هل يمكن أن تبدأ الجامعة من خيمة؟.. “التوجيهي” يفتح لطلبة غزة باب المستقبل

منذ 15 أغسطس/آب يجلس آلاف طلاب الثانوية العامة في غزة لامتحانات “التوجيهي” وسط مبانٍ مدرسية مدمرة وخيام نزوح مكتظة، بعد أعوام من الانقطاع عن التعليم النظامي.

امتحانهم اليوم لا يقيس تحصيلهم الدراسي فقط، بل قدرتهم على تثبيت مسار تعليمي تعطّل مرارا تحت وطأة الحرب والنزوح وفقدان أساسيات الحياة.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2بطالة الشباب العربي 26.2% .. وظائف أقل وتحول يفرضه الذكاء الاصطناعي
  • list 2 of 2“الأونروا معي منذ ولادتي”.. شهادة لاجئة فلسطينية تقرأ خطورة حظر الوكالة في غزة والقدس

end of list

مدرسة مهدّمة وامتحان حاضر

تجري الدورة الثانية لامتحانات الثانوية العامة وفق البرنامج الذي أعلنته وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، مع ترتيبات خاصة في غزة لتمكين نحو 9 آلاف طالب من أداء الامتحانات وجاهيا، بعد دورة إلكترونية استثنائية في يونيو/حزيران الماضي.

تقول الوزارة إن 36 ألفا و825 طالبا وطالبة من غزة تقدموا لامتحان الثانوية العامة عام 2026، ضمن أكثر من 95 ألفا تمكنوا من أداء الامتحان خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في محاولة لربط جيل كامل بمساره الدراسي والجامعي بعد سنوات من اضطراب التعليم والنزوح.

الآلاف من طلاب الثانوية العامة في قطاع غزة يخوضون فصلا جديدا من امتحانات "التوجيهي"
الآلاف من طلاب الثانوية العامة في قطاع غزة يخوضون فصلا جديدا من امتحانات “التوجيهي” (الأمم المتحدة)

بالنسبة إلى كثيرين، تمثل هذه الدورة أول مرة منذ نحو 3 أعوام يجلسون داخل قاعة امتحان رسمية، بعد أن تحولت المدرسة إلى مبنى متضرر أو مركز إيواء، وتحولت الدراسة إلى رحلة يومية للبحث عن مكان آمن وكهرباء واتصال بالإنترنت.

وتشير بيانات اليونيسيف إلى أن نحو 658 ألف طفل بين 4 و17 عاما حُرموا من التعليم الحضوري النظامي لنحو 3 أعوام، وأن قرابة 98% من المباني المدرسية في القطاع تعرضت لأضرار، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل كبير.

هذه الأرقام تعني عمليا أن الفصل الدراسي قد يكون خيمة، وأن الطريق إلى نقطة مراجعة يمر عبر مخيمات نزوح وركام.

قرابة 98% من المباني المدرسية في القطاع تعرضت لأضرار
قرابة 98% من المباني المدرسية في القطاع تعرضت لأضرار (الأمم المتحدة)

دراسة بين الخيمة والبحث عن الإنترنت

تختصر تجربة آلاء دلول (18 عاما) جانبا من هذا الواقع. كانت من الطالبات المتفوقات، وحققت معدل 90% في الصف الحادي عشر بالفرع العلمي، لكنّ نزوح أسرتها إلى جنوب القطاع ثم العودة إلى حي الزيتون كشف لها منزلا مدمرا بالكامل، لتنتقل إلى خيمة في مخيم مكتظ مع والديها وسبعة إخوة.

إعلان

لا غرفة خاصة ولا بيت ثابت، وأقرب نقطة تعليمية تبعد نحو ساعة سيرا على الأقدام. لتعويض الانقطاع، لجأت آلاء إلى دروس خاصة أثقلت كاهل الأسرة ماليا، ثم واجهت الامتحان الإلكتروني في ظل انقطاع الكهرباء، وضعف الشبكة واضطرار العائلة لشراء بطاقات اتصال مرارا.

ورغم ذلك، أكملت الامتحانات، وتحولت الكتابة والشعر إلى متنفس في مواجهة الضغط، واليوم تخوض امتحانات أغسطس/آب، وتحمل حلم دراسة الصحافة في الجامعة، أملا في منحة تتيح لها مواصلة التعليم ونقل قصص مجتمعها إلى العالم من قلب الركام.

آلاء من الطالبات المتفوقات قبل الحرب وحققت معدلا بلغ 90% في الصف الحادي عشر
آلاء من الطالبات المتفوقات قبل الحرب وحققت معدلا بلغ 90% في الصف الحادي عشر (الأمم المتحدة)

حمزة.. “آخر فصل حقيقي كان في المرحلة الإعدادية”

حمزة زيارة (18 عاما) يعيش قصة مختلفة في التفاصيل، متشابهة في الجوهر. يقيم مع أسرته في مدرسة الزهراء شرقي مدينة غزة، وقد تحولت إلى مركز لإيواء النازحين قرب حي الشجاعية.

يقول إن آخر مرة جلس فيها داخل فصل دراسي حقيقي كانت في المرحلة الإعدادية، وإن الصفين الأول الثانوي والثاني الثانوي مرّا عليه بلا مدرسة تقليدية، قبل أن يلتحق بإحدى المساحات التعليمية المؤقتة فقط لأداء امتحانات التوجيهي.

حتى الهاتف المحمول الذي احتاجه للامتحان الإلكتروني لم يكن متوفرا، وبين النزوح المتكرر واقتراب العمليات العسكرية من منطقته وغياب دخل ثابت للأسرة، أصبح الوصول إلى الامتحان نفسه إنجازا، ومع ذلك، يجلس اليوم في قاعة الامتحان متشبثا بحلم جامعة ومنحة ووظيفة تساعده على إعالة أسرته، في وقت لا تزال فيه الأسرة تكافح لتأمين أساسيات الحياة.

حمزة زيارة البالغ من العمر 18 عاما يجسّد تجربة جيل بلغ المرحلة الثانوية خارج المدرسة التقليدية
حمزة زيارة البالغ من العمر 18 عاما يجسّد تجربة جيل بلغ المرحلة الثانوية خارج المدرسة التقليدية (الأمم المتحدة)

110 مساحات تعليمية لفتح الطريق إلى الامتحان

وسط هذا الواقع، تعمل مؤسسة “التعليم فوق الجميع”، بدعم من صندوق قطر للتنمية وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمساعدة الشعب الفلسطيني ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية وجمعية مجموعة غزة للثقافة والتنمية، على مشروع “إعادة بناء الأمل في غزة: دعم طارئ لامتحان الثانوية العامة (التوجيهي) لطلبة غزة”.

يستهدف المشروع دعم ما يصل إلى 90 ألف طالب وطالبة في المرحلة الثانوية وتذليل العوائق أمام استمرارهم في التعلم والوصول إلى الامتحانات الوطنية. وفي إطاره، جرى استكمال 110 مساحات تعليمية موزعة على 11 موقعا مدرسيا في شمال القطاع ومدينة غزة ومناطق أخرى، ضمن شبكة أوسع تضم 128 مركزا تعليميا في أنحاء القطاع، مع توفير بيئات أكثر تنظيما ودعما أكاديميا ونفسيا واجتماعيا.

الفكرة الأساسية -كما يوضح القائمون- أن استعادة التعليم لا تعني مجرد خيمة فيها مقاعد، بل إعادة بناء منظومة تسمح للطالب بالدراسة والاستعداد والتقييم والانتقال إلى المرحلة التالية، حتى لا يبقى التوجيهي حدثا معزولا عن مسار تعليمي كامل.

المعوقات تحول دون استمرار طلاب غزة في التعلّم والوصول إلى الامتحانات الوطنية
المعوقات تحول دون استمرار طلاب غزة في التعلّم والوصول إلى الامتحانات الوطنية (الأمم المتحدة)

التوجيهي جسر إلى الجامعة والمستقبل

في تصريحات خاصة لـ”الجزيرة نت”، تقول العنود العطية، مديرة برنامج “الفاخورة” بمؤسسة التعليم فوق الجميع: “بالنسبة إلى طلبة غزة، لا يمثل التوجيهي مجرد امتحان في نهاية المرحلة الثانوية، بل هو جسر إلى الجامعة وإلى مستقبل يحاولون التمسك به رغم سنوات من الانقطاع والنزوح”.

إعلان

وتضيف: “من خلال شراكاتنا، نعمل على تقليل العوائق بين الطالب وحقه في مواصلة التعليم، سواء عبر توفير مساحات تعليمية أكثر أمانا وتنظيما، أو الكهرباء والاتصال والأجهزة، إلى جانب الدعم الأكاديمي والنفسي والاجتماعي”.

استكمال 110 مساحات تعليمية موزعة على 11 موقعا مدرسيا في شمال غزة ومدينة غزة
استكمال 110 مساحات تعليمية موزعة على 11 موقعا مدرسيا في شمال غزة ومدينة غزة (الأمم المتحدة)

وتوضح: “إصرار الطلبة على مواصلة تعليمهم في هذه الظروف يؤكد أن حماية التعليم وضمان استمراريته لا يمكن أن ينتظرا انتهاء الأزمات، فالتعليم جزء من الاستجابة الإنسانية ومن قدرة الشباب على استعادة حياتهم والتطلع إلى المستقبل”.

ومن أبرز إنجازات المشروع إدخال نظام إلكتروني جديد لتصحيح الامتحانات، يتيح معالجة أوراق التوجيهي بكفاءة مع الحفاظ على الجودة والنزاهة والشفافية، في ظل الأضرار التي لحقت بالبنية التعليمية والقيود التي تعيق التصحيح التقليدي، وينسجم مع جهود برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في دعم التحول الرقمي وتعزيز صمود المؤسسات التعليمية.

طلبة غزة يتمسكون ببوابة المستقبل رغم النزوح والدمار
إدخال نظام إلكتروني جديد لتصحيح الامتحانات في غزة (الأمم المتحدة)

بين قاعة الامتحان واليوم الدولي لحماية التعليم

في غزة اليوم، لا تمثل ورقة “التوجيهي” مجرد درجات، بل فرصة للاستمرار في التعليم بعد أعوام من الانقطاع، في سياق دولي لا تزال فيه قضية حماية المدارس والطلبة والمعلمين في مناطق النزاع حاضرة بقوة.

ويأتي ذلك قبل أسابيع من اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات في 9 سبتمبر/أيلول، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2020 بناء على قرار اقترحته دولة قطر بمبادرة من صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، للتذكير بأن حق الطلبة في التعلم لا ينفصل عن حماية مدارسهم ومساحات امتحانهم، وأن الطريق إلى قاعة التوجيهي في غزة يجب ألا يكون معركة إضافية يخوضها الطلبة فوق الركام.

 

المصدر: الجزيرة