على النقيض من مساعي إسرائيل الحثيثة منذ 78 عاما، في استقطاب اليهود إليها من جميع أنحاء العالم، تحت شعار توفير “وطن آمن”، تتوالى استطلاعات الرأي التي تعكس تنامي الهجرة العكسية، في مؤشرات تثير قلقا متزايدا في تل أبيب.
وكشف آخر استطلاع للرأي نشرته هيئة البث الإسرائيلية، أن ما يقارب خُمس الإسرائيليين فكروا في الهجرة من إسرائيل، خلال العامين الماضيين.
ووفق الاستطلاع الذي شمل عينة عشوائية من 2358 إسرائيليا، فإن 18% من المشاركين، أي ما يقارب الخُمس، فكروا خلال عامي 2024 و2025 في الهجرة من إسرائيل، في حين أجاب 82% بالنفي.
ورصد الاستطلاع مدى انتشار ظاهرة الهجرة العكسية؛ إذ أفاد نحو ثلث المشاركين بأنهم يعرفون شخصا هاجر من إسرائيل خلال العامين الماضيين، في حين عبّر 41% عن قلقهم من أعداد المهاجرين.
وعلى وجّه العموم، تُظهر أرقام “الهجرة العكسية” من إسرائيل، زيادة كبيرة وغير مسبوقة في السنوات الأربع الأخيرة، بلغت ذروتها في عام 2024، في وقت تجاوز فيه إجمالي عدد المغادرين لإسرائيل بلا رجعة 150 ألفا، في ظل انقسامات حادة حول هوية الدولة، وتردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

الهجرة في حسابات الانتخابات
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، خلص الاستطلاع الذي أجراه معهد “كانتار” الخاص، أمس الأحد، إلى أن قضية هجرة الإسرائيليين للخارج تحظى باهتمام متزايد، مع قرب الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وقال 12% من المشاركين إن نتائج الانتخابات المقبلة قد تؤثر في قرارهم بشأن مواصلة الإقامة في إسرائيل أو الهجرة منها.
في المقابل، أفاد نحو ثلثي المشاركين بأن نتائج الانتخابات لن تؤثر في قرارهم، بينما قال نحو الخُمس إنهم لا يعرفون ما إذا كانت ستؤثر فيه.
وكشفت النتائج عن تباين واضح بين مؤيدي الائتلاف الحكومي والمعارضة.
فبين مؤيدي الائتلاف، قال 70% إنهم غير قلقين من أعداد الذين يهاجرون من البلاد، مقابل 22% أعربوا عن قلقهم.
أما في أوساط مؤيدي المعارضة، فقال نحو 60% إنهم قلقون من أعداد المهاجرين، مقابل نحو الربع أفادوا بأنهم غير قلقين.
الهجرة ونتنياهو
ويظهر الانقسام السياسي بصورة أوضح عند سؤال الإسرائيليين عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووفقا لتقرير أعده مراسل الجزيرة إلياس كرام، الشهر الماضي، فإن استطلاعات الرأي أظهرت أن نحو رُبع الإسرائيليين (23%) يفكرون في المغادرة إذا شكّل نتنياهو الحكومة المقبلة.
ويلفت التقرير إلى أن محاولات حكومة نتنياهو الانقلاب على السلطة القضائية وتقليص صلاحيات المحكمة العليا والنائب العام ورئيس المخابرات الداخلية كانت من أبرز الأسباب التي أخرجت آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع، ولم تخلُ تلك الاحتجاجات من دعوات للعصيان المدني ورفض الأوامر العسكرية، في مؤشر على شرخ مجتمعي عميق.

من التفكير إلى الهجرة الفعلية
ولا تبدو مؤشرات الهجرة المتزايدة مجرد مخاوف أو نوايا؛ إذ تتزامن نتائج الاستطلاع مع بيانات تشير إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الإسرائيليين الذين يهاجرون للخارج لفترات طويلة.
والأسبوع الماضي، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن بحث نشرته جامعة تل أبيب، استنادا إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية، أن نحو 268 ألفا و509 إسرائيليين هاجروا من البلاد بين عامي 2023 و2025 لمدة 3 أشهر على الأقل.
ووصفت الهيئة العدد بأنه “رقم قياسي خلال السنوات الأخيرة”.
ووفق البحث ذاته، هاجر نحو 90 ألف إسرائيلي من البلاد خلال العام الماضي لمدة 3 أشهر على الأقل، وهو رقم قالت الهيئة إنه يتجاوز بكثير المتوسط المسجل خلال العقد السابق.
والخميس، نقلت صحيفة معاريف عن دراسة لمصلحة الضرائب الإسرائيلية أن عدد الإسرائيليين المغادرين من إسرائيل تضاعف، مشيرة إلى أن الزيادة الحادة سُجلت بشكل رئيسي بين أصحاب الأجور المرتفعة، والعاملين في مجال التكنولوجيا المتقدمة والطب، والأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاما.
ولفتت الصحيفة إلى أن الخسائر الضريبية المحتملة للدولة بلغت نحو 1.2 مليار شيكل سنويا (400 مليون دولار).
وكانت صحيفة “إسرائيل هيوم” كشفت أن معدل هجرة الإسرائيليين الأغنياء تضاعف بين عامي 2019 و2024، في تطور قالت إنه يكبد الدولة خسائر ضريبية تُقدّر بمئات ملايين الدولارات سنويا.
وأوضحت الصحيفة أن الخسائر الضريبية الناجمة عن هجرة هذه الفئة ارتفعت من نحو 500 مليون شيكل (166 مليون دولار) سنويا عام 2019 إلى 1.2 مليار شيكل (400 مليون دولار) سنويا في عامي 2023 و2024، وهو ما أثار مخاوف داخل وزارة المالية الإسرائيلية.
وكانت تقارير إسرائيلية سابقة قد عزت تصاعد الهجرة من إسرائيل إلى تداعيات الحروب، وارتفاع تكاليف المعيشة، والأزمة السياسية المرتبطة بمحاولات اليمين الحاكم تمرير تشريعات تحد من صلاحيات القضاء.
المصدر: الجزيرة