يناير بلا شراء.. لماذا يختار أمريكيون شهرا كاملا دون تسوق؟

في بداية عام 2026، اختار عدد متزايد من الأميركيين أن يبدأوا عامهم بطريقة غير معتادة: الامتناع شبه الكامل عن شراء أي كماليات لمدة شهر. الظاهرة التي تُعرف باسم “يناير بلا شراء” (No Buy January) لم تعد مجرد تحدٍّ عابر على وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى تعبير واضح عن قلق اقتصادي متصاعد ورغبة في استعادة السيطرة على الإنفاق.

ووفق تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال، شهد الاهتمام بالتحدي قفزة لافتة هذا العام، إذ سجلت عمليات البحث عنه على غوغل أعلى مستوى لها خلال خمس سنوات، في مؤشر على اتساع رقعة المشاركة، خصوصا بين أبناء جيل الألفية والجيل زد.

شهر بلا كماليات

يقوم التحدي على قاعدة بسيطة، وهي عدم شراء أي سلع غير أساسية طوال شهر يناير/كانون الثاني، مثل الملابس الجديدة، مستحضرات التجميل، الأجهزة الإلكترونية، أو حتى ديكور المنازل. ويُسمح فقط بالإنفاق على الضروريات كالغذاء، الإيجار، المواصلات، والفواتير الأساسية.

بالنسبة لبعض المشاركين، لا يتوقف الأمر عند الامتناع الفردي. ينقل تقرير وول ستريت جورنال تجربة برنت بارسونز، وهو موظف في مجال تكنولوجيا المعلومات من ولاية نبراسكا، حوّل التحدي إلى ما يشبه “إعادة ضبط مالية” للأسرة بأكملها، عبر تقييد استخدام بطاقة الائتمان العائلية، وإلزام أي فرد بتبرير أي عملية شراء، بما في ذلك الوقود والوجبات السريعة.

لماذا الآن؟

يأتي انتشار “يناير بلا شراء” في سياق اقتصادي ضاغط. فعلى الرغم من استمرار إنفاق المستهلكين الأميركيين عند مستويات قوية نسبيا، تشير بيانات حديثة إلى أن سنوات التضخم المتتالية تركت أثرا واضحا على ميزانيات الأسر، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والتأمين والرعاية الصحية.

وتشير استطلاعات رأي، من بينها استطلاع أجرته شركة “نيرد وليت” NerdWallet، إلى أن أكثر من ربع الأميركيين جرّبوا الامتناع عن الإنفاق خلال شهر يناير في وقت سابق، بينما يرى نحو نصف المشاركين أن الحياة اليومية أصبحت أكثر كلفة من أي وقت مضى.

"التسوق البطيء" سبيلك لمكافحة إغراء الشراء السهل عبر الإنترنت
ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تحويل “يناير بلا شراء” إلى حركة جماعية (بيكسابي)

ضغط نفسي قبل أن يكون ماليا

ولا يقتصر الدافع على الحسابات المالية البحتة. فبحسب التقرير، تلعب الحالة النفسية والقلق من المستقبل الاقتصادي دورا محوريا في تبني هذا النمط. فبعض المشاركين يصفون شعورا عاما بعدم الارتياح، حتى وإن بدت أوضاعهم المالية “مستقرة على الورق”.

إعلان

هذا ما تعبر عنه جيليان شيه، وهي متخصصة في التسويق الرقمي من نيويورك، لصحيفة وول ستريت جورنال، قررت خفض إنفاقها الشهري غير الضروري من أكثر من ألف دولار إلى نحو 300 دولار فقط. كما قلّصت عدد مرات تناول الطعام خارج المنزل من عشر مرات أسبوعيا إلى ثلاث، بدافع القلق من عدم اليقين الوظيفي والاقتصادي.

دور منصات التواصل الاجتماعي

وساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تحويل “يناير بلا شراء” إلى حركة جماعية. على تيك توك وإنستغرام، ينشر المشاركون قواعدهم الخاصة، يوميات الالتزام، وحتى لحظات “الانتكاس”. هذا البعد الجماعي يمنح التحدي قدرا من الدعم والمساءلة، لكنه قد يضيف أيضا ضغطا نفسيا لدى البعض.

وتنصح آشلي بايبر، مؤلفة كتاب “لا أشياء جديدة” No New Things، المشاركين باتخاذ خطوات عملية لتقليل الإغراء، مثل كتم الإعلانات وإلغاء الاشتراك في الرسائل التسويقية، معتبرة أن الهدف الأساسي هو استعادة الإحساس بالتحكم.

أبعد من شهر واحد

بعض المشاركين يذهبون أبعد من يناير. فهناك من يحول التجربة إلى أشهر شراء محدود أو حتى عام كامل من الإنفاق المقنن، كما في حالة صانعة المحتوى الكندية تايلور فان لوفن، التي لجأت إلى هذا الأسلوب بعد فقدانها وظيفتها، واكتشفت – بحسب تعبيرها – أن “كثيرا مما اعتقدت أنه ضروري لم يكن كذلك”.

ترند أم تحوّل؟

يرى خبراء أن “يناير بلا شراء” قد لا يغير مسار الاقتصاد، لكنه يعكس تحولا في الوعي الاستهلاكي. فبالنسبة لكثيرين، لا يتعلق الأمر بشهر واحد من التقشف، بل بمحاولة إعادة تعريف العلاقة مع المال، والتمييز بين الحاجة والرغبة، في زمن تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والنفسية معا.

 

المصدر: الجزيرة