هل يولد بعض الناس عاجزين عن فهم الرياضيات؟

مزارعة تملك ثلاثة أنواع من الحيوانات في مزرعتها. جميع حيواناتها من الأغنام ما عدا ثلاثة، وجميعها ماعز ما عدا أربعة، وجميعها خيول ما عدا خمسة. فكم تملك المزارعة من كل حيوان؟

إن شعرت بالحيرة بسبب هذا اللغز، فأنت لست وحدك. الإجابة هي حصان واحد، ومعزتان، وثلاثة خراف.

تدرس عالمة الوراثة وطبيبة الصحة النفسية يوليا كوفاس من جامعة لندن في بريطانيا أسباب اختلاف القدرات في الرياضيات بين الأفراد.

البيئة

تقول كوفاس إنّ “ما نتعرّض له مهم أيضاً ويجب أخذه في الحسبان”، موضحة أن الأمر لا يقتصر على جودة التعليم في المدرسة أو حجم المساعدة في إنجاز الواجبات المنزلية، بل قد يكون عشوائياً أحياناً، مثل شيء نسمعه في الإذاعة فيغيّر مسار اهتماماتنا.

وتضيف الباحثة في علم الإدراك الرياضي في جامعة لوفبورو البريطانية، الدكتورة إيرو زينيدو-ديرفو، أنّه رغم أنّ الجميع لن يصبحوا خبراء في الرياضيات، فإنّ الخبر السار هو أنّ بإمكان كل شخص تحسين قدراته.

وأوضحت أنّ هناك أدلة على الدور المهم الذي تلعبه أفكارنا ومعتقداتنا ومواقفنا وعواطفنا في تطوير مهاراتنا الحسابية والرياضية، مشيرة إلى أنّ “القلق من الرياضيات” يمكن أن يؤثر على الأداء، وأن من يسعون للتحسن يجب أن يؤمنوا بقدرتهم على ذلك.

“اضطراب القلق من الرياضيات”

قالت الدكتورة إيرو زينيدو-ديرفو إنّ التجارب السلبية، مثل أن يُقال للطفل إنه سيئ في الرياضيات أو أن يحصل على درجة أقل من زملائه في الاختبار، يمكن أن تؤدي إلى “دائرة مفرغة” من الأفكار القلقة.

يؤثر هذا القلق مباشرة في الجزء العامل من الذاكرة، وهو الجزء المسؤول عن التفكير وحل المشكلات. وقالت ديرفو: “ما يحدث هو أنّ الأفكار القلقة والسلبية تحتل مساحة كبيرة من الذاكرة العاملة، فلا يتبقى سوى القليل منها لاستخدامه في حل المسألة المطروحة”.

وأشارت إلى دراسة أجريت في جامعة لوفبورو على أطفال تتراوح أعمارهم بين التاسعة والعاشرة، بهدف استكشاف العلاقة بين الذاكرة العاملة والقلق من الرياضيات.

أُعطي الأطفال مهمة حساب ذهني مكوّنة من رقمين، طلب منهم أداؤها بعد أن استمعوا إلى مجموعة كلمات كان عليهم الاحتفاظ بها واسترجاعها شفهياً.

ولاحظت الباحثة أن أداء الأطفال الذين يعانون من “قلق الرياضيات” تأثّر بشكل واضح مقارنة بغيرهم.

الحسّ الفطري للأرقام

يعمل البروفيسور برايان باتروورث من جامعة كوليدج في لندن في مجال علم النفس العصبي الإدراكي، وتظهر أبحاثه أنّ لدى البشر حساً فطرياً بالأرقام، حتى بين الأطفال الذين لم يسبق لهم أن تعلموا العدّ.

لكنّه يقول إنّ هذه “الآلية الفطرية لا تعمل جيداً لدى البعض”.

عسر الحساب (Dyscalculia) هو اضطراب تعلّم خاص يتعلق بفهم الأرقام والكميات. ويعتقد الدكتور باتروورث أنه اضطراب شائع بقدر عسر القراءة (Dyslexia)، ويصيب نحو خمسة في المئة من الأشخاص.

طوّر البروفيسور باتروورث وفريقه لعبة تساعد الأطفال على تحسين مهاراتهم في العمليات الحسابية الأساسية، خصوصاً أولئك الذين يعانون من عسر الحساب. لكنه أوضح أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه التدخلات تُحدث أثراً طويل الأمد.

وأضاف: “ما نحتاج إليه هو التدخل المبكر، ومتابعة تطور هؤلاء الأطفال خلال السنوات القليلة المقبلة”.

وتطرح الدكتورة إيرو زينيدو-ديرفو سؤالاً محورياً: ما الذي يجعل الرياضيات مختلفة عن المواد الأخرى؟

وقالت: “في الرياضيات لا يمكن فعلاً تجاوز أو إغفال أي لبنة. على سبيل المثال، قد لا تعرف مرحلة معينة في مادة التاريخ، وهذا لا يشكل مشكلة كبيرة، لكن في الرياضيات لا يمكنك فعل ذلك”.

دروس من أنحاء العالم

تشير الدكتورة يوليا كوفاس إلى استبيان “البرنامج الدولي لتقييم الطلبة” (PISA)، الذي أُطلق في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بهدف تقييم نظم التعليم في مختلف دول العالم، من خلال اختبار مهارات الطلاب في سن الخامسة عشرة في مجالات الرياضيات والقراءة والعلوم.

احتلت الصين موقعاً متقدماً بين الدول الأولى في مجال التعليم، وفق مسح دولي أجري في العقد الأول من الألفية الثالثة.

قالت الدكتورة يوليا كوفاس إنّ “في صدارة التصنيفات الدولية، كان الطلاب الصينيون وبعض الدول الأخرى من شرق آسيا، إلى جانب فنلندا، التي وصفت بأنها مفارقة أوروبية لوجودها ضمن مجموعة الدول الآسيوية المتفوقة في هذا المجال”.

توضح الأستاذة المساعدة في تعليم الرياضيات بجامعة جيانغشي الصينية، جينجين مياو، أنّ التعليم في الصين يركّز على “المعرفة الأساسية، والمهارات الأساسية، والخبرات الرياضية الأساسية، والتفكير الرياضي الأساسي”.

وتضيف أنّ المعلمين والمعلمات يحظون باحترام كبير في المجتمع الصيني، إذ لا يطلب منهم تدريس أكثر من حصة أو حصتين في اليوم، مما يمنحهم وقتاً كافياً لتحضير الدروس بدقة.

أما أستاذ علم الاجتماع الاقتصادي في جامعة توركو في فنلندا، بيكا راسانين، فيشير إلى أنّ نظام تعليم الرياضيات في فنلندا يركّز أيضاً على الأساسيات. ويقول: “الفلسفة الرئيسية في نظام التعليم الفنلندي تقوم على ضمان إتقان المهارات الأساسية لدى جميع الطلاب”.

لكن، كما تؤكد كوفاس، فإنّ “التباينات بين الدول تظهر مدى تعقيد هذه المسألة، وأنّ النجاح لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل بتفاعل منظومة كاملة من السياسات والقيم والممارسات التعليمية”.

 

المصدر: BBC