وسط انقطاعات للكهرباء تصل إلى 22 ساعة يوميا، وحصار نفطي أمريكي مشدد، وزيارات استخبارية استثنائية، تقف كوبا أمام تصعيد أمريكي غير مسبوق يلوّح بتكرار سيناريو فنزويلا.
وتأتي هذه الحزمة من الضغوط ضمن مساعٍ واضحة لدفع النظام الكوبي نحو تقديم تنازلات سياسية واقتصادية كبرى، وصولا إلى التلويح بتوجيه اتهامات جنائية للرئيس السابق راؤول كاسترو.
حصار طاقة ومراقبة عسكرية
يتجلى الضغط في أزمة الطاقة الخانقة، فمنذ يناير/كانون الثاني الماضي، فرضت إدارة الرئيس دونالد ترمب حصارا نفطيا، ولم تسمح بدخول سوى ناقلة نفط روسية واحدة تُدعى “أناتولي كولودكين” في مارس/آذار.
ونتيجة لذلك، أعلن وزير الطاقة الكوبي نفاد احتياطيات الوقود كليا، مما أدى إلى خروج 65% من الأراضي الكوبية عن الشبكة الكهربائية في وقت متزامن.
هذا المشهد، الذي تسبب في توقف الخدمات وتلف الأغذية، دفع سكانا في هافانا والأحياء المحيطة بها إلى الخروج في احتجاجات ليلية تخللها قرع للأواني للمطالبة بعودة التيار، بحسب شهادات نقلتها وكالات أنباء دولية.
ولم يقتصر التصعيد على الاقتصاد بل امتد إلى استعراض القوة العسكرية، ففي الأسابيع الأخيرة، نفذت القوات والوكالات الاستخبارية الأمريكية عشرات الطلعات الجوية الاستطلاعية باستخدام طائرات مسيّرة وغيرها قبالة السواحل الكوبية، في خطوة تزيد من التوتر في الجزيرة.

سيناريو فنزويلا
وسط هذا الاحتقان، سربت وسائل إعلام أمريكية نية وزارة العدل توجيه اتهامات جنائية إلى الرئيس السابق راؤول كاسترو (94 عاما).
وتتعلق التهم المحتملة بحادثة وقعت عام 1996، حين أسقطت طائرات حربية كوبية طائرتين مدنيتين لجماعة “إخوة للإنقاذ” المعارضة، وكان كاسترو حينها وزيرا للدفاع.
وتربط تقارير غربية -في مقدمتها صحيفة نيويورك تايمز- بين هذا التوجه وما جرى في فنزويلا مطلع العام، حين استُخدمت لائحة اتهام مشابهة مبررا لعملية عسكرية أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة.
وعزز ترمب هذا التهديد بتصريح أشار فيه إلى إمكانية إيقاف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” على بُعد 100 ياردة فقط من الشواطئ الكوبية.
لكن المؤرخ أرماندو تشاغواسيدا، في حديث لصحيفة “إلباييس” الإسبانية، يلفت إلى فارق بنيوي جوهري، إذ يرى أن بنية السلطة في كوبا أكثر تجانسا وتماسكا، وليست عبارة عن “مجموعة مراكز نفوذ متنافسة” كما هو الحال في فنزويلا، مما يجعل اختراقها أمرا بالغ الصعوبة.
وحذر في الوقت ذاته من أن هذه المركزية الشديدة قد تجعل انهيار النظام -إن حدث- انهيارا مفاجئا وشاملا.

ويوم 3 يناير/كانون الثاني الماضي، شنت قوات أمريكية خاصة هجوما على فنزويلا، أسفر عن اعتقال رئيسها مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك لمحاكمتهما، إذ تتهم واشنطن مادورو بتهم بينها الإرهاب المرتبط بالمخدرات وحيازة الأسلحة.
وأعلن الرئيس الأمريكي لاحقا أن بلاده ستتولى إدارة شؤون فنزويلا خلال فترة انتقالية، وسترسل شركاتها للاستثمار في قطاع النفط، دون تحديد جدول زمني.
“دبلوماسية الإذعان” والمساعدات المشروطة
تترافق الضغوط الأمريكية تجاه كوبا مع تحرك استخباري، تمثل في هبوط مدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) جون راتكليف في هافانا للقاء مسؤولين كوبيين، في مقدمتهم حفيد راؤول كاسترو.
ووفقا لـنيويورك تايمز، حمل راتكليف إنذارا بضرورة إغلاق محطات التنصت الروسية والصينية، وهو تحرك وصفه المحلل بيتر كورنبلوه -المتخصص في العلاقات الأمريكية الكوبية- لشبكة “سي إن إن” بأنه يندرج ضمن “دبلوماسية الإذعان”.
وفي سياق الأزمة المتفاقمة، عرضت واشنطن 100 مليون دولار مساعدات بشرط توزيعها عبر الكنيسة الكاثوليكية وليس الحكومة، واشترط وزير الخارجية ماركو روبيو “تغيير مسار القيادة” لتقديمها.
وقال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز إن بلاده “مستعدة للاستماع إلى تفاصيل المقترح وكيفية تنفيذه”، دون إعلان قبول صريح.
وبموازاة هذا الحذر الدبلوماسي، تعيش كوبا حالة من الاستنفار الداخلي للتعامل مع أسوأ السيناريوهات، إذ أصدرت هيئة الدفاع المدني الكوبية “دليلا عائليا” يوجه المواطنين للاستعداد لـ”عدوان عسكري محتمل”، داعية العائلات إلى تجهيز حقائب طوارئ وتعلّم الإسعافات الأولية.

جذور الصراع.. من روزفلت إلى “كوبنة كوبا”
ولفهم هذا التصعيد، تشير الباحثة ديبورا شنوكال في موقع “ذا كونفرزيشن” إلى أن مساعي واشنطن للسيطرة على كوبا تسبق الحرب الباردة، ففي عام 1898، استغلت الولايات المتحدة الثورة الكوبية ضد الاستعمار الإسباني لتتدخل وتحتل الجزيرة، لقطع الطريق على استقلالها التام، خشية تكرار نموذج ثورة هايتي في جوارها، حيث نجح العبيد حينها في الإطاحة بالمستعمر وتأسيس جمهورية مستقلة.
وبلغ الاستياء الأمريكي ذروته عام 1906، حين كشفت رسالة خاصة للرئيس ثيودور روزفلت عن غضبه الشديد من “الجمهورية الكوبية الصغيرة”، معبّرا عن رغبته في “محو شعبها من على وجه الأرض”.
وقد أسست هذه الحقبة التاريخية -التي تعاملت مع كوبا لعقود بوصفها “منتجعا” أمريكيا- لصدام طويل الأمد، بدأ فعليا عام 1959 مع صعود فيدل كاسترو وإطلاقه مشروع “كوبنة كوبا” لاستعادة السيادة الوطنية.
وفي النهاية، يكتسب هذا التصعيد أبعادا إضافية بالنظر إلى توقيته، إذ تشير التسريبات إلى صدور الاتهام المحتمل لراؤول كاسترو يوم 20 مايو/أيار الجاري، وهو يوم استقلال كوبا وجلاء القوات الأمريكية عنها، مما يعيد إلى الواجهة إرث الصراع التاريخي بين واشنطن وهافانا.
المصدر: الجزيرة