هل يثير تسارع التعاون العسكري بين أنقرة وقيادة حفتر قلق القاهرة؟

طرابلس/القاهرة- بعد سنوات من تموضعها باعتبارها الداعم العسكري والسياسي الأبرز للسلطات في غرب ليبيا، وسّعت تركيا خلال الفترة الأخيرة قنوات تعاونها مع القيادة العامة في شرق البلاد، في تحول يعكس مقاربة جديدة تقوم على الانفتاح على مختلف مراكز القوة الليبية، وسط مخاوف مصر من تمدد النفوذ التركي على حدودها الغربية، وفق معلومات حصلت عليها الجزيرة نت من مصادر خاصة.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها الجزيرة نت إلى أن التعاون بين أنقرة والقيادة العامة الليبية لم يعد يقتصر على اللقاءات السياسية، بل امتد إلى ملفات عسكرية وفنية، بينما تواصل البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع التركية والقيادة العامة الحديث عن “تعزيز التعاون العسكري” و”التدريب” و”تبادل الخبرات”.

وحسب مصادر خاصة للجزيرة نت، فإن ممثلين عن القيادة العامة ومسؤولين أتراكا توصلوا إلى تفاهمات تتعلق بتطوير مرافق عسكرية وأنظمة للرصد والمراقبة، إلى جانب برامج تدريب لضباط من القوات التابعة للقيادة العامة داخل تركيا، مع مشاركة شركات تركية متخصصة في بعض هذه المشاريع، إلا أن هذه التفاصيل لم تؤكدها أي جهة رسمية.

زيارة صدام حفتر لمعرض الصناعات الدفاعية في تركيا 2025 @القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية
زيارة سابقة لصدام حفتر لمعرض الصناعات الدفاعية في تركيا 2025 (القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية)

تعاون عسكري ممتد

وقال مصدر أمني مطلع، في حديث للجزيرة نت، إن التعاون العسكري التركي لم يعد محصورا في غرب ليبيا، بل امتد إلى المنطقة الشرقية عبر ملفات التدريب وبناء القدرات وتطوير بعض البنى التحتية العسكرية، مشيرا إلى أن صدام حفتر (نائب قائد قوات الشرق الليبي) يقود جانبا كبيرا من هذا التقارب من خلال لقاءات متكررة مع وزير الدفاع التركي ورئيس هيئة الأركان وكبار المسؤولين العسكريين.

وفي السياق ذاته، قال خبير الأمن القومي الليبي فيصل بوالرايقة، في حديث للجزيرة نت، إن هذا التقارب يعكس تحولا في السياسة التركية تجاه ليبيا، إذ لم تعد أنقرة تقصر علاقاتها على غرب البلاد، بل فتحت قنوات تعاون مع القيادة العامة تشمل التدريب والتعاون التقني والزيارات العسكرية، وأضاف أن هذا المسار يمنح القيادة العامة فرصة لتنويع شراكاتها العسكرية، فيما يتيح لأنقرة توسيع نفوذها نحو شرق ليبيا وجنوبها، ورأى أن العلاقة لا ترقى حتى الآن إلى مستوى التحالف الإستراتيجي، في ظل غياب اتفاقية دفاع معلنة واستمرار احتفاظ القيادة العامة بعلاقاتها مع مصر وروسيا والإمارات، لكنه حذر من أن أي وجود عسكري تركي دائم قرب الحدود المصرية أو في الجنوب الليبي سيزيد حساسية القاهرة والجزائر تجاه هذا التقارب.

فتح المعبر الحدودي بين مصر وليبيا
معبر حدودي بين مصر وليبيا (الجزيرة)

“لا يمثل أزمة لمصر”

ولا يعتقد الخبير العسكري العميد سمير راغب، مدير المؤسسة العربية للدراسات الإستراتيجية، أن هذا التحرك يمثل مسار أزمة أو مصدر قلق للقاهرة، معبرا في الوقت ذاته عن أن التعاون التركي مع معسكر شرق ليبيا وخليفة حفتر ربما يكون إيجابيا، خاصة عندما يأتي في وقت يبلغ فيه التنسيق المصري التركي أعلى مستوياته على كافة الأصعدة، بما فيها العسكري.

إعلان

ويوضح راغب، في حديث مع الجزيرة نت، أن الحديث عن قاعدة في الجنوب الليبي، وبعيدا عن الحدود المصرية، لا يمثل أزمة لمصر، التي تهتم فقط بما يتعلق بالمنطقة الشرقية في ليبيا المتاخمة للحدود الغربية المصرية، مؤكدا أن المنطقة المشار إليها لا تمثل أي قلق مصري.

ويرى راغب أن التعاون العسكري بين حفتر وتركيا في الوقت الراهن ربما يخدم الأهداف الإستراتيجية المصرية، إذ إنه من ناحية سيحد من تأثير حفتر في الملف السوداني ويخفض الدعم المقدم لقوات الدعم السريع، خاصة في ظل تطابق الرؤى المصرية والتركية بشأن السودان.

ومن ناحية أخرى، يرى الخبير العسكري المصري أن الوجود التركي في معسكر حفتر سيعمل على ملء مساحات كانت فارغة ومتاحة لطرف إقليمي آخر تتباين رؤاه ومواقفه مع الرؤى والمصالح المصرية بشأن ملفات السودان والقرن الأفريقي.

زيارة صدام حفتر لمعرض الصناعات الدفاعية في تركيا 2025 @الصفحة الرسمية للحكومة الليبية - فيسبوك
من زيارة صدام حفتر لمعرض الصناعات الدفاعية في تركيا 2025 (الصفحة الرسمية للحكومة الليبية – فيسبوك)

إعادة تموضع

وتُظهر البيانات الرسمية التركية والبيانات الصادرة عن القيادة العامة تركيزا على عبارات مثل “تعزيز التعاون العسكري”، و”التدريب”، و”تبادل الخبرات”، و”التعاون في الصناعات الدفاعية”، من دون الإشارة إلى إنشاء قواعد عسكرية أو نشر طائرات مسيّرة أو تنفيذ مشروعات بعينها.

ويرى المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية إلياس الباروني، في حديث للجزيرة نت، أن الانفتاح التركي على القيادة العامة لا يمثل انتقالا من معسكر إلى آخر، بل إعادة تموضع إستراتيجية تهدف إلى الحفاظ على النفوذ التركي أيًّا كانت مخرجات العملية السياسية، وأوضح أن هذا التحول يرتبط بحماية المصالح الاقتصادية، والتكيف مع تغير موازين القوى، والاستعداد لأي تسوية سياسية مقبلة، بينما تسعى القيادة العامة، من جهتها، إلى تعزيز شرعيتها السياسية وتنويع علاقاتها الخارجية.

وتخلص قراءات الخبراء إلى أن ما يجري يعكس انتقال الملف الليبي من مرحلة التحالفات الصلبة إلى مرحلة الشراكات المرنة، مع بقاء مستقبل هذا التقارب رهنا بحدود التعاون ومدى تحوله من تنسيق تكتيكي إلى شراكة طويلة الأمد، وما قد يرافق ذلك من انعكاسات على التوازنات الإقليمية، ولا سيما بالنسبة إلى مصر.

epa13053663 Egyptian Foreign Minister Badr Abdelatty (R) welcomes Turkish Foreign Minister Hakan Fidan (L) before a quadrilateral meeting at Tahrir Palace in Cairo, Egypt, 21 June 2026. EPA/MOHAMED HOSSAM
لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيره التركي (الأوروبية)

تنسيق أمني

وتقول مصادر خاصة للجزيرة نت إن أحد دوافع انفتاح تركيا يتمثل في رغبة أنقرة في تسهيل المصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة مع حكومة الوفاق الليبية السابقة عام 2019، عبر توسيع قنوات التواصل مع الأطراف المؤثرة في شرق ليبيا، إلا أن هذه المعلومات لم تؤكدها الحكومة التركية أو مجلس النواب.

في السياق يدلل راغب على رأيه، بخصوص مصر، بعدم الاعتراض أو الرفض المصري لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وشرق ليبيا على أساس خط بنغازي – تركيا.

ويشير إلى بعد إستراتيجي مصري آخر يقلل من المخاوف أو يمنع القلق المصري إزاء التعاون بين تركيا وحفتر، مشيرا إلى أن مصر تهتم بدرجة كبيرة بملف الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، لافتا إلى أن وجود مثل هذه القواعد ربما يتيح أبواب تنسيق تخدم هذا الهدف الإستراتيجي.

إعلان

الأمر نفسه أكده في حديث للجزيرة مصدر مصري مطّلع على ملف العلاقات المصرية التركية، قائلا “يمكن القول إن تركيا في الوقت الحالي لا تخطو خطوة في ليبيا دون تنسيق مسبق مع مصر”، مشددا على أن هذا يغلق الباب أمام الحديث عن أي قلق مصري إزاء هذا النوع من التحركات والعلاقات.

 

المصدر: الجزيرة