوليوك إلى الاستقالة، واصفا إياه بأنه “دمية” لأوربان. وبعد رفضه، أقر “تيسا” تعديلا دستوريا أنهى ولايته مبكرا، وهو التعديل الذي وقعه سوليوك نفسه.

وقاطع حزب “فيدس” انتخاب باكا، قائلا إن الحزب الحاكم أنهى ولاية سوليوك “بشكل تعسفي وغير شرعي”، ومتهما إياه بـ”الاستبداد”، وهي اتهامات ينفيها حزب “تيسا”.

لم يتجاهل باكا هذه الحساسية، فقد قال لوكالة الصحافة الفرنسية -الشهر الماضي- إن مثل هذه الإجراءات “لا ينبغي أن تحدث في بلد يحكمه القانون”، لكنه أضاف أن المجر أصبحت في عهد أوربان “دولة أسيرة”، وأن مسؤولين في الدولة عُيّنوا “لا لتقييد سلطة الحكومة، بل لضمان البقاء السياسي للنظام السابق حتى بعد هزيمة انتخابية”.

Former Hungarian Prime Minister Viktor Orban holds a press conference in Budapest, Hungary, July 22, 2026. REUTERS/Marton Monus
رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان الذي انتهى حكمه بعد 16 عاما (رويترز)

رئاسة انتقالية بانتظار دستور جديد

يظل منصب الرئيس في المجر شرفيا إلى حد كبير، لكنه ليس بلا أدوات، إذ يستطيع رئيس الدولة إعادة القوانين إلى البرلمان أو إحالتها إلى المحكمة الدستورية للمراجعة، وفق أسوشيتد برس، وهي صلاحيات تكتسب معنى إضافيا في حين تستعد البلاد لإعادة صياغة دستورها.

وقد تكون رئاسة باكا انتقالية، فبموجب التعديل الذي أنهى ولاية سوليوك، يستمر الرئيس الجديد حتى دخول دستور جديد حيز التنفيذ، أو مدة أقصاها 5 سنوات، وفق رويترز.

وقال ماديار إن إعادة صياغة الدستور قد تستغرق عاما إلى عام ونصف العام، وإن المشاورات بشأنه ستبدأ الشهر المقبل.

ويعود باكا -الذي انتهت رئاسته للقضاء وسط معركة على تغيير قواعد المؤسسات- إلى رأس الدولة، في لحظة تستعد فيها السلطة الجديدة لإعادة كتابة تلك القواعد من جديد.

 

المصدر: الجزيرة