لم يكن جيفري إبستين مجرد “منبوذ” يمارس جرائمه في الخفاء، بل كان -حسب وصف الصحفية الاستقصائية فيكي وارد- “حلقة وصل” في قلب شبكة النفوذ التي تحكم المال والسياسة في الولايات المتحدة.
وكشفت وارد -خلال استضافتها في برنامج من واشنطن بتاريخ (2026/2/5) أن إبستين امتلك قدرة فائقة على “صناعة العلاقات” وتابعت: “لم يكن يذهب للأثرياء والسياسيين، بل هم من كانوا يتدفقون إلى منزله في مانهاتن”.
ولقد جعل من نفسه شخصا لا غنى عنه من خلال تسهيل صفقات تجارية عالمية، وتقديم أكاديميين مرموقين لرجال أعمال وأصحاب نفوذ، مما جعل الجميع مدينين له بالفضل أو يخشون خسارة الشبكة التي يوفرها، وفق الصحفية الاستقصائية، التي تعد أول صحفية التقت مع إبستين قبل 24 عاما وكتبت عن جرائمه.
ولم تكن هذه “البراعة في التلاعب” -كما تصفها وارد- موجهة للضحايا من القاصرات فحسب، بل كانت موجهة بالأساس لرجال النخبة الأكثر قوة وثراءً في العالم، الذين رأوا في إبستين بوابتهم لعالم من الفرص والمصالح المتبادلة.
وتاليا أهم الأسئلة التي أجابت عليها الصحفية الأمريكية أثناء المقابلة التي أجراها محمد معوض مقدم برنامج “من واشنطن” معها…
هل يمكن أن يكون هناك إبستين جديد؟
لم تستبعد الصحفية الاستقصائية فيكي وارد وجود جرائم تشبه جرائم إبستين في نيويورك الآن، مبررة ذلك بأن الجريمة ترتبط بوجود أموال طائلة والمئات من ملايين الدولارات، ما يعزز من فرص استغلال أصحاب النفوذ والأموال مناصبهم لإخفاء مثل تلك الجرائم.
وأشارت وارد -وهي أول صحفية تلتقي إبستين وتكتب عن شبكة علاقاته في “فانيتي فير” عام 2002- إلى أن جيفري إبستين قبل أن يكون فاحش الثراء لم يثبت ضده أي جريمة أو إساءة لمن هم دون سن الرشد.
وأضافت أن إبستين لم يكن مجرد حالة فردية معزولة، بل كان نتاجا لـ”نظام بيئي” (Ecosystem) خاص جدا بمدينة نيويورك؛ تلك المدينة التي توصف بأنها “مدينة الأحلام المالية” حيث يتنافس الرجال فيها بشراسة على “الذهب”.
ولفتت إلى أن إبستين كان جزءا من منظومة “البلوتوقراطية” (حكم الأثرياء) في نيويورك، وطالما أن هذا النظام الذي يمنح الحصانة للنفوذ والمال لا يزال قائما، فإن احتمال تكرار هذا النموذج يبقى واردا جدا.
لماذا تأخر تحقيق العدالة في ملف إبستين وكيف تقيّمين “اتفاق التسوية” عام 2008؟
قالت وارد إن ما حدث في فلوريدا عام 2008 كان “مهزلة قضائية” وتعديا صارخا على حقوق الضحايا، مضيفة أن الضغوط من الجهات النافذة لترتيب “اتفاق تسوية” كانت هزيلة جدا لا تتناسب مع حجم الجرائم المرتكبة.
وأوضحت أنه لو تم التحقيق مع إبستين بجدية في نيويورك منذ البداية، أو لو تحرك مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) بناء على التحذيرات المبكرة، لكان خلف القضبان قبل سنوات طويلة، ولأُنقذت عشرات الضحايا اللواتي تعرضن للاعتداء في السنوات التي تلت ذلك الاتفاق المشبوه.
وما الذي تضيفه ملايين الوثائق وهل تكفي “الأسماء” وحدها لفهم حقيقة ما جرى؟
قالت وارد إن الأسماء مهمة بالطبع من أجل المحاسبة، لكن الأهم هو ما تكشفه الوثائق عن “خريطة النفوذ”، لافتة إلى أنها تعري المنظومة التي جعلت كبار القوم يغضون الطرف عن جرائم بشعة مقابل القرب من دوائر الثروة والفرص التي كان يوفرها إبستين.
وشددت على أن الحقيقة التي تظهرها الوثائق اليوم هي أن إبستين لم يكن يعمل بمفرده، بل كان محميا بنظام مصالح متقاطع جعل من الصمت “إستراتيجية رابحة” للكثيرين، وهو ما أخّر العدالة عقودا.
المصدر: الجزيرة