هل يمكن لجامعة كاملة أن تعيش في المنفى؟.. قصة “الجنينة” السودانية في تشاد

دارفور – بعد أن دمرت قوات الدعم السريع مقرها على الحدود السودانية التشادية وحولت قاعاتها إلى ركام، لم يكن أمام جامعة الجنينة بولاية غرب دارفور سوى أن تولد من جديد في مدينة أدري التشادية.

هناك استعادت الجامعة نبضها الأكاديمي في مشهد يكتبه الصمود، وحولت كلياتها الـ8 المنفى إلى قاعات علم، وكأنها تبعث برسالة إلى الحرب: دمرتم حجرنا، لكن أحلامنا أكبر من ركامكم.

اقرأ أيضا

list of 4 items

  • list 1 of 4عودة الجامعات السودانية.. آمال بتطبيع الحياة التعليمية بعد حرب مدمرة
  • list 2 of 4بين طينة السودانية والتشادية.. هكذا يعيش اللاجئون مأساة الحرب
  • list 3 of 4رغم الدمار وانقطاع الكهرباء.. الجامعات تعيد الحياة لوسط الخرطوم
  • list 4 of 4من الطوب الفيكتوري إلى لهيب الحرب.. جامعة الخرطوم التي واجهت كل شيء

end of list

ففي 5 أبريل/نيسان 2026، انطلقت امتحانات كلية الاقتصاد بجامعة الجنينة في مركز مدينة أدري، بمشاركة واسعة من الطلاب والمسؤولين المحليين في محافظة أسنقا وجلس أكثر من 700 طالب وطالبة لأداء امتحاناتهم النهائية، بعد انقطاع قسري دام أكثر من 3 أعوام بسبب الحرب الدائرة في السودان.

طلاب يتجمعون في باحة المقر المؤقت لجامعة الجنينة بمدينة أدري التشادية
طلاب يتجمعون في باحة المقر المؤقت لجامعة الجنينة بمدينة أدري التشادية (الجزيرة)

دمار شامل

وتعد جامعة الجنينة -التي تأسست عام 2014- من أكثر الجامعات السودانية تضررا جراء الحرب، وبلغت نسبة الدمار في مبناها الرئيسي 100% وفقا لبيانات الجامعة التي حصلت الجزيرة نت على نسخة منها، إلى جانب خسائر فادحة في الأرواح بين الأساتذة والطلاب، وفقدان أكثر من 20% من الكوادر الأكاديمية والإدارية بين نزوح وقتل.

وقال مدير الجامعة بالإنابة الدكتور أحمد آدم هارون، للجزيرة نت، إن استئناف الامتحانات في تشاد جاء بعد جهود مضنية لتجاوز عقبات الحرب، مشيرا إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قامت وبالتنسيق مع الجهات ذات الصلة بحصر الطلاب في مخيمات اللجوء بشرق تشاد، وتبين أن نحو 90% منهم موجودون هناك.

وأوضح هارون أن الجامعة تواصلت بعد ذلك مع السلطات التشادية التي استجابت بمنحها مقرا رئيسيا لممارسة الأنشطة الأكاديمية في مركز “مدرسة نور الأبصار الثانوية” بمدينة أدري ليبدأ بعدها التدريس في كلية العلوم الصحية، ثم تتابعت بقية الكليات تباعا.

إعلان

وأضاف نائب مدير الجامعة “كنا نعقد الامتحانات في ظل أوضاع أمنية وصحية بالغة الصعوبة، وافتقرنا إلى أبسط مقومات العملية التعليمية من قاعات ومختبرات وكتب. لكننا اعتمدنا على الجهود الذاتية وتكاتف الطلاب لتوفير البدائل الممكنة”. وأكد أن الإدارة تتابع عن كثب احتياجات الطلاب النازحين، وتسعى جاهدة لتوفير بيئة تعليمية مناسبة رغم شح الإمكانيات.

جهود متواصلة

بدوره، قال ممثل الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب بولاية غرب دارفور، محمد الحسن أحمد نقاطة، للجزيرة نت، إن الصندوق يعمل بتنسيق جيد مع إدارة الجامعة والحكومة التشادية ومفوضية اللاجئين لتوفير الخدمات الأساسية للطلاب.

وأوضح أن الصندوق تمكن في الفترة الماضية من استئجار سكن للطلاب لمدة 3 أشهر، قبل أن تتدخل الحكومة التشادية وتمنح الطلاب مباني سكنية عبر إحدى المؤسسات التعليمية، مما ساهم في حل أزمة الإقامة بشكل جذري. وأشار إلى أن الصندوق يقدم أيضا دعما عينيا وبعض الخدمات الأساسية للمجمعات السكنية، مؤكدا أن 70% من الموظفين هم من اللاجئين، مما يزيد من التحديات التي تواجههم.

وأضاف أن عدد الطلاب في ازدياد مستمر، مما يدفعهم إلى ضرورة زيادة الخدمات المقدمة، داعيا المنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي إلى دعم الصندوق لتمكينه من الوفاء بالتزاماته تجاه آلاف الطلاب النازحين.

امتحانات متواصلة

وفقا للبيانات الصادرة عن إدارة جامعة الجنينة، لم تقتصر الامتحانات على كلية الاقتصاد، إذ سبق أن عقدت كلية الطب والعلوم الصحية امتحاناتها في الفترة من 20 إلى 28 يناير/كانون الثاني 2025 بمدينة أدري التشادية، وجاءت هذه الامتحانات بالتنسيق مع منظمات دولية التزمت بتوفير الدعم اللازم للطلاب، بحسب الوثيقة ذاتها.

وفي 29 ديسمبر/كانون الأول 2025، انطلقت امتحانات كلية التربية-الأساس، إذ جلس أكثر من 200 طالب وطالبة، بنسبة تجاوزت 90% من إجمالي طلاب الكلية، لامتحانات مطلوبات التخرج. وأشارت البيانات إلى أن الطلاب حضروا من مختلف الولايات والدول، متحدين مشقة الطريق وقسوة الغربة في مشهد يعكس إصرار الجامعة وطلابها على مواصلة المسيرة رغم التحديات.

وفي 31 يناير/كانون الثاني 2026، جلس طلاب كلية التربية لأداء امتحاناتهم بعد انقطاع استمر أكثر من 3 أعوام بسبب الحرب. وفي 21 مايو/أيار 2026، احتفلت الجامعة بتخريج طلاب كلية التربية (عام) في مدينة أدري وسط أجواء تعكس فرحة الطلاب بعد سنوات من النزوح.

وتُعد هذه الدفعة السابعة التي تتخرج في مدينة أدري التشادية، وفق وثائق الجامعة، في مؤشر على استمرارية العملية التعليمية رغم الظروف القاسية. وكانت كلية العلوم الصحية التطبيقية قد سبقتها في التخريج، وتم توزيع خريجيها على المراكز الصحية بمقاطعة أسنقا، بدعم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبالتعاون مع وزارة الصحة بالمقاطعة، بحسب ما ورد في البيانات.

هيئة التدريس تتفقد لجان الامتحانات في ادري
هيئة التدريس تتفقد لجان الامتحانات في أدري (الجزيرة)

شراكة تشادية

وتقدمت جامعة الجنينة، وفقا للبيانات الصادرة عن إدارتها، “بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى جمهورية تشاد حكومة وشعبا”، وخصوصا السلطات المحلية في محافظة ومقاطعة “أسنقا” وإدارة مدرسة “نور الأبصار”. وأكدت الوثائق أن استضافة تشاد للطلاب السودانيين وتسهيل مسيرتهم التعليمية في ظل الظروف الاستثنائية يجسد أسمى معاني الأخوة والإنسانية.

إعلان

كما ثمّنت إدارة الجامعة دور مفوضية اللاجئين في دعم الطلاب وإسنادهم لاستكمال العملية التعليمية، وأشادت بجهود الأساتذة والعاملين الذين واصلوا أداء رسالتهم بإخلاص رغم ظروف التشريد واللجوء.

وبين دمار مقرها الرئيسي في الجنينة واستئناف امتحاناتها وتخريج دفعات جديدة من مدينة أدري التشادية، ترسم جامعة الجنينة لوحة جديدة من معاني الصمود في وجه الحرب. فرغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها الجامعة، يواصل طلابها تحقيق أحلامهم من المنفى، مؤكدين أن التعليم هو الضوء الذي لا تنطفئ شعلته مهما اشتدت العواصف.

ويبقى السؤال: هل تنجح جامعة الجنينة في إعادة بناء مقرها الرئيسي وعودة طلابها إلى قاعات الدراسة في دارفور قريبا، أم ستظل مدينة أدري التشادية مقرا مؤقتا لجامعة أصبحت رمزا للتعليم في زمن الحرب؟

 

المصدر: الجزيرة