لم تضع إسرائيل ضمن خططها العسكرية في عدوانها على غزة احتمال أن تستمر الحرب لمدة 10 أشهر، إذ افترضت الخطط أن تنتهي المعركة خلال أسابيع على الأغلب بتحقيق الأهداف العسكرية والسياسية المعلنة، ولم تتوقع ورطة كانت ناجمة عن قصور في التخطيط وسوء فهم لطبيعة المعركة، وكذلك عن صمود المقاومة والتكتيكات الفعالة التي انتهجتها.
ويكشف تحقيق، نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في السادس من أغسطس/آب الجاري، أن الجيش الإسرائيلي أخفق بعد 10 أشهر في تدمير معظم كتائب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في غزة، وأن غالبية قوات الحركة في وسط غزة ما زالت على حالها.
ويشير التحقيق إلى أن ما يقرب من نصف كتائب حماس العسكرية في شمال ووسط غزة أعادت بناء قدراتها القتالية رغم مرور أكثر من 9 أشهر من الحرب.
ويشير محللون إلى أنه بالنظر إلى الأهداف التي أعلنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول والمتمثلة في “سحق حركة حماس وإنهاء وجودها وتدمير قدراتها العسكرية”، يبدو فشل إسرائيل واضحا تماما.
ماذا كانت أهداف الحرب؟
وضعت إسرائيل أربعة أهداف رئيسة معلنة لحربها على غزة، تتراوح بين التكتيكي والإستراتيجي، إضافة إلى أهداف أخرى غير معلنة، تتعلق أساسا بجعل غزة مدمرة كليا، ومن أهم هذه الأهداف:
- القضاء على حركة حماس وتدميرها
- الإفراج عن الأسرى والمحتجزين في غزة
- استعادة ثقة الإسرائيليين بحكومتهم وجيشهم على توفير الأمن لهم.
- إعادة بناء قوة الردع الإسرائيلية في المنطقة.
ولتحقيق تلك الأهداف، اعتمد الجيش الإسرائيلي على قوة النار الهائلة، وغير المتناسبة، والضربات العشوائية التي أدت إلى مجازر مروعة لقيت إدانة عالمية واسعة، كما اتبع أيضا سياسة الاغتيالات المستهدفة للقادة العسكريين الميدانيين والسياسيين في محاولة لقطع حلقات الاتصال والتنظيم والضبط والربط لحركة حماس، وشل قدرتها على واجهة العدوان.
ورغم ما شابها من تعثر، لم تتغير إستراتيجية الحرب الإسرائيلية وأعاد بنيامين نتنياهو في 30 يونيو/ حزيران التأكيد على تلك الأهداف رافضا أي تسوية، حيث قال: “نحن ملتزمون القتال حتى نحقق جميع أهدافنا، وهي القضاء على حركة حماس، وعودة الرهائن جميعا، والتأكد بأن غزة لن تشكّل بعد الآن تهديدا لإسرائيل، والعودة الآمنة لسكاننا في الجنوب والشمال إلى ديارهم”.
ماذا بعد عشرة أشهر من الحرب؟
يرى محللون أن إسرائيل حققت نجاحات ميدانية تكتيكية في عدوانها على غزة من خلال اتباع سياسة الأرض المحروقة، لكنها عجزت عن تحقيق أهداف حاسمة، بل إنها وجدت نفسها غارقة فيما أطلق عليه المفكّر والباحث الإسرائيلي ميخا غودمان “الفخ الإستراتيجي الخطير”. وبالعودة إلى أهداف الحرب نجد الواقع على الميدان كما يلي:
- لم يتم القضاء على حركة حماس والمقاومة في غزة.
- لم يتم إرجاع الأسرى والمحتجزين إلا بعضهم عبر اتفاقات هدنة.
- لم تتم إعادة النازحين إلى المستوطنات في الشمال والجنوب بل زاد معدل النزوح فوصل إلى 90 ألفا في الشمال، وتفاقمت موجة الهجرة العكسية.
- مؤشرات الثقة في الجيش والحكومة تتراجع بشكل حاد.
- قدرة الردع. الإسرائيلية تقوضت تماما، وأصبحت تحارب على خمس جبهات تقريبا.
- إسرائيل تنتظر حربا شاملة بأبعاد عسكرية خطيرة.
- الحكومة الإسرائيلية (بنيامين نتنياهو ويواف غالانت) مورطة وتهمة في جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية منظورة لدى محكمة العدل الدولية.
- حصل تغير كبير في نظرة الرأي العالم العالمي لإسرائيل في الاتجاه السلبي.
- تزايدت حدة الخلافات الداخلية في صفوف الحكومة والجيش ونشأت أزمة مجتمعية حادة.
- الجيش الإسرائيلي يعاني من الإرهاق والخسائر غير المسبوقة
- تدهور اقتصادي متفاقم مع استمرار الحرب.
- مازالت المقاومة قادرة على قصف المستوطنات والتجمعات الإسرائيلية.
- تسجل خسائر يومية في صفوف قوات الاحتلال
تبعا لذلك، يؤكد الباحث والأكاديمي الإسرائيلي زئيف معوز من جهته في مقال بصحيفة هآرتس (عدد 10 أيار/ مايو 2024) إلى أن مجريات الحرب على غزة تعد “الهزيمة الأكبر في تاريخ إسرائيل، والتي ستسجل إلى الأبد بكونها الهزيمة الأكثر خزيا في تاريخنا، دون أن نأخذ في الحسبان فضيحة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 العسكرية”.
بميزان الخسائر العسكرية الميدانية، قدرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن ما لا يقل عن 10 آلاف جندي إسرائيلي وقعوا بين قتيل وجريح خلال الحرب، كما تفيد تقديرات خبراء عسكريين بأن المقاومة دمرت ما بين 1600 و1700 آلية عسكرية، بينها عشرات دبابات الميركافا، وهي أكبر خسارة تتلقاها إسرائيل في حروبها.
ورغم أن حركة حماس خسرت ربما الآلاف من مقاتليها – وفق الرواية الإسرائيلية- وقادة سياسيين كبار مثل إسماعيل هنية وصالح العاروري، وفقدت جزء من بنيتها التحتية العسكرية، كما استشهد نحو 40 ألفا من سكان غزة جراء الجرائم الوحشية لقوات الاحتلال، إلا أن الأثمان الباهظة والموجعة بالنسبة لحركات المقاومة والصراعات الطويلة من أجل قضايا عادلة، وخصوصا القضية الفلسطينية، تعتبر جزءا من طبيعة الصراع المستمر.
كيف حاربت المقاومة؟
في كتاب بعنوان “الجيش المتطور وجيش الفرسان: كيف تخلت إسرائيل عن القوات البرية” يقول العميد احتياط جاي هازوت، -وهو قائد فرقة سابق في القيادة الجنوبية الإسرائيلية- إنه “مع كل جولة من جولات القتال، تمكنت حماس من التعرف على قدرات جيش الدفاع الإسرائيلي والاستعداد بشكل أفضل للحرب الكبرى”.
ويرى هازوت في الكتاب -الذي نقل الكاتب عاموس هاريل أجزاء منه في مقاله بصحيفة هآرتس (2 أغسطس/آب 2024)- أن “خطة هجوم حماس كشفت عن فكر عسكري لامع، وخطة إبداعية من الخداع والمبادرة والهجوم والجرأة”، وقد تجسد ذلك أولا – بحسبه- في هجوم طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول على مستوطنات غلاف غزة وثكناتها، ثم لاحقا في تكتيكات المعارك التي خاضتها بعد التوغل الإسرائيلي في غزة.
ويرى محللون عسكريون أنه في غياب التوازن في موازين القوى العسكرية يتم الاعتماد أولا على عنصر المفاجأة، ثم تغيير أساليب القتال والتكتيكات بما يتلاءم مع الحاجات الميدانية لاستدراج العدو المحتل وتحييد عناصر تفوقه وإيقاع أكبر الخسائر في صفوفه، واستنزاف قدراته في حرب طويلة ومكلفة، وهو ما طبقته المقاومة في غزة ضمن ما يعرف بحروب المدن والشوارع.
وفي هذا السياق، يقول جون سبنسر-خبير الحرب في المناطق الحضرية في أكاديمية ويست بوينت العسكرية الأميركية- “إن غزة أثبتت أنها واحدة من أصعب المعارك الحضرية في التاريخ، حتى بالمقارنة مع الموصل أو ستالينغراد”.
ويضيف- في تحقيق لصحيفة تلغراف البريطانية- أن حركة حماس “طورت بعض التكتيكات الدفاعية الحضرية الشائعة ووضعتها على مستوى لم يره أحد من قبل، فالجنود الإسرائيليون يواجهون حقيقة متزايدة مفادها أن كل مبنى هو عبارة عن قنبلة أو فخ، وكل فتحة نفق عبارة عن فخ”.
ويرى محللون عسكريون أن المقاومة الفلسطينية في غزة تمكنت من استغلال نقاط قوتها باقتدار، وعملت على تحييد نقاط قوة الجيش الإسرائيلي وتنويع أساليب قتالها من خلال:
- اتباع أسلوب الكر والفر، حيث تخلى بعض المناطق لاستدراج القوات الإسرائيلية إليها ثم العودة لمهاجمتها.
- استغلال شبكة الأنفاق بالشكل الأمثل.
- استغلال المعرفة الدقيقة بساحة القتال والشوارع.
- نصب الفخاخ والكمائن على نطاق واسع.
- حصر الدبابات والآليات الإسرائيلية الثقيلة في أماكن ضيقة وتدميرها.
- استخدام أسلحة خفيفة ومناسبة حسب طبيعة العمليات.
- اعتماد مجموعات صغيرة مقاتلة ذات مرونة عالية في الحركة.
- المرونة في اتخاذ القرار والتنفيذ.
- تكثيف المراقبة ورصد العدو ومباغتته.
- ثبات العقيدة القتالية والاستمرارية في المقاومة
- استنباط الحلول لمواجهة التفوق الإسرائيلي
ويؤكد الخبير العسكري الأميركي جون سبنسر أن المقاومة في غزة “كان لديها 15 عاما للاستعداد لهذه اللحظة، وأنها عملت جاهدة لتحويل كل شبر في القطاع إلى مشكلة لأفضل جيش في العالم”.
ويعزو خبراء عسكريون النجاحات التكتيكية التي حققتها حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية إلى أساليب المراقبة والاستطلاع المبتكرة وتكتيك استدراج الجيش الإسرائيلي ومدرعاته إلى مناطق يعتقدها آمنة ومن ثم مواجهتها من المسافة صفر، أو تفجير مكان تمركزهم وتجمعاتهم وقنصهم.

مأزق اليوم التالي
يرى مسؤولون إسرائيليون أن رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لأي صفقة لإطلاق الأسرى والمحتجزين في غزة وتعطيل المبادرات المطروحة وفرضه شروطا جديدة لا يتناسب مع حقائق الميدان، ويورط إسرائيل في مأزق مستمر عسكريا وسياسيا دون الخروج بأية مكاسب، وأهمها إطلاق الأسرى والمحتجزين.
وفي هذا السياق، يقول يؤكد الباحث والأكاديمي الإسرائيلي زئيف معوز “من الناحية العسكرية لا يهم كيف ومتى سينتهي القتال، هُزمنا بشدة، نحن مسؤولون عن كارثة إنسانية ضخمة في ظل واقع تحيط به عزلة دولية عميقة ومتزايدة، في حين أن الإنجاز الوحيد الذي يمكن أن نلاحظه هو بقاء سلطة نتنياهو وعصابته”.
من جهته، يعترف رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق تامير هايمان بأن “صورة تل أبيب كدولة قوية عسكريا آخذة في التلاشي”، مؤكدا أنه يصعب هزيمة حماس لأنها “متغلغلة فوق الأرض وتحتها في كل أنحاء غزة”.
وبحسبه، فإن “الحرب الحالية هي الأصعب في تاريخ إسرائيل”، وقد استطاعت فيها المقاومة مواجهة الجيش الإسرائيلي عسكريا وكذلك إعلاميا حيث إن “الصور ومقاطع الفيديو التي تنشرها للجنود الإسرائيليين وهم يقومون بمداهمات المدارس والمستشفيات تبدو سيئة لبقية العالم”.
من جهتها تشير صحيفة تلغراف البريطانية إلى أن فيديوهات المقاومة التي توثّق قنص الجنود الإسرائيليين أو إيقاعهم في كمائن، وخصوصا تدميرها لدبابات الميركافا من المسافة صفر تمثل بالإضافة إلى بعدها العسكري “سلاحا نفسيا” مؤثرا في المواجهة وعلى معنويات الجيش الإسرائيلي خصوصا، “لما لهذه الدبابات من بُعد عسكري وثقافي وأسطوري”.
في أشهر الحرب العشرة، نوعت المقاومة في غزة من تكتيكات قتالها وأساليب مواجهتها للجيش الإسرائيلي، الذي وقع في مصائد معارك المدن والشوارع عسكريا، كما وقع في “النفق المظلم” لسياسات بنيامين نتنياهو وحرب لم تعد نتائجها وأهدافها محكومة بساحات القتال في غزة، بل باتت تشمل ساحات أخرى تتفجر جبهاتها تباعا.