مجددا، يعود الحديث داخل الأروقة الإسرائيلية حول خطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة تحت لافتة “الهجرة الطوعية”، إذ عاد هذه المرة بتحركات من الرئيس الجديد لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي شموئيل بن عزرا.
وأثار الموضوع “دهشة” المسؤولين بالمؤسسة الأمنية بسبب توقيت النقاش، بعد أن عقد بن عزرا اجتماعا عاجلا لمناقشة موضوع “تشجيع الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من غزة، وفق صحيفة “هآرتس” .
وجاءت المناقشات الإسرائيلية بعد نحو أسبوعين من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعيين بن عزرا رئيسا لمجلس الأمن القومي، خلفا لتساحي هنغبي، الذي أُقيل من المنصب في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وبحسب الصحيفة الإسرائيلية، فقد استدعى الرئيس الجديد لمجلس الأمن القومي، اليوم الثلاثاء، ممثلين عن المؤسسة الأمنية للاجتماع الذي شارك فيه ممثلون عن المجلس ووزارة الدفاع، والجيش الإسرائيلي، والموساد، وجهاز الأمن العام (الشاباك).
ويقر ممثلو الموساد بالصعوبات التي تواجه تنفيذ التهجير الطوعي، حيث أكدوا خلال الاجتماع، بحسب “هآرتس”، أنه لم يتم العثور على أي دولة مستعدة لاستقبال سكان القطاع.
وبيّنت الصحيفة أن الجهاز الأمني في إسرائيل لم يناقش قضية الهجرة الطوعية منذ أشهر، لكنّ المؤسسة الأمنية تفاجأت بالاستدعاء السريع من قِبل بن عزرا على اعتبار أن الخطة كانت قد طُرحت عدة مرات في السابق، لكنها لم تُدفع قُدما ولم تُنفذ.
اتفاقات سرية
ونقلت “هآرتس” عن مصدر أمني عدم علمهم بأي تغيير يسمح بمثل هذه الخطوة دون تنسيق معقد بين الوكالات الدولية.
لكن مصدرا آخر، لم يستبعد في حديثه مع الصحيفة أن يكون إحياء البرنامج مرتبطا باتفاقيات سرية تم التوصل إليها مؤخرا بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وبيّن أن هذا بمثابة “تعويض عن التنازلات المؤلمة” التي أجبرت واشنطن إسرائيل على قبولها كجزء من الاتفاق مع إيران.
بيد أن مصدرا سياسيا، عضوا في لجنة الشؤون الخارجية والأمن واللجان الفرعية السرية في الكنيست، أفاد للصحيفة ذاتها بأن “هذه الخطوة تفتقر إلى الجدوى السياسية والدولية، لا سيما مع الرفض القاطع من جانب الدول العربية والمجتمع الدولي للاعتراف بها أو التعاون معها”.
وتابع: “لكن نتنياهو، كعادته، يجد فيها مبررا مقنعا”.
ستنفذ الخطة
في مايو/أيار الماضي، توعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتنفيذ مخطط تهجير المواطنين الفلسطينيين من قطاع غزة.
وقال: “سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية من غزة”، مؤكدا أن كل شيء سيحدث في وقته وبالطريقة الصحيحة، دون مزيد من التفاصيل.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 كان آخر نقاش حول خطوة التهجير بالتزامن مع إنشاء المقر الأمريكي في كريات غات، سبقتها في مارس/آذار من العام نفسه موافقة المجلس الوزاري السياسي الأمني على إنشاء “مديرية الانتقال الطوعي لسكان غزة”.
وأعلن حينها كاتس عن هذه الهيئة بحفاوة بالغة، بهدف تمهيد الطريق البري والبحري والجوي أمام دول ثالثة، إلا أنه منذ إنشاء هذه الإدارة، لم تُسجّل أي خطوات عملية.

لم تجدِ نفعا
في أبريل/نيسان، قالت صحيفة “هآرتس” إن كارولين غليك، مستشارة نتنياهو للشؤون الدولية، أجرت اتصالات للدفع بمخططات تهجير فلسطينيي قطاع غزة، مشيرة إلى أن تلك الجهود “لم تجدِ نفعا”.
وأفادت الصحيفة وقتها بأن نتنياهو كلف مستشارته غليك بمهمة دفع مخططات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، موضحة أن غليك تواصلت مع ما يُسمى إقليم “أرض الصومال” الانفصالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في محاولة لنقل أهالي غزة، دون جدوى.
وأضافت أن غليك عرضت أفكارا بهذا الشأن على مسؤولين في السفارة الأمريكية بإسرائيل، في سياق خطط أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنشاء ما يُسمى “ريفييرا غزة”، القائمة على التهجير.
و”ريفييرا غزة” مقترح مثير للجدل أعلنه ترامب في 4 فبراير/شباط 2025، ويقضي بتحويل قطاع غزة إلى منتجع سياحي فاخر بعد نقل سكانه إلى دول ثالثة تحت مسمى “الهجرة الطوعية”، على أن تتولى الولايات المتحدة إدارة القطاع وإعادة إعماره.
رحلات محدودة
إلى جانب جهود الحكومية الإسرائيلية في خطط التهجير تنشط مبادرات من منظمات وجمعيات يمينية، لكنها كانت محدودة وغير مؤثرة قياسا بحجم سكان قطاع غزة.
في مارس/آذار الماضي كشف تحقيق لوكالة أسوشيتد برس أن منظمة “عد كان” اليمينية المتطرفة كانت وراء ثلاث رحلات جوية سرية على الأقل نقلت مئات الفلسطينيين من قطاع غزة إلى جنوب أفريقيا وإندونيسيا خلال العام الماضي.
وطبقا للتحقيق، فإن “عد كان” نظمت هذه الرحلات عبر وسيط، جمعية “المجد”، بهدف إخفاء صلاتها بإسرائيل.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ذكرت صحيفة هآرتس أن مئات الفلسطينيين غادروا القطاع على متن رحلات جوية مستأجرة رتبتها لهم جمعية “المجد”.

ويعيش في قطاع غزة نحو 2.4 مليون فلسطيني، حيث تفرض إسرائيل عليهم منذ 2007 حصارا زادت وطأته خلال السنوات الأخيرة مع عدوانها على القطاع، والذي خلّف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اليوم 73,039 شهيدا و173,388 مصابا، فضلا عن دمار هائل طال 90% من البنى التحتية المدنية.
ورغم حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي ولا تزال مستمرة في ظل سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإن الغزيين يؤكدون التمسك بأرضهم ورفض مشاريع التهجير سواء القسري أو الطوعي.
إلى جانب الرفض الفلسطيني، يواجه مشروع التهجير رفضا عربيا وإسلاميا ودوليا، لكن إسرائيل، على ما يبدو، تراهن على نجاح الخطة استنادا إلى واقع “الجحيم اليومي” الذي فرضته على غزة، وأن سياسة الأرض المحروقة قد تكسر إرادة الفلسطينيين المقاومة لفكرة التهجير، وفق مراقبين.
المصدر: الجزيرة