100 يوم من القتل.. كاغامي يعظ في الذكرى 31 لإبادة التوتسي

 كيغالي- المشهد ذاته يتكرر كل عام في رواندا، تقليد راسخ لم تحد عنه البلاد منذ عام 1994. في السابع من أبريل/نيسان يلتقي عند النصب التذكاري للإبادة الجماعية بحق التوتسي في كيغالي رئيس الدولة وكبار المسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي وعائلات الضحايا وناجون من المجازر، إيذانا بانطلاق فعاليات “كويبوكا”.

إحياء ذكرى الإبادة يبدأ من النصب الذي يخلد رفات نحو 250 ألفا من ضحايا المجازر بأسبوع من الحداد الوطني وفعاليات تمتد إلى 100 يوم. وهي المدة نفسها التي شهدت الإبادة الجماعية بحق التوتسي، وأسفرت عن مقتل أكثر من مليون شخص في البلاد.

الإبادة ليست عفوية

إحياء ذكرى المجازر هذا العام يأتي بعنوان “التذكر والوحدة والتجدد”.

 وانطلاقا من هذا الشعار استعاد الرئيس الرواندي بول كاغامي مسار الأحداث التي أفضت إلى وقوع الإبادة الجماعية بحق التوتسي، مستهلا حديثه بالتحذير من خطورة استمرار إنكار وقوع الإبادة ومنتقدا “محاولات تصويرها كحدث عفوي” قائلا إن “التظاهر بأن الإبادة كانت حدثا عفويا هو أمر خاطئ للغاية، لأن الإبادة تم التحضير لها وتنفيذها بشكل ممنهج”.

وانتقد كاغامي صمت المجتمع الدولي والأممي إزاء أعمال العنف التي مهدت للإبادة في رواندا مطلع تسعينيات القرن الماضي، لا سيما قرار سحب قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام مؤكدا أن بلاده خرجت من تلك التجربة بقناعة مفادها أن “حياة الروانديين كانت أقل قيمة من أن يتم إنقاذها عبر بعثة أممية ستكون كلفة تدخلها كبيرة” وهو ما دفع رواندا إلى “بناء جيش هو من بين الأفضل في العالم” وفق قوله.

Rwanda's President Paul Kagame (C) walks in the street of Kigali during the "Walk to Remember" during the 31th comemoration of the 1994 Rwandan Genocide in Kigali on April 7, 2025.
جانب من مسيرة في وسط كيغالي لتخليد ذكرى إبادة التوتسي (الفرنسية)

الجيش والعقوبات

ومن دور الجيش عند الحدود مع الكونغو الديمقراطية، انتقل كاغامي للحديث عن العقوبات الأمريكية التي فُرضت على عدد من قادة الجيش الرواندي، واصفا إياها بأنها “غير عادلة” ومؤكدا أن “مبدأ بلاده الأمني يرتكز على وضع حماية المدنيين في المرتبة الأولى” وتساءل عن السبب وراء “وضع عقوبات على رواندا التي تريد حماية نفسها”.

إعلان

وشدد كاغامي على أنه ومنذ “انهيار حكومة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 فر جنود الجيش والمليشيات إلى داخل الكونغو الديمقراطية ونظموا أنفسهم ضمن القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR) وبدؤوا بشن هجمات عابرة للحدود ضد بلاده”،

وأضاف أن الجيش الرواندي عمل منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي على تأمين الحدود مع الكونغو الديمقراطية لمنع تلك الهجمات،”ومنذ ذلك الوقت تعمل الإجراءات الدفاعية للجيش الرواندي على منع أي هجمات عابرة للحدود” مشيرا إلى أن هذه “مهمة يجب ألا تُترك لرواندا أن تواجهها واحدها”.

ودعا كاغامي الدول الأفريقية إلى استخلاص الدروس من التاريخ، مؤكدا أن “الأفارقة يجب أن يدركوا مخاطر البقاء دون حراك ودون مجابهة خطاب الكراهية والعنف”.

وفي ختام كلمته، طالب كاغامي حلفاء بلاده بدعم جهودها في مواجهة التطرف وخطاب الكراهية بدلا من معاقبتها، قائلا “نطلب من حلفائنا مشاركتنا في محاربة التطرف بدلا من وضع عقوبات علينا”.

إحياء الذكرى لمنع تكرارها

بدوره أكد وزير الوحدة الوطنية والمشاركة المدنية جان داماسكين بيزيمانا في كلمة له أنه كان بالإمكان منع وقوع الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا.

وقال إن “مسؤولي المنظمات الدولية العاملين في البلاد آنذاك لم يتخذوا أي خطوات لمنع وقوعها”، وأضاف “منذ عام 1990 كانت مؤشرات الإعداد للإبادة الجماعية ضد التوتسي معروفة، لكنه تم تجاهلها”.

وشدد بيزيمانا على أن إحياء ذكرى الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994 يجب أن يكون بمثابة تذكير للدول بضرورة الالتزام بمسؤولياتها في منع مثل هذه الجرائم، وفق قرارات الأمم المتحدة.

شهادة ناج من الموت

وأمام السلك الدبلوماسي وممثلين عن رؤساء وقادة دول أفريقية استذكر ثيونسيت نغيروونسانغا ما عاشه خلال 100 يوم من حين اضطر مع أفراد عائلته إلى الفرار من قريتهم مع بداية الهجمات التي نفذتها مليشيا “الإنتراهاموي”.

وقدم الناجي تفاصيل عن محاولة العائلة الاحتماء بإحدى الكنائس القريبة غير أن القائمين عليها رفضوا استقبالهم ما اضطرهم إلى الهروب نحو الغابات بحثا عن النجاة.

يروي ثيونسيت كيف عثر المهاجمون عليهم وقتلوا والده وألقوا بجثته في بحيرة “كيفو”. 100 يوم من الرعب يستذكرها ثيونسيت بعدما نجا من المجازر مع اثنين من أشقائه، ويقول إن “رعب الموت طارده كل يوم من تلك الأيام المئة” وإن شبح القتل بقي يلاحقه “لكنني نجوت مع أخي وأختي، نجونا لنخبر العالم قصتنا”.

شهادة ثيونسيت تلتها مباشرة كلمة كاغامي الذي علق عليها بالقول إن “ثيونسيت قُتل في المجازر لكنه عاد للحياة، كما عادت رواندا للحياة”.

وأضاف أنه “لا يمكن للقاتل أن يقتل ضحيته مرتين، رواندا وشعبها قُتلوا في الإبادة الجماعية بحق التوتسي وعادوا للحياة ليعيشوا كما يُفترض بالشعوب أن تبقى وتعيش بكرامة وعنفوان، ومهما كانت الأثمان لن نتوسل لأي أحد، وقبل أن تقتلوا رواندا فإن رواندا ستقتلكم”. ولم يغفل كاغامي أن “البعض سيحاول تفسير كلماته بشكل خاطئ”، وفق تعبيره.

 

المصدر: الجزيرة