تابع غابرييل وسيباستيان شميراني بقلق بالغ الشهرة الكبيرة التي حققتها والدتهم كيت شميراني خلال جائحة كوفيد-19، بعد أن أصبحت شخصية بارزة في أوساط نظريات المؤامرة. وشُطبت كيت لاحقاً من سجل التمريض في المملكة المتحدة بسبب ترويجها لمعلومات مضللة حول الفيروس واللقاحات.
وفي تطور مأساوي، يتهم الشقيقان والدتهما بالتأثير على شقيقتهما الراحلة بالوما، التي توفيت عن عمر 23 سنة بعد رفضها العلاج الكيميائي لمرض سرطان الغدد اللمفاوية، وهو قرار يقولان إنه جاء نتيجة لتأثرها بمعتقدات والدتهما المناهضة للطب التقليدي.
ويحمل الشقيقان والدتهما مسؤولية وفاة شقيقتهما بالوما وهي لا تزال في الثالثة والعشرين من عمرها بسبب تبنيها نظريات مؤامرة مناهضة للطب والرعاية الصحية، والتي يعتقدان أنها أثرت على قراراتها بشأن العلاج.
يأتي ذلك في وقت يحذر فيه أطباء الأورام، في تصريحات لبرنامج “بانوراما” الذي يُبث عبر شبكة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، من أن مثل هذه المعتقدات آخذة في الانتشار وتكتسب رواجاً متزايداً.
وقال غابرييل: “لم أستطع إنقاذ أختي من الموت، لكن سيكون لذلك معنى عظيم بالنسبة لي إذا تمكنت من جعل قصتها لا تُنسى كأنها مجرد حالة أخرى ضمن سلسلة من الضحايا الذين فقدوا حياتهم بهذه الطريقة.”
وانتهيتُ من إعداد هذا التقرير لصالح برنامج “بانوراما” والبودكاست الإذاعي “ماريانا في أرض المؤامرة2” الذي يٌبث عبر إذاعة بي بي سي4. وقمت بتجميع خيوط القصة لكشف كيف انتهى الأمر بهذه الخريجة الشابة من جامعة كمبريدج إلى رفض تناول علاج كان من الممكن أن ينقذ حياتها، وذلك من خلال تتبّع نشاطها عبر الإنترنت ومقابلة أشخاص مقربين منها.
واكتشفت أن مؤثرين في عالم نظريات المؤامرة، مثل كيت شميراني، أصبحوا ينشرون آراء مناهضة للطب – كانت تُعتبر في السابق دون تأثير يُذكر – وذلك بين ملايين المتابعين — مما من شأنه أن يُعرض الأشخاص الأكثر عرضة للتأثر بهذه الأفكار لمخاطر جسيمة.
وقال توم روكس، نائب رئيس الكلية الملكية لأطباء الأشعة – والتي تمثل أيضاً الأخصائيين في علاج الأورام – إن مكافحة المعلومات الطبية المضللة باتت أكثر صعوبة في ظل بروز شخصيات مثل روبرت ف. كينيدي الابن، الذي سبق أن عبر عن آراء غير علمية.
وأضاف: “عندما يروج وزير الصحة والخدمات الإنسانية في الولايات المتحدة علناً لمعتقدات مثل وجود صلة بين اللقاحات والتوحد – وهي مزاعم تم دحضها علمياً منذ سنوات – فإن ذلك يُسهل على الآخرين نشر آراء مضللة.”
وتابع: “أعتقد أن الخطر يكمن في أن العلاجات البديلة الضارة تزداد شعبيتها، وهو ما قد يُلحق بالناس أذى مباشراً يتسع نطاقه”.
“نظريات المؤامرة في الطريق إلى المدرسة”
نشأت بالوما وتوأمها غابرييل، إلى جانب سيباستيان وشقيقتهما الصغرى، في بلدة أكفيلد الصغيرة بمقاطعة ساسكس، إذ تعرضوا منذ سن مبكرة، وفقاً لما يقوله أشقاؤها، لأفكار قائمة على نظريات المؤامرة في المنزل.
وقال الشقيقان إن والدهما كان أول من انجذب إلى نظريات المؤامرة، وهو ما أثار اهتمام والدتهما لاحقاً. ونشأ الأطفال في بيئة مشبعة بأفكار غريبة، من بينها، كما يروي غابرييل، الاعتقاد بأن العائلة المالكة البريطانية عبارة عن “سحالي متحولة”، مضيفاً أنه: “عندما تكون طفلاً صغيراً، تثق بوالديك… فتتقبل ما يقولانه على أنه الحقيقة”.
ورجح سيباستيان أن والدته كانت تستخدم أفكارها كوسيلة للسيطرة عليهم. ويتذكر حين قررت كيت شميراني ذات مرة أن شبكة الواي فاي تشكل خطراً، فأوقفتها في المنزل، متجاهلة توسلاته بأنه بحاجة إلى تسليم مشروع دراسي للمرحلة الثانوية. وقال: “ذلك لم يكن سوى غذاء للمتعة التي كانت تجدها في استخدام منظومتها غير المنطقية من المعتقدات للسيطرة علي”.
ورغم خضوعها لعملية جراحية لاستئصال الورم، تنسب كيت شميراني تعافيها إلى العلاجات البديلة، وتنشر عبر الإنترنت تفاصيل برنامج اعتمدت فيه على العصائر وحقن القهوة الشرجية للوصول إلى ما تصفه بأنها أصبحت “خالية من السرطان”. ويُلاحظ أنها تتجنب استخدام مصطلح “الشفاء التام”.
وقالت شانتيل، صديقة مقربة من بالوما كانت معها في نفس المدرسة، إن الأخيرة تأثرت ببعض تلك الأفكار. وأضافت: “كانت بالوما تتحدث عن أن والدتها شُفيت بنفسها، وكانت تؤمن بأن الواقي الشمسي يمكن أن يسبب السرطان. وأتذكر أنها كانت تتعرض لحروق شديدة من الشمس أثناء تواجدنا في المدرسة”.
وقال سيباستيان: “كانت إستراتيجية بالوما أن تُرضي الآخرين، وأن تكون لطيفة، وتحاول كسب المحبة التي لم تعتد الحصول عليها”.
وكشفت الرسائل التي كانت بالوما تتبادلها مع صديقها آنذاك أندر هاريس — والتي طلعت عليها بي بي سي – عن تفاصيل علاقتها بوالدتها، التي اتسمت أحياناً بالحب والرعاية، لكنها لم تخل من لحظات وصفتها بالوما بأنها “سامة ومسيئة”.
وخلال عيد الميلاد في عام 2022، أخبرت بالوما صديقها هاريس بأن والدتها كانت تلومها على عدم عودة أشقائها الآخرين إلى المنزل في تلك المناسبة. وكتبت تقول: “سئمتُ تماماً من هذا التعنيف”، مُلمحة في رسالة حادة اللغة إلى أن هذا النوع من المعاملة كان يحدث باستمرار.
وفي الجامعة، بدا أن بالوما بدأت تبتعد تدريجياً عن أفكار والدتها في بعض الأحيان. وتقول شانتيل إنها عادت لتناول اللحوم وبدأت استخدام معجون أسنان يحتوي على الفلورايد. ومع ذلك، يُشير كل من شانتيل وأندر إلى أنها ظلت مشككة في لقاح كوفيد-19 ورفضت التحصين به.
مخاوف تأثير الوالدين
في أواخر عام 2023، وبعد فترة وجيزة من تخرجها، بدأت بالوما تعاني من آلام في الصدر وصعوبة في التنفس، مما دفعها إلى التوجه إلى المستشفى.
لكن في 22 ديسمبر/ كانون الأول، توجهت بالوما برفقة أندر إلى مستشفى مايدستون حيث أبلغها الأطباء بأنها مصابة بـ”لمفومة لاهودجكينية”. وعلى الرغم من أن هذا النوع من السرطان قد يكون مميتاً إذا لم يُعالج، إلا أن الأطباء أوضحوا لها أن فرصتها في التعافي 80 في المئة إذا خضعت للعلاج الكيميائي.
وأخبرت بالوما والدتها بما حدث، وأكد أندر أن بالوما كانت لا تزال ترغب في دعمها رغم أن علاقتهما سادها التوتر في الفترة الأخيرة. وأعلنت كيت شميراني آنذاك نيتها الحضور إلى المستشفى غير أن بالوما كانت قلقة من لقائها، فتحدثت إلى الطاقم الطبي بشأن مخاوفها، وفقاً لما قاله أندر.
وتشير أدلة اطلعت عليها بي بي سي إلى أن تفكير بالوما ربما تأثر بوالدتها خلال اليومين اللذين قضتهما كمريضة مقيمة في مستشفى مايدستون.
وكتبت كيت شميراني رسالة نصية إلى أندر قالت فيها: “من فضلك أخبر بالوما ألا تُوقع أو تُبدي أي موافقة شفهية على العلاج الكيميائي أو أي علاج آخر”.
وناقش الطاقم الطبي فيما بينهم المخاوف ذات الصلة بسلامة بالوما، ودونوا ملاحظة تشير إلى “قلق بشأن تأثير الوالدين” عليها. رغم ذلك، خلصوا إلى أنها قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.
تواصلت بالوما مع باتريك فيكرز، الشريك السابق لكيت شميراني، وفقاً لما قاله أندر، مؤكداً أن العلاقة بينهما كانت جيدة. كما أن فيكرز يعمل أيضاً في مجال الطب البديل.
وعندما سألت بالوما فيكرز عن “فرصة الشفاء بنسبة 80 في المئة” التي أشار إليها الأطباء في حال خضوعها للعلاج الكيميائي، قال إن هذه النسبة “مبالغ فيها” وشجعها على البدء بما يُعرف بعلاج “غيرسون”، مع إمكانية التفكير في العلاج الكيميائي لاحقاً إذا لم تتحسن حالتها بعد ستة أسابيع.
وقال فيكرز إن أي “ادعاءات بأني لعبت دوراً في وفاة بالوما غير دقيقة من الناحية القانونية”. كما قدم مستندات لبي بي سي تدعم علاج “غيرسون”.
ويتضمن علاج “غيرسون” نظاماً غذائياً نباتياً صارماً، مصحوباً بتناول العصائر والمكملات الغذائية، واستخدام حقن القهوة الشرجية. ويزعم بعض الأشخاص — من دون وجود دليل علمي يدعم ذلك — أن هذا العلاج يمكن أن يُستخدم لمواجهة أنواع مختلفة من السرطان
وكانت بالوما قلقة من الآثار الجانبية لعلاج الكيميائي، وفقاً لأندر، لأنه قد يسبب الإرهاق والغثيان وتساقط الشعر، وقد يؤثر على الخصوبة. وأشار إلى أن طاقم التمريض تحدثوا معها عند التشخيص بشأن إمكانية تجميد البويضات واستخدام الشعر المستعار.