بينما تروّج الولايات المتحدة وإسرائيل لضرباتها التي استهدفت القيادة الإيرانية في أواخر فبراير/شباط الماضي على أنها “انتصار إستراتيجي”، يكشف الواقع العملياتي داخل إسرائيل تفاصيل استنزاف منهك.
وتبرز قراءة وتحليل البيانات الرسمية الصادرة عن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بين 28 فبراير/شباط و8 مارس/آذار، تحولات عسكرية عميقة في مسار المواجهة، فمن خلال توثيق 3101 حادثة أمنية منفصلة، تتضح معالم تكتيكات هجومية مرنة، تهدف إلى فرض حالة من الشلل المستمر وإرباك منظومات الدفاع الجوي.

وتُفصّل الأرقام هذا المشهد التكتيكي لتعكس حجم التصعيد، حيث تصدرت الصواريخ المواجهة بتسجيل 2255 حالة إطلاق، بالتوازي مع تنفيذ الطائرات المسيرة 846 عملية اختراق للمجال الجوي الإسرائيلي.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
صدمة البداية
في 28 فبراير/شباط، وبينما كانت المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية تشن “عملية الغضب الملحمي” في طهران، تعرضت الجبهة الداخلية الإسرائيلية لقصف انتقامي غير مسبوق، وتشير البيانات إلى مرحلة “صدمة أولية”، حيث بلغت أعداد صفارات الإنذار في المدن الإسرائيلية ما بين 12 ألفا و13 ألف إنذار في يوم واحد، بمعدل يزيد على 600 حالة إنذار صاروخي رئيسي.
كان هذا الوابل الأولي يبدو مُصمما بوضوح لإغراق أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات وتجاوز قدراتها، غير أنه بحلول الثاني من مارس/آذار تغيرت الإستراتيجية، إذ انخفض عدد الإنذارات اليومية واستقر ليتحول إلى حرب استنزاف، بمعدل ثابت يتراوح بين 1500 و3500 إنذار في اليوم الواحد.

ويرى محللون عسكريون أن هذا يعكس خطة مدروسة من جانب إيران وحزب الله للحفاظ على الترسانة الصاروخية، مع إبقاء الجمهور الإسرائيلي في حالة طوارئ دائمة وداخل الملاجئ.
وأكد الحرس الثوري الإيراني في مرات متكررة أن قواته مستعدة لحرب واسعة لمدة 6 أشهر على الأقل بالمستوى نفسه.
نقطة التحول نحو المسيّرات
شهد الثالث من مارس/آذار التطور التكتيكي الأبرز للحرب، والذي شكل نقطة تحول حاسمة في طبيعة التهديدات التي تواجه الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ووفق بيانات تفصيل التهديدات، تجاوزت اختراقات “الطائرات المعادية” -والتي تتمثل بصورة أساسية في الطائرات المسيّرة الانتحارية- إنذارات الصواريخ التقليدية للمرة الأولى، لتقفز إلى أكثر من 200 حادثة في يوم واحد.

وهو ما يتزامن مع دخول حزب الله اللبناني في المواجهة مع إسرائيل، والتي انطلقت عبر رشقات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت مناطق شمال إسرائيل، التي يركز الحزب عليها من أجل إخلائها من السكان، كرد مباشر على إخلاء سكان الضاحية الجنوبية.
ومنذ نقطة التحول تلك، ظلت المسيّرات تشكل التهديد الأساسي والمستمر، وعلى عكس الصواريخ الباليستية التي تتبع مسارات يمكن التنبؤ بها، تتميز المسيّرات ببطء حركتها وقدرتها العالية على المناورة والتحليق المطول فوق المناطق المأهولة، وفي أغلب الأحيان يؤدي اختراق مسيّرة واحدة إلى تفعيل صفارات الإنذار عبر مناطق جغرافية شاسعة مع تغيير مسارها، مما يجبر مئات الآلاف من الإسرائيليين الفرار إلى الملاجئ.
وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن دخول حزب الله اللبناني إلى خط المواجهة أعاد التحديات البالغة التعقيد أمام منظومة الدفاع الجوي إلى الواجهة، وأشارت القناة إلى أنه منذ اندلاع الحرب مع إيران وانضمام الحزب إلى المعركة، بات سكان الشمال يعيشون تحت وطأة التهديد المستمر الذي تفرضه أسراب الطائرات المسيرة والرشقات الصاروخية.
وتابعت القناة الإسرائيلية تقريرها بالتأكيد على أن الاعتماد على قدرات الاعتراض لا يوفر الحماية المطلوبة لتأمين الجبهة الداخلية. وأوضحت أنه رغم استخلاص الدروس وتحديث المنظومات الدفاعية، فإن غياب الرؤية الإستراتيجية لضرب سلاسل إنتاج وتشغيل حزب الله، فرض على الجيش التعامل مع هذا التهديد في وقت قياسي، في ظل تقديرات استخباراتية تؤكد استمرار هذا الخطر الملموس حتى نهاية القتال.
استهداف القلب الاقتصادي
وفي حين يسجل “خط المواجهة”، الذي يشير إلى كافة المستوطنات والمدن والقرى التي تقع على التماس المباشر مع الحدود اللبنانية، أعلى عدد إجمالي من الإنذارات، فإن إلقاء نظرة أعمق على بيانات كل مدينة على حدة يكشف عن حملة موجهة ضد المركز الاقتصادي لإسرائيل.

فقد سجلت مدن تقع في عمق منطقتي “غوش دان” و”شفيلا” المركزيتين -مثل بيتح تيكفا، وجفعات شموئيل، وكريات أونو، وشرق رمات غان- أرقاما متطابقة على وجه التقريب من الإنذارات، حيث حامت حول 70 إلى 75 إنذارا لكل منها، ويشير هذا التماثل إلى رشقات كثيفة ومنسقة موجهة بصورة مباشرة نحو منطقة تل أبيب الكبرى، مما أجبر القلب المالي والديموغرافي للبلاد على التوقف التام بصورة فعلية.

وقد أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية في مرات متكررة سقوط صواريخ في مناطق متعددة من منطقة تل أبيب الكبرى أدت إلى وقوع إصابات ودمار واسع كان آخرها أمس الأحد في مدينة ريشون لتسيون.

كما أغلقت السلطات الإسرائيلية المجال الجوي بصورة كاملة أمام الرحلات المدنية لمدة 6 أيام متتالية بسبب التصعيد الأمني مع إيران، وبقي أكثر من 100 ألف إسرائيلي في الخارج، وأقرت السلطات في الآونة الأخيرة رحلات محدودة لإعادتهم لكن بعض الرحلات واجهت مخاطر وتعطلا بالهبوط نتيجة الضربات الصاروخية على تل أبيب.

شلل مبرمج
ويكشف توقيت هذه الضربات كذلك عن إستراتيجية تركز على إحداث اضطراب نفسي واقتصادي، ويُظهر تحليل التوزيع الزمني للإنذارات على مدار الساعة أن عمليات القصف ليست عشوائية.
إذ تبلغ الهجمات ذروتها الحادة في تمام الساعة 12:00 من منتصف النهار بالتوقيت المحلي لإسرائيل، مع موجات ثانوية تضرب في الساعات 07:00 و14:00 و15:00، ومن خلال استهداف أوقات التنقل الصباحية، وساعات الذروة لأعمال منتصف النهار -مع إبقاء ساعات الصباح الباكر من 03:00 إلى 05:00 هادئة إلى حد ما- فإن الضربات مصممة لتعظيم حالة الشلل الاقتصادي.

وفي سياق متصل بحجم الخسائر، أفادت تقارير إسرائيلية بتسجيل مقتل 16 من الإسرائيليين بين 28 فبراير/شباط الماضي و9 مارس/آذار الجاري، وتوزعت هذه الأرقام على مناطق حيوية، إذ شهدت منطقة بيت شيمش قرب القدس مقتل 9 أشخاص، ولقي 5 آخرون مصرعهم في منطقة تل أبيب الكبرى، في حين أعلن الجيش مقتل جنديين على الحدود اللبنانية.

وأعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية -في بيان لها اليوم الاثنين- ارتفاع أعداد المصابين جراء الرد الإيراني على الغارات الأمريكية الإسرائيلية إلى 2142، بينهم 142 يرقدون في المستشفيات.
إن ما بدأ كعملية أمريكية إسرائيلية مشتركة لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي قد انزلق بسرعة نحو حرب استنزاف متعددة الجبهات، وتثبت البيانات أنه في حين يعتمد الجيش الإسرائيلي بصورة كبيرة على القوة النيرانية والاستخبارات بما فيها الأمريكية لتنفيذ عمليات اغتيال خارجية، فإن جبهته الداخلية تظل مكشوفة أمام حملة جوية مبرمجة ولا هوادة فيها لتعطيل الحياة وشل حركتها.
المصدر: الجزيرة