في الساعات الأولى للهجمات التي شهدتها مالي يوم السبت 25 أبريل/نيسان، بدا واضحا أن الهدف من تلك الهجمات لم يكن إلحاق خسائر ميدانية بالجيش والحكومة، بل توجيه رسالة تقول إن الجماعات المسلحة لا تزال قادرة على الاقتراب من العمق الأكثر تحصينا في الدولة.
فقد أصابت تلك الهجمات الواسعة والمنسقة مواقع عديدة في العاصمة باماكو ومحيطها، إلى جانب كاتي التي تُعد من أهم مراكز النفوذ العسكري والسيادي في البلاد، كما أصابت كيدال وغاو وتساليت ومناطق أخرى، وتكررت الهجمات بأساليب مختلفة، لكن بتوقيت متقارب ورسائل متشابهة.
وفي مقال نشرته الجزيرة نت بعنوان: “هذا ما تخفيه هجمات 25 أبريل في مالي”، يشرح ماريغا ماسري، المستشار السابق لدى المجلس الأعلى التابع لوزارة المالية في مالي، هذه الأحداث ويستشرف تعاطي السلطات مع التحديات خلال المرحلة المقبلة في ضوء هذه الأحداث، وذلك عبر الإجابة عن 5 أسئلة رئيسية.
1. ما دلالة توقيت الهجمات؟
يرى ماسري أن توقيت هذه الهجمات لم يكن عشوائيا، فدولة مالي تمر بمرحلة شديدة الحساسية سياسيا وأمنيا، في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة وتوترات إقليمية معقدة، إضافة إلى استمرار حالة عدم الاستقرار في أجزاء واسعة من البلاد.
لذلك يصعب التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد عملية ميدانية منفصلة عن السياق العام؛ لأن مثل هذه الهجمات غالبا ما تحمل رسائل تتجاوز بعدها العسكري المباشر، سواء للداخل المالي، أو للأطراف الإقليمية والدولية المتابعة للمشهد.
2. ماذا تكشف عن التنسيق بين الجماعات المسلحة؟
يرى كاتب المقال أن أخطر ما كشفته هذه الهجمات لا يتعلق بحجمها فقط، بل بطبيعة التنسيق الذي ظهر بين جماعات تختلف ظاهريا في الخطاب والأهداف. وأبرز النقاط بهذا الشأن هي:
- تجاوز الخلافات الظاهرية: كشفت الهجمات الأخيرة عن تنسيق عميق بين جماعات تختلف في أهدافها ومعتقداتها، مما يعني أن المصالح الميدانية أصبحت تتفوق على التباين في الخطاب.
- سياق تاريخي ممتد: هذا التعاون ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة مخاض طويل من إعادة التموضع وتبدل الولاءات بدأ منذ عام 2012.
- تآكل الحدود الفاصلة: لم تعد هناك فواصل واضحة بين الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية؛ حيث تجمعهما الرغبة في السيطرة على طرق التمويل والنفوذ.
- الانتقال من الظل إلى العلن: الميزة الأبرز حاليا هي خروج التنسيق بين الفصائل إلى العلن، وهو ما منح الهجمات بعدا سياسيا إضافيا.
3. ما الرسائل التي أرادت هذه العمليات إيصالها؟
ومن وجهة نظر كاتب المقال فإن الرسائل التي سعت الجماعات المسلحة لتوجيهها من خلال هذه الهجمات تشمل الآتي:
- على المستوى الداخلي:
لم تكن الهجمات مجرد خسائر ميدانية، بل محاولة لفرض الشعور بعدم اليقين داخل المجال الأمني للدولة. وذلك باستهداف مواقع حساسة ومراكز مرتبطة ببنية القرار العسكري، مما أعاد الأسئلة حول قدرة السلطة على تأمين عمقها الإستراتيجي. أرادت الجماعات مضاعفة الوقع النفسي للهجمات خلال الساعات الأولى من خلال حالة الإرباك وتضارب المعلومات بشأن ما يحدث.
- على المستوى الخارجي:
وجهت الهجمات رسالة بأن الصراع في منطقة الساحل لا يزال مفتوحا على احتمالات أكثر تعقيدا. أثبتت الجماعات قدرتها على إعادة تنظيم نفسها وتنفيذ عمليات متزامنة رغم التحولات العسكرية والسياسية. كشفت العمليات أن الأزمة الأمنية في الساحل لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار الحقيقي.
4. ما مدى الفجوة بين رواية الإعلام والواقع؟
شهدت الساعات الأولى للهجمات تباينا واضحا في الروايات بين حديث عن انهيار واسع وانطباع بأن الوضع تحت السيطرة، مما تسبب في ضياع التفاصيل الدقيقة وسط واقع ميداني لم يمثل أيًّا من الاتجاهين بشكل كامل، بل كان أقرب إلى ارتباك ميداني في أكثر من نقطة جعل الصورة تتشكل بشكل متأخر ومتدرج.
وقد وضعت هذه الهجمات المنظومة الأمنية تحت ضغط مباشر ظهر في بطء الاستجابة في الساعات الأولى قبل البدء في إعادة التموضع واستعادة السيطرة على نقاط حساسة في العاصمة ومحيطها.
5. ما سيناريوهات المرحلة المقبلة؟
يتوقع ماريغا ماسري في مقاله أن تشهد مالي تغييرات بعد الهجمات على النحو التالي:
- إعادة ترتيب الأولويات الأمنية: ستضطر السلطات في باماكو إلى تغيير تعاملها مع الملف الأمني، حيث لم يعد تأمين المدن وحدها كافيا بعد أن أصبح الخطر ممتدا على طول الطرق الرئيسية والمناطق المفتوحة.
- توسيع الرؤية السياسية: قد يدفع تداخل الجماعات المسلحة في مالي والساحل صناع القرار إلى التفكير بطريقة أوسع، حيث ستحدد المرحلة القادمة مدى القدرة على تأمين المناطق البعيدة التي تشهد قبضة الدولة عليها ضعفا أكبر.
- مؤشر لمرحلة أكثر تعقيدا: لم يكن ما حدث في 25 أبريل/نيسان هجوما عابرا، بل هو مؤشر على دخول الصراع مرحلة تتشابك فيها العمليات الواسعة مع القدرة على فرض حضور نفسي وإعلامي.
- التحدي الجغرافي الأصعب: يتمثل التحدي الأساسي في استعادة السيطرة على المجال الجغرافي الذي يربط بين المدن الرئيسية، في ظل اتساع حالة الهشاشة الأمنية خارج المراكز الحضرية.
المصدر: الجزيرة