“هدنة قصيرة” بالأسواق العالمية بعد تراجع ترمب عن تهديداته لأوروبا

تنفست الأسواق الأوروبية والعالمية الصعداء، ولو مؤقتا، عقب تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية، في خطوة أنهت فصلا جديدا من التصعيد التجاري الذي خيم خلال الأسابيع الماضية على العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.

وجاء هذا التراجع بعد توتر متصاعد على خلفية الخلاف السياسي المرتبط بملف جزيرة غرينلاند، والذي كاد يتحول إلى أزمة تجارية مفتوحة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وكانت المفوضية الأوروبية قد اعتبرت، في خضم هذه التطورات، أن الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق حاسم، تختبر فيه وحدته الداخلية وقدرته على الرد الجماعي والحاسم على تهديدات واشنطن، بما يضمن الحفاظ على استقلال قراره الاقتصادي وحماية مصالحه التجارية في مواجهة ضغوط الإدارة الأمريكية.

ولوّح ترمب بفرض رسوم جمركية تبدأ بنسبة 10% على الواردات الأوروبية، مع إمكانية رفعها تدريجيا لتصل إلى 25%، في خطوة اعتبرها مراقبون امتدادا لما بات يعرف بـ”الفصل الثاني” من الحرب التجارية بين الجانبين، بعد الرسوم التي أقرها البيت الأبيض خلال العام الماضي.

وتعكس هذه التهديدات حالة التدهور غير المسبوقة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين واشنطن وبروكسل، حيث باتت الثقة المتبادلة في أدنى مستوياتها، وسط مخاوف أوروبية من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تقليص حجم المبادلات التجارية وإلحاق أضرار واسعة بسلاسل الإمداد والأسواق المالية العالمية.

تجارة بقيمة تريليوني دولار

وتكتسب هذه التوترات أهمية خاصة بالنظر إلى الحجم الهائل للتبادل التجاري بين الطرفين. ففي عام 2024، بلغ حجم التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو تريليوني دولار، ما يجعل هذه العلاقة التجارية الأكبر عالميا.

ووفق الأرقام المتداولة، صدّر الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة ما يقارب 624 مليار دولار، في حين استورد منها نحو 400 مليار دولار، وهو ما يعكس فائضا تجاريا لصالح أوروبا يُقدر بنحو 224 مليار دولار عند احتساب السلع والخدمات معا. ويعد هذا الفائض أحد أبرز الذرائع التي تستخدمها واشنطن للضغط على شركائها الأوروبيين واتهامهم بتحقيق مكاسب غير عادلة من التجارة الثنائية.

إعلان

وتتصدر المنتجات الصيدلانية والطبية قائمة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى السوق الأمريكية، إلى جانب السيارات وقطع غيارها، والآلات والمعدات الصناعية، وهي قطاعات حيوية تشكل ركائز أساسية للصناعة الأوروبية وتوفر ملايين فرص العمل داخل دول الاتحاد.

في المقابل، تستورد أوروبا من الولايات المتحدة منتجات البترول ومشتقاته، إضافة إلى آلات ومعدات توليد الطاقة، وقطع غيار الطائرات، وهي سلع إستراتيجية تعتمد عليها قطاعات الطاقة والنقل والصناعة الأوروبية.

أوراق ضغط أوروبية

ورغم استخدام الولايات المتحدة لفائضها التجاري كورقة ضغط سياسية واقتصادية، يرى الأوروبيون أن لديهم بدورهم أدوات ردع قادرة على موازنة الكفة في حال تجدد التصعيد. ويبرز في هذا السياق قانون مكافحة الإكراه الاقتصادي الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 2023، والذي يتيح لبروكسل اتخاذ إجراءات مضادة ضد أي دولة تستخدم التجارة أو الرسوم الجمركية كوسيلة للضغط السياسي.

إلى جانب ذلك، لا يستبعد مراقبون لجوء الاتحاد الأوروبي إلى التصعيد التجاري المتبادل، سواء عبر فرض رسوم مقابلة أو عبر قيود تنظيمية تطول الشركات الأمريكية العاملة في السوق الأوروبية.

السلاح المالي خيار أخير

وتتجاوز أوراق الضغط الأوروبية البعد التجاري لتشمل أدوات مالية ذات تأثير بالغ. إذ تمتلك دول الاتحاد الأوروبي سندات خزانة أمريكية تقدر قيمتها بنحو 3.6 تريليونات دولار، ما يمنحها نفوذا مؤثرا في الأسواق المالية الأمريكية.

ويحذر خبراء من أن استخدام هذا “السلاح المالي” سيعني عمليا بدء ابتعاد أوروبا تدريجيا عن أسواق وول ستريت، والتوجه نحو ملاذات آمنة مثل الذهب، أو تعزيز الشراكات المالية والتجارية مع تكتلات وأسواق دولية أخرى، وهو سيناريو قد يترك تداعيات عميقة على النظام المالي العالمي.

ورغم أن تراجع ترمب عن تهديداته الجمركية منح الأسواق هدنة قصيرة الأجل، إلا أن جذور الخلاف بين واشنطن وبروكسل ما زالت قائمة، وسط غياب حلول دائمة تعالج اختلالات العلاقة التجارية بين الطرفين. ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بمنطق الحذر والترقب، في انتظار ما إذا كانت هذه التهدئة مقدمة لإعادة ضبط العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من المواجهة.

 

المصدر: الجزيرة