كشفت وثائق رفعت عنها السرية عن قيام الحكومة الأمريكية بتعمد حقن مواطنين بمواد مشعة دون علمهم أو موافقتهم، وذلك في إطار تجارب نووية سرية امتدت لعقود وطالت آلاف الضحايا.
ونشرت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية تقريرا عن هذه الفضيحة الطبية الدموية في تاريخ الولايات المتحدة، والتي تعود تفاصيلها الأولى إلى الفترة بين عامي 1945 و1947، حيث أجرى أطباء أمريكيون تجارب على 18 مريضا في المستشفيات، فقاموا بحقنهم بالبلوتونيوم لدراسة كيفية تحرك هذه المادة في الجسم البشري وتأثيراتها عليه.
Top-secret files reveal Americans were used as human guinea pigs in deadly radiation experiments https://t.co/po6HPYA8Ii
— Daily Mail US (@Daily_MailUS) March 2, 2026
وكانت هذه التجارب جزءا من المشاريع النووية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، والتي هدفت أساسا إلى فهم مخاطر الإشعاع على العمال الذين كانوا يبنون القنابل الذرية.
ولم تظهر التفاصيل الكاملة لهذه التجارب إلا في عام 1995، عندما أمر البيت الأبيض في عهد الرئيس كلينتون وزارة الطاقة بالكشف عن الوثائق السرية المرتبطة بها. وما كشفته تلك الوثائق كان صادما، إذ تبين أن الحكومة الفيدرالية رعت ما يقارب 4 آلاف تجربة إشعاعية بشرية في الفترة بين عامي 1944 و1974، شملت فئات مختلفة من المواطنين دون علم أغلبهم.
وكان عامل الأسمنت الأمريكي من أصل إفريقي إيب كيد من بين الضحايا الأوائل لهذه التجارب. ففي حادث سيارة مروع مع إخوته، أصيب بكسور متعددة في الرضفة اليمنى والساعد الأيمن وعظمة الفخذ اليسرى. وبعد نقله إلى مستشفى “أوك ريدج” العسكري، حقن بعد أربعة أيام فقط في ذراعه اليسرى بجرعة من البلوتونيوم دون علمه أو موافقته.
وتكشف الوثائق أن الجرعة التي حقن بها كيد كانت أكبر بخمس مرات مما اعتقد العلماء أنه آمن للجسم البشري، وأكبر بـ80 مرة مما يمتصه الشخص العادي في سنة كاملة. وقد اعترف جوزيف هاولاند، مساعد رئيس الأبحاث الطبية في المستشفى، في مذكرة داخلية بأنه قام بحقن إنسان بالبلوتونيوم، مضيفا أنه اعترض على ذلك لكنه نفذ الأمر لأنه كان في الجيش حيث “الأمر هو أمر”.
وتوفي كيد عن عمر يناهز 63 عاما، أي بعد نحو ثماني سنوات من يوم حقنه، بينما عاش إخوته وأخواته لعقود أطول.
أما ألبرت ستيفنز البالغ من العمر 58 عاما، فقد شُخص خطأ بسرطان المعدة وأعطي ستة أشهر فقط للعيش. وفي تلك الفترة، حقن سرا بجرعة كبيرة من البلوتونيوم-238، وهو نظير أكثر إشعاعا بـ276 مرة من البلوتونيوم-239.
وعندما أجرى الأطباء جراحة استئصال واسعة له، اكتشفوا أنه لم يكن مصابا بالسرطان أبدا، بل كان يعاني من قرحة معدية حميدة مع التهاب مزمن. وبشكل مثير للدهشة، عاش ستيفنز 21 عاما إضافية رغم تلقيه تلك الجرعة المميتة المفترضة.
ومن بين الضحايا أيضا جانيت شتات التي توفيت بسبب سوء التغذية الناتج عن سرطان الحنجرة بعد تلقيها الإشعاع في المستشفى. ولم تعلم عائلتها أبدا أنها حقنت بالبلوتونيوم حتى عام 1994، عندما اتصلت بهم وزيرة الطاقة الأمريكية هيزل أوليري لتخبرهم بالحقيقة.
وكان تبرير العلماء لهذه التجارب واضحا في وثائقهم الداخلية. فقد كتب فريق من مختبر شيكاغو أن الناس كانوا معرضين حتما لدرجة ما من البلوتونيوم، وبما أن هذه المادة شديدة السمية الإشعاعية، كان من الضروري إيجاد طريقة لتحديد ما إذا كان شخص معين يحمل أي بلوتونيوم في جسمه. وأضافوا أن التجارب على الحيوانات أعطتهم بيانات كثيرة، لكنهم كانوا بحاجة لدراسات بشرية لمعرفة كيفية تطبيق هذه البيانات على المشاكل البشرية.
لكن في خطاب سري ألقاه عام 1946، قال الباحث ستافورد وارين، مخترع جهاز “الماموغرام”، إن امتصاص بضعة ميكروغرامات من البلوتونيوم يعني اليقين بالإصابة بفقر دم تدريجي أو ورم خلال فترة تتراوح بين 5 و15 سنة، واصفا ذلك بأنه خطر خبيث يصعب التحصن ضده.
ولم تكن تجارب البلوتونيوم سوى جزء من فضيحة أكبر. فالوثائق كشفت أن التجارب شملت جرعات منخفضة من مواد التتبع المشعة أعطيت للبالغين، وتعرض الأطفال للنظائر المشعة، وتشعيع أجسام السجناء، وتعريض الجنود للانفجارات النووية لدراسة ردود أفعالهم، ومراقبة تأثير التساقط النووي على عمال مناجم اليورانيوم وسكان جزر مارشال.
وفي سبعينيات القرن العشرين، استمرت هذه التجارب حيث تعرض مرضى السرطان لجرعات هائلة من الإشعاع في تجارب كانت تقدم على أنها علاجية، ولكنها في الحقيقة كانت تغذي المعلومات للجيش وأدت ببعض المرضى إلى مميتات أليمة.
وأجريت هذه التجارب بواسطة علماء مشروع مانهاتن، وهو المشروع السري لصنع القنبلة الذرية، بالإضافة إلى هيئة الطاقة الذرية ومسؤولي البنتاغون والعديد من المستشفيات والجامعات الأمريكية طوال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي.
وحرصا على إبقاء هذه التجارب طي الكتمان، صنفت على أنها “سرية للغاية” لتجنب الغضب الشعبي. ففي مذكرة صادرة عن هيئة الطاقة الذرية عام 1947، ورد بوضوح أن المعلومات عن حقن البشر بالبلوتونيوم لا ينبغي الكشف عنها لأنه سيكون لها تأثير سلبي على الرأي العام.
واستمر هذا التعتيم حتى عام 1994، عندما شكلت الحكومة اللجنة الاستشارية للتجارب الإشعاعية البشرية، والتي خلصت في تقريرها إلى أن الحكومة الفيدرالية رعت بالفعل عدة آلاف من التجارب الإشعاعية البشرية، وأن جرعات التتبع المماثلة لتلك المستخدمة اليوم لأغراض علاجية تسببت في حالات مرضية إشعاعية حادة للضحايا.
وتقول إيلين ويلسوم، الصحفية التي فازت بجائزة “بوليتزر” لتغطيتها هذه التجارب، إنها اكتشفت القصة بالمصادفة أثناء قراءتها عن تجارب على كلاب البيجل حقنت بكميات كبيرة من البلوتونيوم وأصيبت لاحقا بداء الإشعاع والأورام. وفجأة، كما تروي في كتابها “ملفات البلوتونيوم”، ظهرت إشارة إلى تجربة بشرية، فتساءلت إن كان الناس قد عانوا المصير نفسه الذي عانت منه تلك الحيوانات.
وكانت العواقب الناجمة عن هذه التجارب كارثية على عدة مستويات، فإلى جانب المرض والوفيات في بعض الحالات، عانى الناجون من أضرار صحية طويلة الأجل شملت زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان.
وتظل هذه الفضيحة الطبية واحدة من أحلك صفحات التاريخ الأمريكي، حيث تجاوزت الحكومة كل الحدود الأخلاقية تحت شعار الأمن القومي والتقدم العلمي، تاركة وراءها ضحايا لم يعرفوا أبدا أنهم تحولوا إلى مجرد أرقام في معادلات نووية باردة.
المصدر: ديلي ميل
إقرأ المزيد
الغزلان تتواصل بإشارات فوق بنفسجية غامضة تذهل العلماء
وجدت دراسة حديثة أن الغزلان قد تستخدم إشارات ضوئية غير مرئية للبشر للتواصل فيما بينها، إذ تترك آثارا متوهجة بالأشعة فوق البنفسجية يمكن لأفراد نوعها رؤيتها بوضوح.
انقلب السحر على الساحر!.. عالم يصيب نفسه بتلف دماغي بعد اختبار سلاح صنعه
كشف تقرير أن عالما نرويجيا تسبب في إصابة نفسه بتلف دماغي بعد أن صنع سلاحا تجريبيا كان يهدف من خلاله لإثبات أن “متلازمة هافانا” غير حقيقية.
اليابان تفتح أبواب الاستعمار البيولوجي للفضاء
كشفت دراسة يابانية حديثة أن نباتات طحلبية صغيرة يمكنها تحمل الظروف القاسية للفضاء الخارجي، ما يفتح آفاقا جديدة أمام استصلاح الكواكب الأخرى وتعزيز جهود استعمار الفضاء.