هل يحل الذكاء الاصطناعي المعضلة الأهم للطب النفسي؟

مقدمة الترجمة:

في عالم لم تعد هواتفنا أو ساعاتنا الذكية تفارقنا فيه لحظة، عقد العلماء عزمهم على استغلال هذه الأجهزة وتطويعها لمساعدتهم على الولوج إلى العوالم الخفية في نفوسنا. يعتقد بعض الأطباء النفسيين أن روبوتات الدردشة قد تلعب دورا محوريا في أدوات التشخيص النفسي مستقبلا، فقد باتت قادرة على رؤية عواطفنا وآلامنا من خلال تفاعلاتنا المستمرة معها. لهذا، قرروا الاستعانة بها لرصد “المؤشرات الحيوية الرقمية” التي يعتقدون أنها ربما تقود إلى تشخيص بعض الأمراض النفسية وقياس فعالية البرامج العلاجية.

فهل ستنجح هذه الروبوتات في تشخيص الطبيعة المراوغة للمرض النفسي؟ وهل يمكن لنبرة الصوت، وحركة اليد، والتعابير التي تظهر على قسمات وجوهنا، وحتى اضطرابات النوم، أن تكون إحدى سمات الاكتئاب المهلكة؟ وهل يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأفكار والسلوكيات الانتحارية، فتطلق إنذارا مبكرا قبل الكارثة؟ هذا ما يناقشه كاتب العلوم ديفيد روبسون في مقاله المنشور بمجلة “نيوساينتيست”.

Therapy miracle.Selective focus of mournful tragic male patient looking down and sitting on the couch while psychologist listening to him
يعتقد بعض الأطباء النفسيين أن روبوتات الدردشة قد تلعب دورا محوريا في التشخيص النفسي مستقبلا (غيتي إيميجز)

نص الترجمة:

“يبدو أنك واجهت الكثير من الصعاب الأسبوع الماضي”، هكذا تناهى إلى مسامعي صوت آلي يصدح في الفراغ، قبل أن يواصل طرح سلسلة من الأسئلة الشخصية المتزايدة على غرار: “هل داهمك شعور بالكدر أو الاغتمام؟”، “هل يمكنك وصف هذا الشعور الذي يعتمل في داخلك؟”، “وهل ينجلي عنك أو تخفت حدته قليلا عندما تجود الحياة بأوقات طيبة؟”.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2مسافر على درب الأشواق.. ماذا رأى ابن بطوطة في منى وعرفات؟
  • list 2 of 2هل تفقد واشنطن موقعها العالمي؟

end of list

مع كل إجابة أقدمها له، يشكرني روبوت الدردشة على صراحتي، مبديا تعاطفا إزاء أي هموم قد تهدد صفاء سريرتي. ومع نهاية هذه المحادثة، أجد نفسي قد تحدثت عن جميع الأشياء التي قد يجيش بها صدري، بدءا من أنماط نومي، وصولا إلى شهيتي للطعام، وأشياء من هذا القبيل”.

“يعتقد بعض الأطباء النفسيين أن روبوتات الدردشة قد تلعب دورا محوريا ضمن أدوات التشخيص النفسي مستقبلا”

هل هذا ما سيبدو عليه مستقبلنا؟ يعتقد بعض الأطباء النفسيين أن روبوتات الدردشة قد تلعب دورا محوريا ضمن أدوات التشخيص النفسي في المستقبل، وأن عملية التشخيص والعلاج النفسي سوف تعنى برصد وتحليل المؤشرات الحيوية الرقمية التي يلتقطها الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لمراقبة صحتنا النفسية ولكن أيضا لاختيار طرق العلاج المناسبة. وحتى الآن، تتضمن هذه المؤشرات الحيوية إيقاعات أصواتنا، وتعابير وجوهنا، وتغيّر حركات أجسادنا، والتقلبات التي تحدث في معدل ضربات القلب أثناء نومنا.

إعلان

ربما لا نفطن إلى أن جزءا كبيرا من تلك البيانات موجود بالفعل على الأجهزة التي تلازمنا يوميا، وهو ما يمنح الأطباء النفسيين نظرة استثنائية عن حياة الإنسان تتخطى حدود المألوف. وإذا كُتب لهذه التقنية أن تُتوج بالنجاح، فقد تساعد في تصميم وصياغة خطط علاجية أكثر تخصصا، بل وتتنبأ بالانتكاسات قبل أن تتفاقم الأزمات النفسية للمريض. ومع ذلك، لا زالت الشكوك تحوم حول مدى دقة ومصداقية هذه التشخيصات، ناهيك عن المخاوف المتوقعة بشأن الخصوصية.

تقول الطبيبة النفسية، والباحثة في جامعة ستوني بروك بولاية نيويورك، أنيسة أبي درغام: “تمكّننا هذه الأجهزة التي يرتديها الناس معظم الوقت، من التقاط كم هائل من المعلومات أثناء انغماسهم في حياتهم اليومية. إلا أن ثمة تحديا يواجهنا بشأن كيفية التعامل مع هذا السيل الجارف من البيانات”.

إذا تطورت المؤشرات الحيوية الرقمية وبلغت اكتمالها، فقد تشكّل إحدى أعظم التحولات في تاريخ الطب النفسي. فمنذ نشأة هذا المجال، والتشخيص النفسي يعتمد على الحوارات المعمقة التي يجريها الأطباء مع المرضى. وتتمحور هذه الاستشارات حول محاولة رصد أي أعراض أو سلوكيات غير عادية تظهر على الشخص، مثل تغيّر المزاج، والشهية، والرغبة الجنسية، والحافز، وأنماط النوم، وجميعها من ضمن الأعراض الأكثر شيوعا للاكتئاب.

ولكن على نحو مثير للخيبة، تفتقر الأعراض المنسوبة لكل حالة نفسية إلى الدقة الكافية. فالاكتئاب، على سبيل المثال، قد يظهر بأشكال شديدة التباين، فنجد أن بعض المكتئبين يستغرقون في نوم طويل، بينما يكافح  آخرون ليظفر النوم بجفونهم ولو قليلا. ومع ذلك، يتلقى كلاهما التشخيص ذاته.

بمعنى آخر، قد تكون بعض هذه الأعراض دلالة على حالة أقل تعقيدا مثل اكتئاب أحادي القطب، وفي الوقت نفسه قد تكون مقدمة لحالة أخطر مثل الاضطراب ثنائي القطب. ولهذا، جاهد الطب النفسي كثيرا للوصول إلى دقة تشخيصية تضاهي ما نشهده في مجالات الطب الأخرى، غير أنه لم يتمكن أبدا من بلوغ هذا الهدف المنشود.

“جاهد الطب النفسي كثيرا للوصول إلى دقة تشخيصية تضاهي ما نشهده في مجالات الطب الأخرى، غير أنه لم يتمكن أبدا من بلوغ هذا الهدف المنشود”

بحلول منتصف القرن العشرين، بدأت التساؤلات تتردد على أذهان العلماء بشأن قدرتهم على ابتكار وسائل تتسم بدرجة أكبر من الموضوعية، لتشخيص الاضطرابات النفسية المختلفة اعتمادا على المؤشرات الحيوية. هذه المؤشرات تشمل التغيّرات في النواقل العصبية، مثل السيروتونين والدوبامين، التي قد تعيق قدرة الدماغ على تنظيم مزاجه، أو ربما تؤثر في الهرمونات التي تخبرنا أن استجابات الجسم للتوتر قد اختلت أو خرجت عن مسارها الطبيعي. ويمكن رصد هذه العلامات عبر فحوصات تصوير الدماغ، أو تحليل عينات من السائل النخاعي، أو حتى من خلال فحوصات بسيطة للدم.

يمكن قراءة النفس سماتنا النفسية اعتمادا على بصمتنا الرقمية (شترستوك)

البصمة التي تتركها بياناتك

خلال هذه الرحلة، سخّر كبار الباحثين جهودهم للبحث عن مؤشرات حيوية تتسم بقدر أكبر من الموضوعية . وقد دفع توماس إنسل، الذي قاد المعهد الوطني للصحة النفسية في الولايات المتحدة بين عامي 2002 و2015، المؤسسة إلى التنقيب عن بصمات جينية أو عصبية يمكن أن تدل على أمراض نفسية.

إعلان

غير أن مساعيه لم تثمر الكثير. وفي عام 2017، صرّح إنسل بأن المعهد أنفق نحو 20 مليار دولار خلال فترة قيادته دون أن يحقق الكثير. عن ذلك يقول: “لا أعتقد أننا غيرنا شيئا يُذكر فيما يخص معدلات الانتحار، أو تحسين فرص التعافي لعشرات الملايين ممن وقعوا في براثن الاضطرابات النفسية”.

ما زالت المساعي تُبذل في هذا النطاق بلا هوادة. وقد اشتعلت في الأجواء موجة من الحماسة بسبب احتمالية ظهور علامات تشير إلى مستويات عالية من الالتهاب الجسدي لدى بعض المصابين بالاكتئاب، وهو ما يمنح الأطباء فرصة استخدام الأدوية المضادة للالتهابات. غير أن الخطى لم تصل بعد إلى حيث ينبغي. فحتى الآن لا توجد مؤشرات حيوية معتمدة لأي اضطرابات نفسية.

“حتى الآن لا توجد مؤشرات حيوية معتمدة لأي اضطرابات نفسية”

وعلى الرغم من بطء الخطى، لم يثنِ ذلك الباحثين عن محاولة قراءة النفس البشرية اعتمادا على بصمتنا الرقمية. ومن جانبه، يقول شاي موليناري، عالم الاجتماع بجامعة لوند في السويد: “مع ازدياد تعلقنا بهواتفنا الذكية و ساعاتنا، بدأ هذا المفهوم ينمو شيئا فشيئا خلال آخر عقدين”.

أججت التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي شرارة جديدة من الاهتمام والفضول إزاء هذا المجال. وتأكيدا على ذلك، يقول موليناري: “خلال العامين الماضيين فقط، أصبحنا قادرين على تحليل مجموعة هائلة من البيانات بوتيرة مذهلة”. وقد تمكن هذا البحث حتى الآن من إزاحة الستار عن مؤشرات حيوية محتملة حول إذا كان الشخص الذي أمامنا يصارع اكتئابا، أو مصابا باضطراب القلق العام، أو القلق الاجتماعي، أو يخفي ميولا انتحارية، أو يرزح تحت ثقل اضطراب ما بعد الصدمة. وتُصنف هذه الاضطرابات ضمن أبرز الأزمات النفسية التي تؤثر على حياة الملايين.

ونظرا لتغلغله وانتشاره الواسع في حياة البشر، بات الاكتئاب تحديدا محط انشغال العلماء، وحاز على النصيب الأكبر من اهتمامهم. فمن بين كل ستة أشخاص يعيشون في الدنيا، هناك شخص مصاب بالاكتئاب على الأرجح. وفي عام 2009، لاحظ فريق بقيادة جيفري كوهن من جامعة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة، أن نبرات المصابين بالاكتئاب تتسم بشيء من الرتابة، وتتبنى وتيرة واحدة خالية من أي انفعال قد يمنح الصوت روحه.

وباستخدام  مقياس هاملتون، وهو المقياس الأكثر استخداما لتقييم شدة الاكتئاب لدى المرضى بدقة تبلغ نحو  79%، استطاع الباحثون الاستدلال على مؤشرات حول الحالة النفسية من خلال نبرة صوت الشخص. ولم يكن الصوت هو العلامة الوحيدة لالتقاط خيوط الاكتئاب، فتعابير الوجه أيضا لعبت دورا في الكشف عن وجوده. فقد استطاع برنامج حاسوبي سبق وأن تلقى تدريبا على قراءة تلك الحركات، أن يتوقع  التشخيص السريري للمريض بالدقة ذاتها التي حققها المؤشر الصوتي. فيما أشارت دراسات لاحقة إلى أن طبقة الصوت قد تساعد في معرفة مراحل الاضطراب ثنائي القطب، إذ تميل إلى الارتفاع كلما اقترب المريض من إحدى نوبات الهوس.

“استطاع برنامج حاسوبي مدرب على رصد تعابير الوجه أن يتوقع  التشخيص السريري للمريض بالدقة ذاتها التي حققها المؤشر الصوتي”

بعد ذلك، قرر جيفري كوهن تأسيس شركة ديلبرت إيه آي (Deliberate AI)، ساعيا إلى تشييد صرح جديد بالاعتماد على تلك النتائج وغيرها. وبالفعل، بدأت الشركة تصب جُل تركيزها على طريقة تدفق الكلمات أثناء المحادثات، فكما يقول مارك أفيس، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي للشركة: “غالبا ما ستجد رابطا بين الاكتئاب وزيادة فترات الصمت، أو انخفاض معدل الكلام”. أما تحليلات الوجوه، فلم تعد تكتفي بالتغيرات الواضحة في التعابير، مثل عدد المرات التي يبتسم فيها المرء على سبيل المثال، بل بات تركيزها يتمحور حول حركات الرأس وطريقة تحرك العضلات.

إعلان

عن ذلك يقول أفيس: “إن اندماج هذه السمات وتآلفها معا، هو سر بلوغنا مستويات عالية من الدقة والمصداقية التي يمكن التعويل عليها. ففي الدروب الوعرة لحالات الاكتئاب الحاد، غالبا ما تُفصح السلوكيات غير اللفظية (مثل تعابير الوجه ونبرة الصوت) عما تعجز عنه الإشارات الأخرى، وهي جوانب قد يسهو عنها من يكتفي بتحليل الصوت والكلام وحدهما”.

تتعاون شركة ديلبرت إيه آي مع علماء من كلية بايلور للطب في تكساس لدراسة كيف يمكن للمؤشرات الحيوية  أن تتغير أثناء فترة التعافي. وتأكيدا على ذلك، يقول أفيس: “بينما تشق نتائجنا سبيلها إلى النور، تتخذ من المقاييس الطبية المعروفة أساسا لا تحيد عنه. وبالتالي تزداد ثقة الأطباء، والجهات المسؤولة إزاء عملنا”.

على الجانب الآخر، تمنح هذه التقدمات العلمية فرصة للمؤشرات الحيوية الرقمية للقفز من حيز النظرية إلى أبواب التطبيق. وقد أُدرجت إحدى أدوات شركة ديلبرت إيه آي ضمن برنامج تجريبي جديد تابع لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، وربما يُعترف قريبا بالنتائج التشخيصية التي تنتجها أداة الذكاء الاصطناعي، بوصفها معيارا يمكن أن يُعول عليه في التجارب السريرية.

لم تكّف الشركة عن بذل جهدها في سبيل تسهيل عملية التشخيص الرقمي، أملا في أن تنفتح أبوابها لكل من يقصدها. فبعد أن كانت تعتمد الشركة في بدايتها على مقابلة سريرية كاملة مع طبيب نفسي لجمع المؤشرات الحيوية، باتت اليوم قادرة على بلوغ الدقة ذاتها من خلال استخراج بعض الكلمات من المريض في مدة زمنية لا تتعدى بضع دقائق.

يُسبَغ على هذه التقنية معنى أكبر عند اقترانها بروبوت الدردشة المصاحب لها. في البداية، بدت المحادثة متكلفة بعض الشيء، وغرست بداخلي شعورا ببعض الحرج وأنا أُفضي بمكنون صدري لكيان غير بشري. ومع ذلك، شقّت التجربة سبيلها إلى النجاح بانسيابية تامة.

“توفر المقابلات الافتراضية أملا لحل مشكلات التشخيص النفسي المستعصية مثل ارتفاع تكلفة الجلسات، أو قلة عدد الأطباء أو المعالجين المتاحين”

باتت المقابلات الافتراضية ‏‏أملا ترنو إليه الأعين لحل بعض المشكلات التي تعوق تشخيص المرضى نفسيا، مثل ارتفاع تكلفة الجلسات مع المتخصصين، أو قلة عدد الأطباء أو المعالجين المتاحين لإجراء المقابلات التشخيصية. وبفضل سهولة إجراء هذه المقابلات، أصبح تتبع كيفية تغير الأعراض بمرور الوقت أمرا أيسر دون الحاجة إلى مواعيد باهظة الكلفة، أو ملء استمارات لا نهائية.

فبوسع المرء حاليا إجراء لقاءات قصيرة يومية مع الذكاء الاصطناعي، في الوقت الذي يبدأ فيه الأخير بقراءة مؤشرات صوته وملامح وجهه. وتعليقا على ذلك، يقول أفيس: “يمكننا عبر هذه القراءات بالغة الدقة أن نرصد تغير الأعراض بطريقة لطالما كانت عصية علينا”.

إن التطبيقات العملية لهذا المجال جادة وواعدة، فبمجرد رسم صورة مبدئية للمريض، ومتابعة أعراضه عن قرب باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن للطبيب النفسي معرفة ما إذا كانت أدوية معينة، كمثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية (أكثر مضادات الاكتئاب شيوعا)، تحقق النتائج المرجوة، وبالتالي تغيير الجرعة أو الدواء حسب الحاجة.

“من خلال متابعة أعراض المريض عبر الذكاء الاصطناعي يمكن للطبيب النفسي معرفة ما إذا كانت الأدوية تحقق النتائج المرجوة”

واستنادا إلى هذه المؤشرات الحيوية، يوجه الفريق جهده حاليا نحو إجراء دراسة تهدف إلى التنبؤ بالأفكار والسلوكيات الانتحارية، وهو ما قد يتيح إطلاق إنذار مبكر، واستدعاء دعم إضافي في الوقت المناسب.

وعن ذلك يقول أفيس: “يُعد التشتت الواضح في الكلام، وتذبذب بنية الجمل، من الدلائل على وجود أفكار انتحارية. أما حدة التقلبات المرتسمة على قسمات الوجه، وبالأخص في تقطيب الحاجبين أو الابتسامات المتقطعة، فتشير إلى حقيقة أن هذا الشخص ربما عقد عزمه على الانتحار، وفي اللحظة التي سترصد فيها المنصة أي خطر حقيقي قد يداهم شخصا ما، ستوصله بطبيب نفسي بشري يمكن أن يساعده”.

حين تصبح تحركاتك مرصودة

لم تكن شركة ديلبرت إيه آي وحدها من خاضت غمار هذا النهج، فهناك سباق محموم في هذا المجال. مثلا، شركة “إيليبسيس هيلث” (Ellipsis Health) التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقرا لها، تكرّس جهودها حاليا لتطوير مؤشرات صوتية ولغوية خاصة بها، للتنبؤ بما إذا كان أحدهم يرزح تحت وطأة الاكتئاب، أو يداهمه اضطراب القلق العام.

إعلان

في إحدى التجارب التي نُشرت عام 2022، شجعت الشركة مستخدمي تطبيقها، على تسجيل عينات صوتية مدتها 5 دقائق كل أسبوع لمدة 6 أسابيع، تحدثوا خلالها عن شتى المواضيع، بدءا من مخاوفهم الصحية، وصولا إلى طريقتهم في الحياة والعمل. ولاحقا، أظهرت التحليلات قدرة عالية على التمييز بين المصابين بالاكتئاب أو اضطراب القلق العام وبين الأصحاء.

والمثير للانتباه أن هذه التحليلات تميزت بانخفاض معدل الأخطاء، سواء في الإشارة إلى شخص سليم على أنه مريض أو العكس. وهذا التوازن الدقيق هو بالضبط هو يمنحنا ثقة كافية للتعويل على القياسات الرقمية للمؤشرات الحيوية.

“اضطراب القلق الاجتماعي يمكن استنباطه من طريقة استخدام الشخص لهاتفه”

كما يمكننا مراقبة حركة الجسم بارتداء أجهزة صغيرة مخصصة لقياس كل ارتعاشة أو تسارع في النبضات. وقد اكتشف نيكولاس جاكوبسون من كلية دارتموث بولاية نيوهامشير في الولايات المتحدة، أن المصابين باضطراب القلق العام يُظهرون مستويات أقل من النشاط البدني المكثف، أي أنهم يمارسون التمارين الرياضية بدرجة أقل، ولكنهم ينخرطون في سلوكيات بدنية خاصة مثل التجول المفرط ذهابا وإيابا.

أما اضطراب القلق الاجتماعي، فيمكن استنباطه من طريقة استخدام الشخص لهاتفه. كم عدد المرات التي يتواصل فيها مع الآخرين، أو يتلقى اتصالات؟ وهل يجيب على الهاتف حين يرن أم يتجنب الرد؟ جميعها تساؤلات تساعد إجابتها على التشخيص. وبالفعل، توصل جاكوبسون إلى أن دمج هذه المؤشرات مع بيانات الحركة المسجلة على الأجهزة التي يرتديها الأشخاص المستهدفون، يمكن أن يساعد في تقدير شدة الأعراض بدقة.

لكن لسوء الحظ، أفضى البحث عن المؤشرات الحيوية الرقمية إلى بعض الخيبات المفاجئة التي لا بد أن تكون جرس إنذار أي شخص يعتقد أن التكنولوجيا قادرة على أن تحل محل التفاعلات الحقيقية بين البشر. خذ على سبيل المثال إحدى الدراسات التي ركّزت اهتمامها على جودة النوم. كشفت الدراسة عن أن اضطرابات النوم ليست مجرد عرض للاكتئاب فحسب، بل قد تكون إحدى أسبابه أيضا، لهذا قد يخيّل إليك أن مراقبة نوم الأشخاص بدقة هي وسيلة ذكية للتنبؤ بالتغيرات التي قد تطرأ على صحتهم النفسية.

إلا أن سمير عكري، الباحث في مجال المعلوماتية الطبية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، اكتشف أن الاستبيانات التي ملأها المشاركون بأنفسهم حول نومهم، بدت أدق بكثير في التنبؤ بالاكتئاب من البيانات التي جاءت من هواتفهم وساعاتهم الذكية.

“الاستبيانات التي ملأها المشاركون بأنفسهم حول نومهم، بدت أدق بكثير في التنبؤ بالاكتئاب من البيانات القادمة من الأجهزة الذكية”

تلقي هذه النتائج الضوء على أهمية التواصل الحي والمباشر مع الناس. ولهذا السبب، يُحذّر الأطباء النفسيين من الاعتماد المفرط على المؤشرات الحيوية الرقمية. ومن جانبه، يؤكد سمير على ذلك بقوله: “في نهاية المطاف، ما قد يهمنا هو التجربة التي يخوض غمارها المرء بكل جوارحه. لذا أخشى أنه في أسوأ السيناريوهات، قد تشير ساعة أحدهم إلى أن أموره طيبة ولا يشكو من أي خطب، حتى وإن كان يعاني”.

لحسن الحظ، ما زلنا بعيدين عن ذلك المستقبل القاتم، ومازال هذا المجال يشق طريقه بحذر. وفي يونيو/حزيران 2025، أعلنت الجمعية الأمريكية للطب النفسي عن تأسيس لجنة فرعية جديدة متخصصة في المؤشرات الحيوية، داعية الباحثين إلى تقديم اختباراتهم المقترحة.

تعتزم اللجنة الجديدة التقدم بحذر شديد. فإذا نجح أي اختبار في اجتياز شروطها الصارمة، فلن تعتمده فورا باعتباره وسيلة تشخيص مؤكدة، بل ستدرجه ضمن قائمة “المؤشرات الواعدة”، بهدف تقديم لمحة عن المستقبل، لا اعتماد هذه التقنيات باعتبارها اختبارات تشخيصية نهائية.

هذه التقنيات لا تزال في طور التجريب ولن تحل محل الطبيب أو المعالج البشري (الجزيرة)

في السياق ذاته، تقول الطبيبة النفسية وعضوة اللجنة الفرعية أنيسة أبي درغام: “ستكون هذه التقنيات مبدئية للغاية ومدرجة ضمن طور التجريب رغم أنها قد تُثبت صحتها لاحقا، وتُنقل إلى فئة التقنيات الرقمية المعتمدة”. وتضيف: “تظل تلك عملية كبيرة ومعقدة. ولكن إن حققت نجاحا في بلوغ هدفها المنشود، ستُعتبر شهادة اعتماد بالغة الأهمية لحث الأطباء النفسيين على بدء استخدام المؤشرات الحيوية”.

قد يساور البعض قلق بشأن خصوصية معلوماتهم الطبية، باعتبار أن صحتهم النفسية قد تكون مشاعا لجهات أخرى تطلع عليها. إلا أن أبي درغام تؤكد على أن التركيز الأساسي للجنة الفرعية سينصب على مدى دقة هذه الوسائل، ومدى فائدتها الفعلية للمرضى. بمعنى: هل ستساعد فعلا في تحسين علاجهم أم لا؟

“يعتقد عالم الاجتماع شاي موليناري أن إمكانات المؤشرات الحيوية الرقمية مبالغ في تقديرها بعض الشيء”

لكن من دون دليل على ذلك، قد نشهد ردة فعل معاكسة. إذ يعتقد عالم الاجتماع شاي موليناري، أن إمكانات المؤشرات الحيوية الرقمية مبالغ في تقديرها بعض الشيء. فيشير إلى أن تعريف “المؤشر الحيوي الرقمي” نفسه يغشاه الغموض، لأن بعض الأمثلة المقترحة – كسجلات استخدام الهاتف – ليست في الحقيقة سوى ملاحظات عن السلوك، لا قياسات حقيقية تنطوي على دلالات بيولوجية.

مع ذلك، لا يزال موليناري مفعما بالتفاؤل، وهذا ما يظهر في حديثه عندما قارن الاهتمام المتزايد بالتقنيات الجديدة، بالحماسة العارمة التي سادت الأجواء بمجرد ظهور التسلسل الجيني في مطلع الألفية. وجاء تعليقه كالتالي: “في عالم تسبغه الأمراض، أخبرونا أن التسلسل الجيني سيحمل شفاء لكل داء”.

وعلى الرغم من أن هذه التقنية لم ترقَ إلى ما نُسج حولها من رجاءات وأمنيات هائلة، فإنها تشكل الآن جزءا مهما من الطب، ويأمل موليناري أن ينطبق الأمر ذاته على المؤشرات الحيوية الرقمية. فكثيرا ما صاحبت التقنيات الجديدة الكثير من الضوضاء التي يصعب معها السكون، وقد كانت في بعض الأحيان تحفل بثغرات من الخطأ، وتواجه بعض الإشكالات، ومع ذلك أسفرت في النهاية عن اكتشافات هامة. وتنضم إلى هذا الرأي أبي درغام التي تختتم حديثها قائلة: “إنه مجال زاخر بالتحديات، ورغم ذلك أعتقد أنه يبشر بآفاق واعدة”.

 

المصدر: الجزيرة