موسم لا ينتهي.. لبنانية تمنح فائض الأرض حياة جديدة

في البلدة الجبلية الواقعة في قضاء جبيل بمحافظة جبل لبنان، وعلى ارتفاع يقارب 1900 متر عن سطح البحر، استقبلتنا ماجدة في حديقة منزلها في اللقلوق. حيث تتناثر أشجار الخوخ والكرز بين الأعشاب والنباتات العطرية، فيما ينساب الهواء البارد والنقي بين الأغصان، حاملا رائحة الجبل والأرض.

وهنا، يبدو الصيف مختلفا، فالمنطقة التي تعرف شتاء قاسيا وثلوجا كثيفة، تتحول في أشهر الصيف إلى مساحة خضراء غنية بالمحاصيل، ولا سيما الفواكه الجبلية والأعشاب التي تنمو في طبيعتها.

ولكن خلف هذا المشهد الهادئ، يعيش المزارع اللبناني معضلة تتكرر مع نهاية كل موسم، فماذا يفعل بالمحصول الذي لا يجد طريقه إلى السوق؟

فالفاكهة لا تنتظر طويلا، وبينما يضطر المزارع إلى بيع إنتاجه سريعا، قد تؤدي وفرة المحصول أو صعوبة التسويق أو انخفاض الأسعار إلى بقاء كميات منه من دون مشترين، فتتلف الثمار وتتحول كلفة زراعتها وجمعها ونقلها إلى خسارة إضافية.

ماجدة، صاحبة شركة “فلورا هيل” اختارت أن تتعامل مع هذه المشكلة من زاوية مختلفة. بالنسبة إليها، لا يعني انتهاء موسم الفاكهة انتهاء قيمتها، بل يمكن أن يكون بداية رحلة جديدة، تتحول فيها الثمرة من محصول سريع التلف إلى منتج قابل للتخزين والاستهلاك، وربما إلى مصدر دخل إضافي.

ما بعد القطاف .. سيدة لبنانية تحوّل فائض الأرض إلى مصدر رزق
من الخوخ إلى الصابون ماجدة تمنح محاصيل الموسم حياة ثانية (الجزيرة)

من الشجرة تبدأ الحكاية

بين أشجار حديقتها، تحدثنا ماجدة عن اللقلوق التي تقع في جرود الجبال، وعن طبيعتها التي تمنحها خصوصية زراعية. فالارتفاع والمناخ والهواء البارد نسبيا في الصيف، إلى جانب طبيعة المنطقة الجبلية، تجعلها بيئة مناسبة لزراعة أنواع متعددة من الفواكه والأعشاب.

تقول إن الشتاء هنا قاس، لكن الصيف جميل جدا، ويحمل معه مواسم متعاقبة من المحاصيل. انتهى موسم الكرز، وبدأ موسم الخوخ، ومع كل موسم تبدأ حكاية جديدة.

إعلان

تأخذنا المواطنة اللبنانية إلى خطوات تحضير عجينة الخوخ، أحد المنتجات التي تصنعها من المحصول الموسمي.

الخوخ الذي أمامها قُطف في اليوم السابق، تغسله جيدا، ثم تزيل الأعناق والأوراق وما علق بالثمار من شوائب، قبل أن تضعه على النار.

وبعد الغلي، تُزيل النوى، ثم يُطحن الخوخ حتى يتحول إلى خليط ناعم ومتجانس، فلا سكر هنا، ولا نشويات، ولا مواد تساعد على التماسك.

وتؤكد ماجدة أن العجينة مصنوعة من الخوخ الطبيعي مئة في المئة، وأن الحفاظ على هذه البساطة في الوقت نفسه أحد أبرز تحديات التصنيع.

فالخليط يحتاج إلى ما بين 5 و6 ساعات على نار هادئة، حتى تتبخر المياه الموجودة فيه تدريجيا. وخلال هذه الساعات، لا يكون أمامها سوى الانتظار والمراقبة، لأن غياب المواد الإضافية يجعل الوصول إلى القوام المطلوب أكثر صعوبة.

وحين يصبح الخليط كثيفا، تمده على ورقتين بطبقة متساوية، ثم تتركه ليجف، قبل أن يتحول في النهاية إلى عجينة خوخ يمكن حفظها واستهلاكها لاحقا.

وهكذا، تختصر ماجدة المسافة بين الحقل والمنتج، فالخوخ الذي كان عمره في السوق أياما قليلة، يصبح قادرا على البقاء لفترة أطول، وتتحول الثمرة من منتج سريع التلف إلى مادة ذات قيمة مضافة.

5-6 ساعات على نار هادئة تكفي لتحويل الخوخ إلى عجينة طبيعية غنية بالنكهة
5-6 ساعات على نار هادئة تكفي لتحويل الخوخ إلى عجينة طبيعية غنية بالنكهة (الجزيرة)

حين يصبح الفائض فرصة

بالنسبة إلى ماجدة، الفكرة لا تتعلق بالخوخ وحده، إنها محاولة للتعامل مع المحاصيل بمنطق مختلف، فبدل أن يكون بيع الثمرة الطازجة هو النهاية الوحيدة الممكنة، يمكن تحويلها إلى منتج آخر. فالزراعة، كما تراها، لا تنتهي عند الحصاد، وإنما يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة بعده.

وفي المناطق الريفية، حيث يرتبط الدخل غالبا بالموسم الزراعي، يمكن لهذه الفكرة أن تخفف من أثر تقلبات السوق. فالمزارع الذي لا يستطيع بيع كامل محصوله طازجا يمكنه، إذا توفرت الإمكانات والخبرة، الاستفادة من جزء منه في التصنيع والحفظ.

كما أن إطالة عمر المحصول تعني عدم الاضطرار إلى طرحه كله في السوق خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يمنح المنتج مساحة أكبر للتسويق.

ومن هنا، تحاول ماجدة أن تجعل من حديقتها ومشروعها مساحة لتجربة هذا النموذج، فكل موسم يحمل محصولا جديدا، وكل محصول يمكن أن يجد طريقا مختلفا إلى المستهلك.

ما بعد القطاف .. سيدة لبنانية تحوّل فائض الأرض إلى مصدر رزق
في حديقة منزلها تحوّل ماجدة فائض الأرض إلى مصدر قيمة ودخل (الجزيرة)

من الفاكهة إلى الأعشاب

لا تتوقف الحكاية عند الفواكه. فبين أشجار الخوخ، تنمو أعشاب ونباتات عطرية تجد طريقها أيضا إلى منتجات أخرى. فبعضها يُجفف، وبعضها يدخل في عمليات التقطير، لتتحول النباتات التي تنمو في الجبل إلى منتجات يمكن استخدامها والاحتفاظ بها لفترات أطول.

وتصبح الأعشاب بذلك جزءا من اقتصاد صغير قائم على الاستفادة من الموارد المتاحة محليا، بدل الاعتماد فقط على بيع المحاصيل في صورتها الخام.

ولكن ماجدة لا ترى في التصنيع مجرد وسيلة لإنتاج السلع، بل فرصة لنقل المعرفة أيضا.

ورشة بين الأشجار

في حديقة المنزل، وبين أشجار الفاكهة، تستضيف ماجدة ورشة عمل لمجموعة من الشباب، لتعليمهم صناعة الصابون بالطريقة الباردة.

وعلى الطاولة، تتجمع المكونات التي ستتحول، بعد مراحل عدة، إلى قوالب من الصابون الطبيعي. وتشرح ماجدة أن الصابون المصنوع بالطريقة الباردة لا يتعرض لدرجات حرارة عالية، وتقول إنه يكون لطيفا على البشرة، ويمكن أن يكون مناسبا، خصوصا للأطفال وأصحاب البشرة الحساسة.

إعلان

وتبدأ العملية باستخدام ماء اللافندر المقطر الذي تحصل عليه من عملية تقطير النبات، لما يحمله من رائحة وخصائص تدفعها إلى استخدامه في صناعة الصابون.

وبعد ذلك، تضاف الصودا الكاوية التي تدخل في عملية التصبن، ثم يضاف زيت الزيتون. وتُخفق المكونات جيدا حتى تتجانس، ثم يوضع الخليط في القوالب.

ولكن المنتج لا يصبح جاهزا للاستخدام فورا، إذ يحتاج الصابون إلى بعض الوقت حتى تكتمل عملية التصبن، وتنخفض درجة حموضته إلى مستوى مناسب للاستخدام على البشرة.

من اللافندر وزيت الزيتون تصنع ماجدة صابونا طبيعيا يحمل شيئا من رائحة الجبل
من اللافندر وزيت الزيتون تصنع ماجدة صابونا طبيعيا يحمل شيئا من رائحة الجبل (الجزيرة)

مشروع صغير. بفكرة أكبر

قد تبدو تجربة ماجدة محدودة إذا قورنت بحجم المشكلة الزراعية في لبنان، لكنها تضيء على جانب مهم منها: فقيمة المحصول لا تتحدد فقط بسعره عندما يغادر الحقل.

فالفائض الزراعي يمكن أن يمثل عبئا عندما يتكدس في الأسواق أو يبقى في الحقول، لكنه قد يتحول إلى فرصة إذا أعيد تصنيعه بطريقة تحفظه وتضيف إليه قيمة.

وهذا النوع من المشاريع يمكن أن يمنح المنتجين والأسر الريفية مصدر دخل إضافيا، ويخفف، في الوقت نفسه، من الهدر خصوصا في المحاصيل الموسمية التي تقصر فترة تسويقها.

وفي بلد يواجه فيه القطاع الزراعي تحديات مرتبطة بكلفة الإنتاج والتسويق والنقل وتقلب الأسعار، تصبح إضافة القيمة إلى المحصول إحدى الطرق التي يمكن أن تساعد في حماية جزء من دخل المزارع.

ولكن الطريق ليس سهلا دائما، فالتصنيع يحتاج إلى معرفة بالمواصفات الصحية وأساليب التعبئة والتغليف وطرق الحفظ والتسويق، كما يحتاج إلى سوق قادر على استيعاب المنتجات المحلية.

وماجدة تعرف أن نجاح الفكرة لا يعتمد فقط على جودة المنتج، بل يعتمد أيضا على القدرة على تحويله إلى مشروع مستدام.

ولذلك، لا تكتفي بإنتاج عجينة الخوخ أو تجفيف الأعشاب أو صناعة الصابون، بل تحاول أن تجعل من تجربتها مساحة للتعلم والتدريب، وأن تشجع الشباب على اكتشاف إمكانات جديدة في الموارد المتاحة من حولهم.

موسم لا ينتهي

قبل أن نغادر، تعود ماجدة إلى أشجار الخوخ في حديقتها، لا تزال بعض الثمار معلقة على الأغصان، فيما تنتظر أخرى دورها في السلة، ثم في القدر، ثم على أوراق التجفيف.

وفي اللقلوق، حيث يفرض الجبل إيقاعه على الزراعة والحياة، تبدو تجربة ماجدة كأنها محاولة صغيرة لتغيير علاقة المزارع بمحصوله، فبدل أن يكون الموسم سباقا مع الوقت قبل أن تفسد الثمار، يصبح بالإمكان إطالة عمرها ومنحها فرصة ثانية.

 

المصدر: الجزيرة