هل ينجح “الرئاسي اليمني” في دمج جميع التشكيلات العسكرية؟

تعز – في ظل تعقيدات المشهد العسكري والسياسي في اليمن، يعود إلى الواجهة مجددا ملف توحيد ودمج التشكيلات المسلحة المختلفة تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لتمكين السلطات الحكومية الشرعية.

ويأتي ذلك عقب استعادة القوات الحكومية انتزاعها حضرموت والمهرة من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي كانت سيطرت عليها مطلع ديسمبر /كانون الأول 2025، وهما محافظتان تشكلان نحو نصف مساحة البلاد، إلى جانب الحديث الآن عن إمكانية تسلم القوات التابعة للحكومة اليمنية كامل أبين وشبوة وتقدمها إلى عدن.

بيانات العليمي وصلاحياته

وقد هنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أبناء محافظتي حضرموت والمهرة، وقيادتي السلطة المحلية، وقوات درع الوطن، بنجاح عملية استلام المعسكرات في المحافظتين.

وقال في بيان الأحد الماضي، إن العملية تم إنجازها بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار، وصون السلم الأهلي.

وشدد العليمي على المضي قدما في تنفيذ أولويات المرحلة الانتقالية وفقا لمرجعياتها المتفق عليها وطنيا وإقليميا ودوليا، بما في ذلك إعادة تنظيم القوات تحت مظلتي وزارتي الدفاع والداخلية، وبسط نفوذها وسيادة القانون على كامل التراب الوطني.

ودعا العليمي جميع اليمنيين، ومكوناتهم السياسية والمجتمعية إلى عدم إضاعة الوقت في صراعات جانبية، والتفرغ لبناء الدولة.

بدوره، شدد رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش اليمني الحكومي صغير بن عزيز على أن “متطلبات المرحلة وثوابتها هي علم واحد وقيادة واحدة وجيش واحد وحليف واحد”.

 

في سياق متصل، يتوقع عبد السلام محمد رئيس مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية أن تركز المرحلة الراهنة على تعزيز صلاحيات رئيس مجلس القيادة الرئاسي وتقليص صلاحيات نوابه، تجنبا لتكرار ما حدث سابقا (من انقسام في المواقف).

إعلان

وفي حديث للجزيرة نت، اعتبر محمد أنه بتعزيز صلاحيات العليمي، لن يعود لنوابه (بقية أعضاء المجلس) ارتباط مباشر بالأجهزة العسكرية والأمنية، حيث ستتركز جميع القوات العسكرية والتشكيلات المسلحة، بما فيها المقاومة الوطنية، وقوات العمالقة، ودرع الوطن، والجيش الوطني، والألوية التابعة للمجلس الانتقالي، تحت سيطرة القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، ويكون مصدر القرار العسكري والأمني موحدا بقيادة رئيس الجمهورية.

ونبه محمد إلى أنه إذا استمر ارتباط نواب رئيس مجلس القيادة بالأجهزة العسكرية والأمنية على الأرض، فقد يفتح تكرار سيناريوهات خطيرة، كأن يتمرد أي نائب في حال نشوب خلاف سياسي مع رئيس المجلس، مستندا إلى القوة التي يديرها على الأرض، مثل ما قام به المجلس الانتقالي سابقا.

ويرى الباحث اليمني أن هناك محاولة جادة للفصل بين المسؤولين السياسيين والعاملين العسكريين على الأرض.

وخلص الباحث اليمني إلى أن المرحلة القادمة ستشهد فصلا واضحا بين العمل السياسي لإدارة الدولة وبين الأجهزة الأمنية والعسكرية، واعتبر ذلك نقطة بالغة الأهمية، منبها إلى أنه إذا لم تتم معالجتها بشكل حاسم، فإن الانقسام داخل مجلس القيادة الرئاسي قد يعود من جديد.

مؤتمر الرياض

وتأتي هذه المواقف مع تواصل الاستعدادات لتنظيم مؤتمر الرياض المرتقب الذي سيضم مختلف مكونات وقوى جنوب اليمن وشرقه.

وجاء ذلك استجابة من السلطات السعودية لطلب رسمي تقدم به رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي لاستضافة مؤتمر حوار شامل لحل أزمة “القضية الجنوبية” بمشاركة كافة المكونات والقوى الجنوبية بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن ترحيبه بالمؤتمر المرتقب قبل أن تتوتر الأحداث أكثر مع إعلان التحالف اليوم “هروب” عيدروس ورفضه الذهاب إلى الرياض.

ولا يعد هذا أول مؤتمر يمني في السعودية، إذ سبقه انعقاد مباحثات في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي تمخض عنها توقيع ما أسمي حينها اتفاق الرياض.

وعلى الرغم من نجاح هذا الاتفاق جزئيا عبر تشكيل حكومة توافقية بمشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي، فإن الشق العسكري والأمني تعثر تنفيذه حتى اليوم، والذي نص على ضرورة دمج كافة التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة الشرعية.

وحتى اليوم مازال المجلس الانتقالي الجنوبي يملك عدة تشكيلات خارجة عن وزارتي الدفاع والداخلية مثل قوات الحزام الأمني، وقوات الدعم الأمني، إضافة إلى قوات ألوية العمالقة، وقوات دفاع شبوة.

في حين أن هناك أيضا قوات المقاومة الوطنية التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، ولا تأتمر بأمر الحكومة الشرعية، وتتخذ من مدينة المخا الإستراتيجية القريبة من مضيق باب المندب جنوب البحر الأحمر مقرا لها.

ولا توجد إحصائيات رسمية حول عدد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، لكن ثمة تقديرات تشير إلى أنها قد تصل إلى عشرات الآلاف، في حين أن قوات المقاومة الوطنية نحو 20 ألف مقاتل.

مسارح عمليات

الباحث المختص في الشؤون العسكرية والأمنية الدكتور علي الذهب، يستبعد على المدى القريب أن يكون هناك دمج هيكلي، إداري ومالي، لهذه التشكيلات العسكرية -المختلفة في التوجهات السياسية والعقائد العسكرية- سواء على مستوى الأفراد والضباط، أو الوحدات والمناطق وقيادة عملياتها.

إعلان

وفي حديث خاص للجزيرة نت، اعتبر العميد اليمني المتقاعد للجزيرة نت، أن الدمج في المستقبل القريب قد يكون على سبيل نشر وحدات عسكرية في مسارح عمليات المناطق العسكرية، وليس دمجا كليا لكافة التشكيلات على الأرض، وهذا ما تقوم به قوات درع الوطن التي تخترق مناطق سيطرة المجلس الانتقالي وتتموضع فيها، بحيث تتقاسم معها النفوذ والسيطرة.

ونبه الذهب إلى أن ما يزيد الأمر تعقيدا، إعلان المجلس الانتقالي، قبل أيام، بدء مرحلة انتقالية تمتد لعامين، يصاحبها استفتاء على “تقرير مصير الجنوب”.

واعتبر الباحث اليمني أنه حتى إذا لم يحظ هذا الإعلان بأي فرصة على أرض الواقع، فإنه سيمثل عقبة أمام أي تطلع لجعل الجيش اليمني تحت قيادة واحدة.

نجاح مرهون

بدوره، يرى المحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي أن نجاح دمج التشكيلات العسكرية والأمنية مرهون باتخاذ مسارين لا يقبلان القسمة:

أولا: السيطرة المالية المطلقة عبر توحيد الرواتب وصرفها حصرا من قبل الحكومة الشرعية، ومنع أي تمويل خارجي مستقل لأي فصيل.

ثانيا: الهيكلة الجذرية التي تشمل تغيير القادة العسكريين وخلط الأفراد من مختلف الفصائل في وحدات مشتركة، لمنع أي طرف سياسي من استخدام القوة العسكرية لفرض مشروعه الخاص.

وعقب السيطرة الحكومية على حضرموت والمهرة، أشار الفاتكي إلى أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليوم بات في وضع سياسي وعسكري أقوى بكثير مما كان عليه في عام 2022 عند انتقال السلطة إليه، خاصة مع امتلاك الرئاسة لقوات درع الوطن، وحضورها الميداني في محافظات إستراتيجية أوجدت توازنا جديدا في المشهد اليمني.

واعتبر أن العليمي يمتلك الصلاحيات الدستورية الكاملة والغطاء الإقليمي لفرض قرار دمج كافة التشكيلات العسكرية ضمن إطار وزارتي الدفاع والداخلية، رغم محاولات المجلس الانتقالي المناورة للحفاظ على مكاسبه أو القبول بدمج شكلي.

ونبه المحلل اليمني إلى أن المجلس الانتقالي اليوم أمام خيارين: إما الاستجابة للتوجه السعودي اليمني الحازم، وإما مواجهة عقوبات أكبر تضعه في خانة التمرد وتفقده شرعيته السياسية، خاصة مع تراجع نفوذه العسكري في مناطق سيطرته.

ويتوقع الفاتكي أن “قوات المقاومة الوطنية” ستبدي مرونة تجاه عملية توحيد القوات، نتيجة استشعار واضح لخطورة المرحلة، لوجود تنسيق مباشر مع الرياض يهدف إلى ضمان عدم حدوث انقسامات داخلية تؤدي إلى “تمرد عسكري أو إجراءات أحادية” تضعف من موقف تلك القوات وتعرضها لإجراءات رادعة.

وشدد الفاتكي في ختام حديثه على أن التحرك الجاد لإعادة هيكلة الجيش، بدعم سعودي كامل، يمثل خطوة لا غنى عنها، سواء للتمهيد لتسوية سياسية شاملة أو لحسم المعركة عسكريا واستعادة ما تبقى من محافظات تحت سيطرة الحوثيين، كما يرى.

 

المصدر: الجزيرة