تجاوز عدد الشاشات الرقمية في العالم 20 مليار شاشة بين هواتف وحواسيب وشاشات إعلانية، في حين يقضي ملايين البشر ما بين 7 و12 ساعة يوميا على منصات التواصل الاجتماعي، ولم تأتِ هذه الظاهرة بالصدفة بل صُمِّمت -وفقا لخبراء- بدقة عالية لاستعباد الانتباه البشري وتوجيه السلوك والقرارات.
واستضاف برنامج “رفقًا” -الذي يبث على منصة الجزيرة 360 ويمكن متابعته من هذا الرابط– الشيخ خليفة آل ثاني والمهندس أحمد أبو زيد الذي اشترك في قناته على اليوتيوب أكثر من 9 ملايين شخص، في حوار معمّق كشف فيه الضيفان عن حجم التلاعب الذي تمارسه شركات التكنولوجيا الكبرى في حياة المستخدمين، وسبل استعادة السيطرة على الوقت والانتباه في عصر الشاشات.
ورسم المتخصص في الأمن السيبراني الشيخ خليفة آل ثاني صورة لحجم النعمة التي نعيشها اليوم، مستحضرا ذاكرة العامل المغترب الذي كان ينتظر 14 يوما ليصله خطاب من أهله، فإذا وصله انتهى منه ثم راح يقلّبه يمينا ويسارا باحثا عن رمق أخير من الطمأنينة.
وفي المقابل، يملك الإنسان اليوم أن يرفع هاتفه في أي لحظة ويطمئن على من يحب. غير أن هذه النعمة ذاتها أصبحت سلاحا يُشهر في وجه صاحبه.
وأكد الشيخ خليفة أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها بل في تخلي الآباء عن أدواتهم في مراقبة أجهزة أبنائهم، واصفا عذر “لا أعرف كيف” بأنه كسل لا جهل، إذ صُمِّمت هذه التقنيات لتكون في متناول الجميع.
وضرب مثلا بليغا بالسكين في المطبخ التي تُوضع في مكان بعيد عن متناول الأطفال، مؤكدا أن الواجب ذاته ينطبق على الأجهزة الرقمية.
تصفح لا نهائي
وفي السياق ذاته، كشف المهندس أحمد أبو زيد أن شركة فيسبوك تمتلك ما لا يقل عن 5000 نقطة بيانات عن كل مستخدم تشمل اهتماماته وميوله وتوجهاته الشرائية والفكرية، في حين لا يعرف أغلب البشر عن أنفسهم 50 معلومة متتالية.
وأشار إلى أن مهندس غوغل السابق آزا راسكين هو الذي اخترع تقنية “التمرير اللانهائي” التي ألغت نهاية الصفحات على منصات التواصل، محوّلةً التصفح إلى سقوط حر لا يتوقف إلا حين يغلب النعاسُ المستخدمَ.
ووصف أبو زيد الحالة الراهنة بأنها إدمان كامل، مستشهدا بأن المستخدم اليوم لا يتحمل قضاء 10 دقائق في سيارته دون تفقد هاتفه، بل امتد الأمر إلى داخل المساجد.
ونبّه إلى أن الرغبات التي يظنها الإنسان نابعة من داخله هي في الحقيقة مفروضة عليه من خلال إعلانات مدروسة وخوارزميات تتعقب كل توقف وكل تمرير، مضيفا أن شركات التواصل الاجتماعي طوّرت حديثا خاصية “التمرير التلقائي” لتقليب المحتوى دون أن يحرك المستخدم إصبعه.
وتناول الضيفان ظاهرة المقارنات التي أفرزتها منصات التواصل، حيث أصبح الطفل في رحلة عائلية يرى في الوقت ذاته أين سافر أقرانه وكيف يعيشون في حلقة مفرغة من السخط.
وأشار الشيخ خليفة إلى أن كثيرا مما يُعرض على المنصات من حياة مثالية صورة مزيفة، مستندا إلى الآية الكريمة ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾، إذ تدل الآية على أن الرضا لا يتحقق بالنظر إلى ما في أيدي الآخرين.
وخلص أبو زيد إلى أن الخروج من هذا “الأسر” يبدأ بالإدراك، مقترحا تجربة “الديتوكس الرقمي” ولو لفترة وجيزة، مؤكدا أن الوقت يمر ببطء حين يبتعد الإنسان عن شاشته، وأن تفاصيل الحياة الصغيرة تعود إلى الظهور حين يستعيد الإنسان انتباهه من براثن الخوارزميات.
المصدر: الجزيرة