أعادت ورقة بردى فرعونية نادرة محفوظة في المتحف البريطاني، إحياء النقاش حول أحد أكثر الادعاءات إثارة للجدل في الكتاب المقدس: وجود عمالقة في العصور القديمة.
ويعود تاريخ هذه الوثيقة المسماة “أناستاسي الأولى” (Anastasi I)، إلى نحو القرن الثالث عشر قبل الميلاد، قبل أكثر من 3300 عام، وقد بيعت للتاجر وعالم الآثار جيوفاني أناستاسي (Giovanni d’Anastasi) ودخلت مجموعة المتحف البريطاني عام 1839.
Resurfaced 3,300-year-old Egyptian document hints at biblical giants being real https://t.co/KSlsjmg0Vj pic.twitter.com/CKCmzgXg2D
— New York Post (@nypost) February 1, 2026
وفي الآونة الأخيرة، سلطت منظمة “Associates for Biblical Research” الضوء عليها مرة أخرى، مشيرة إلى ما ورد فيها بشأن شعب يدعى “الشاسو” (Shosu).
وتصف الورقة، التي تأخذ شكل رسالة كتبها كاتب يدعى حوري لزميله أمنحتب في زمن الحرب، مخاطر الممرات الجبلية الضيقة، محذرة: “الممرات الضيقة تعج برجال الشاسو المختبئين بين الأشجار. بعضهم يبلغ طوله أربعة أو خمسة أذرع من الرأس إلى القدمين، ووجوههم شرسة، وقلوبهم لا تعرف الرحمة، ولا يستجيبون للإقناع”.
وبحسب القياس المصري القديم للذراع (نحو 50.8 سم)، فإن طول أربعة إلى خمسة أذرع يعادل تقريبا ما بين 6 أقدام (203 سم) و8 أقدام (254 سم). وهذا يعني أن الوثيقة تصف أناسا بأطوال تفوق بكثير متوسط طول الإنسان في ذلك العصر، بل وتفوق حتى أطول الناس في عصرنا الحالي.
ويشير العلماء إلى أن الورقة تعود على الأرجح إلى عصر المملكة الحديثة في مصر، ما يضعها في السياق التاريخي لحروب تلك الفترة. ويجادل النقاد بأن النص هو في الواقع رسالة تعليمية ساخرة، يهجو فيها الكاتب حوري زميله أمنحتب على جهله بالجغرافيا والإستراتيجية العسكرية واللوجستيات، ولا يقصد الوصف الحرفي لعمالقة خارقين.
وفي هذا الصدد، أشار عالم الكتاب المقدس الراحل الدكتور مايكل هايزر إلى أن الأطوال المذكورة (ما بين 203 و254 سم) تعتبر طويلة جدا ولكنها ليست مستحيلة، ويمكن مقارنتها بأطول الأفراد في العصر الحديث، ولا تشكل بالضرورة دليلا على كائنات خارقة للطبيعة.
وتتكرر إشارات العمالقة في الكتاب المقدس، ففي سفر التكوين الإصحاح 6 يذكر: “كان في الأرض طغاة (جبابرة) في تلك الأيام…”، ويستخدم النص العبري كلمة “نفيليم” (Nephilim) التي تترجم غالبا إلى “عمالقة”. وفي سفر العدد (13:33) يصف المستكشفون العبرانيون سكان أرض كنعان قائلين: “رأينا العمالقة… حتى كنا في أعين أنفسنا كالجراد، وهكذا كنا في أعينهم”.
ولقرون، اعتبر كثيرون هذه الروايات مجرد أساطير أو مبالغات رمزية. لكن ظهور بردية أناستاسي الأولى قدم شيئا مختلفا: وثيقة رسمية غير دينية، كتبت بيد كاتب مصري محترف، تصف فعلا أناسا ذوي أطوال استثنائية في نفس المنطقة الجغرافية ونفس الحقبة التاريخية التي تتحدث عنها النصوص الدينية.
وقد انقسم العلماء إلى فريقين: فريق يرى في هذه البردية دليلا تاريخيا نادرا يؤكد صحة الروايات القديمة. ويقول مؤيدو هذه النظرية: “هذه أول وثيقة إدارية رسمية تصف أناسا بهذه الأطوال. إنها ليست قصة أسطورية، بل تقرير عملي كتبه موظف حكومي”.
أما الفريق الآخر فيحذر من التسرع في الاستنتاجات. فكثير من الباحثين يشيرون إلى أن “الشاسو” كانوا جماعة بدوية معروفة في بلاد الشام، وليسوا مخلوقات خارقة. كما أن الرسالة قد تكون – حسب رأيهم – مجرد تمرين تعليمي للكتابة، أو تحتوي على مبالغات أدبية.
والأمر الأكثر أهمية الذي يؤكده المشككون هو غياب الدليل المادي القاطع. فحتى اليوم، لم يعثر في أي موقع أثري على هياكل عظمية بشرية يصل طولها إلى مترين ونصف، أو على مساكن وأدوات تناسب مثل هذه الأجسام العملاقة.
ويصف المتحف البريطاني الورقة على أنها وثيقة تاريخية توضح جوانب من الحياة العسكرية والوعي الجغرافي في مصر القديمة، دون الخوض في استنتاجات حول كائنات خارقة للطبيعة. وبالتالي، يبقى الجدل قائما بين من يرون في هذه النصوص التاريخية تأييدا للرواية التوراتية، ومن يعتبرونها مجرد مبالغات أدبية أو أوصافاً نسبية ضمن سياقها التاريخي والثقافي، في انتظار اكتشاف أدلة مادية حاسمة.
المصدر: ديلي ميل
إقرأ المزيد
اكتشاف مصري صيني في الأقصر
تمكنت بعثة أثرية مصرية صينية من الكشف عن بحيرة “مقدسة” في الحياة الدينية لمصر القديمة، وذلك داخل معابد الكرنك في مدينة الأقصر التاريخية جنوبي مصر.
تفسير جدلي جديد لكيفية بناء الهرم الأكبر في مصر
أدهش الهرم الأكبر في مصر علماء الآثار لعقود، إذ لا توجد نصوص قديمة باقية تشرح كيفية رفع الكتل الحجرية الضخمة وتجميعها بسرعة، خاصة وأن بعض الأحجار يصل وزنها إلى 60 طنا.
انجاز مصري جديد يبهر العالم ويتصدر اكتشافات 2025 عالميا
اختارت مجلة “Archaeology” الأمريكية المتخصصة في الآثار كشف مقبرة الملك تحتمس الثاني بالبر الغربي في الأقصر ضمن أهم 10 اكتشافات أثرية على مستوى العالم لعام 2025.
اكتشاف مفاجئ يهزّ التسلسل الزمني لمصر القديمة
كشف علماء الآثار عن نتائج جديدة تعيد رسم التسلسل الزمني لتاريخ مصر القديمة، بعدما أظهروا أن قيام الدولة الحديثة جاء في وقت متأخر بنحو قرن تقريبا عما كان يعتقد سابقا.