أتمت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يومها الـ1000 مخلفة وراءها تحولات بنيوية عميقة أعادت هندسة الواقع الجغرافي والديموغرافي والعسكري للقطاع ومحيطه الإقليمي.
ولم تعد المعركة مجرد مواجهة تقليدية، بل تحولت إلى إستراتيجية ممنهجة لفرض سياسة الأمر الواقع وإلغاء السيادة والقانون، عبر تدمير شامل لمقومات الحياة ونقل هذا النموذج العملياتي إلى جبهات إقليمية أخرى.
ووفقا للأرقام الصادمة التي رصدها الصحفي محمود الزيبق عبر الشاشة التفاعلية على الجزيرة، أسفرت الألف يوم عن كارثة بشرية غير مسبوقة، حيث سُجل نحو 73 ألف شهيد فلسطيني، وزادت أعداد الجرحى عن 700 ألف، إلى جانب خلل ديموغرافي نتج عنه 47 ألف أرملة و58 ألف طفل فقدوا والديهم أو أحدهما، مع نزوح نحو مليوني فلسطيني حُشروا في زاوية ضيقة.

وميدانيا، أوضح الخبير العسكري العميد إلياس حنا، أن الاحتلال ألقى 150 ألف طن من المتفجرات مستهدفا تدمير “النظام البيئي الحياتي”، وهو ما أشار إليه الزيبق بأرقام وإحصاءات على النحو التالي:
- تعطل 97% من إمدادات مياه الشرب، وتدمير 80% من بنيتي الطاقة والطرق الرئيسية.
- شلل اقتصادي بتدمير 98% من الأراضي الزراعية و88% من المنشآت الصناعية (مما رفع البطالة).
- توقف 94% من المؤسسات الصحية، وتضرر 95% من المدارس (حرمان 700 ألف طفل من التعليم).
- تقدير الأمم المتحدة لخسائر البنية التحتية وحدها بنحو 70 مليار دولار كأكبر إعادة إعمار من تحت الصفر.
“هندسة الجغرافيا”
على الصعيد العسكري، أكد العميد حنا أن إسرائيل ضربت التفاهمات بعرض الحائط، فبدلا من الانسحاب لـ”الخط الأصفر” (البقاء في 53% من المساحة)، ذهبت للخط البرتقالي لتلتهم 11% إضافية، مستحوذة حاليا على 64% من مساحة غزة، مع تهديد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باحتلال 70%، مواصلا الاغتيالات التي حصدت نحو ألف شهيد بعد وقف إطلاق النار.
وأضاف حنا أن جيش الاحتلال زاد مواقعه بـ40 نقطة عسكرية مستحدثة، متمسكا بمحاور موراغ وفيلادلفيا ونتساريم الذي يشكل العمود الفقري لعزل القطاع وتأمين حرية الحركة، وسط هجمة من اليمينيين المتشددين لإعادة إحياء المستوطنات.

سياسيا، ترفض إسرائيل مقترح حركة حماس بهدنة لـ15 إلى 20 عاما وتخزين السلاح تحت إشراف دولي، وتعرقل الطرح الأمريكي بتسليم معبري رفح وكرم سالم لحكومة تكنوقراط، وترفض إعمار محور فيلادلفيا بذريعة منع التهريب المستقبلي عبر المسيّرات.
وفي الضفة الغربية، أشار حنا إلى وضع 130 بؤرة استيطانية -حسب صحيفة هآرتس- لتطوير العمليات بمخيمات كجنين، وإقرار مخطط (إي 1) لتقطيع أوصال الضفة وفرض منطقة عسكرية بوادي نهر الأردن لضرب مشروع الدولتين كما يقول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
عقيدة الهجوم والتمدد إقليميا
ويتجاوز هذا النمط حدود غزة ليصبح عقيدة أمنية إسرائيلية شاملة قائمة على الاستباق ونقل الحرب لأرض الخصم. وبيّن حنا أن الاحتلال قضم ما بين 1000 إلى 1200 كيلومتر مربع إقليميا، شملت سوريا باحتلال منطقة فك الاشتباك لعام 1974 وجبل الشيخ في الجولان، وامتدت للبنان عبر اقتطاع منطقة عازلة بمساحة 600 كيلومتر مربع (وفق صحيفة فايننشال تايمز ) ، لتبدأ بـ5 نقاط ثم تتوسع.
وخلص حنا إلى أن ترحيل الحلول الدبلوماسية إلى اتفاقات ومذكرات تفاهم مرحلية طويلة الأمد (سواء مع المرحلة الأولى لاتفاق غزة، أو آلية الاتفاق الإطاري مع لبنان، أو المرحلة الأولى لمذكرة إيران التي قد تمتد لأكثر من 60 يوما) يغرق المنطقة في “مرحلة فوضى شاملة”.
المصدر: الجزيرة