كشفت صحيفة وول ستريت جورنال وجود فجوة كبيرة بين النفقات المعلنة من جانب 9 من أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية العاملة في قطاع الذكاء الاصطناعي وبين الالتزامات طويلة الأجل لهذه الشركات، مما قد يؤثر على قدرتها على تغطية هذه النفقات الهائلة مستقبلا وتحقيق الأرباح المنتظرة منها.
وأوضحت تحليلات لصحيفة وول ستريت جورنال، استنادا إلى البيانات المالية التي تقدمها هذه الشركات بشكل رسمي إلى هيئات الرقابة المالية، أن 9 شركات تكنولوجية كبرى لديها التزامات خارج الميزانية العمومية بقيمة 3 تريليونات دولار، تتعلق في الغالب بالذكاء الاصطناعي.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الالتزامات ترتفع بوتيرة أسرع من النفقات الرأسمالية المعلنة، التي بلغ مجموعها نحو 600 مليار دولار خلال العام الماضي وحده.
ومن بين هذه الشركات العملاقة إنفيديا وميتا (التي تمتلك فيسبوك وإنستغرام) وألفابت (التي تمتلك غوغل) ومايكروسوفت وأمازون وأوراكل وسبيس إكس و”برودكوم” وأدفانسيد ميكرو ديفيسيز.
نموذج من شركة ميتا
تشير وول ستريت جورنال إلى أحد نماذج هذه الالتزامات المالية الضخمة ويتعلق الأمر بمشروع شركة ميتا لإنشاء مركز بيانات ضخم في ولاية لويزيانا الأمريكية، المعروف باسم “هيبيريون”، والذي تبلغ تكلفته 27 مليار دولار.
ويتم تنفيذ هذا المشروع بالمشاركة بين ميتا وشركة تم تأسيسها لإدارته باسم “بلو أويل”، وتمتلك 80% من أسهمه، وستؤجر ميتا خدماته بعد أن يكتمل.
لكن طبقا للقواعد المحاسبية لا يتم إدراج أي مصروفات في حساب الأرباح والخسائر الخاص بشركة ميتا إلا بعد أن تبدأ في دفع الإيجار، وهو ما سيتم بعد عدة سنوات.

وأفصحت ميتا حتى يونيو/حزيران الماضي عن التزامات إجمالية بقيمة 347 مليار دولار تتعلق بعقود إيجار لم تدخل حيز التنفيذ بعد، بما في ذلك التزامات مشروع هيبيريون.
وأوضحت الصحيفة أن هذا النموذج يتكرر مع شركات أخرى، إذ بلغت التزامات مستقبلية لعقود الإيجار نحو 1.2 تريليون دولار، وهي التزامات غير موجودة في حسابات الأرباح والخسائر لأنها لم تُدفع بعد.
مشتريات طويلة الأجل
بالإضافة إلى عقود الإيجار التي ستبدأ هذه الشركات في دفعها مستقبلا، هناك عقود شراء طويلة الأجل لضمان توفير مكونات ضرورية لقطاع الذكاء الاصطناعي، مثل الرقائق الإلكترونية، وذلك لتأمين استمرار الإنتاج بلا توقف في ظل منافسة محمومة في هذا القطاع.
وبحسب تحليلات وول ستريت جورنال، تصل الالتزامات المالية لعقود الشراء طويلة الأجل للشركات التسع العملاقة إلى نحو 1.9 تريليون دولار، وهذه مبالغ لا تدخل في الحسابات المالية المعلنة لهذه الشركات.
ووفق القواعد المحاسبية، تبقى التزامات الشراء خارج الحسابات حتى يتم تسليم المنتجات أو الخدمات للشركة التي اشترتها، وحينها يتم تسجيل تكلفة هذه المنتجات والخدمات في حسابات الشركة الرسمية.
زيادة هائلة في النفقات والقروض
في ظل منافسة شرسة لتطوير الخدمات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي وتحقيق السبق فيها، توسعت كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية في الاستثمارات في هذا القطاع، إذ بلغت نفقات هذه الشركات، ومنها ألفابت وميتا وأمازون ومايكروسوفت، نحو 450 مليار دولار على البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي في العام الماضي.
ومن المنتظر، وفق ما ذكرته مجلة الإيكونوميست البريطانية، أن ترتفع نفقات هذه الشركات على مراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها والرقائق الإلكترونية إلى نحو 900 مليار دولار، في حين يتوقع أن تقفز هذه النفقات إلى 1.4 تريليون دولار في عام 2027.

وكان من الطبيعي أن تلجأ شركات التكنولوجيا إلى الاقتراض لتوفير جانب من هذه النفقات الهائلة.
واقترضت هذه الشركات نحو 400 مليار دولار في العام الجاري، حسب بيانات الإيكونوميست، التي وصفت الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بأنه “أكبر موجة استثمارية في التاريخ”.
“الإيرادات لا تنمو بالسرعة الكافية”
غير أن مجلة الإيكونوميست تشير إلى أن تغطية النفقات الاستثمارية الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي يتطلب إيرادات تبلغ نحو 2.5 تريليون دولار سنويا، وهي تفوق إيرادات قطاع التكنولوجيا الأمريكي بكامله، وليس فقط قطاع الذكاء الاصطناعي، كما أن هذه الإيرادات تفوق ما كان مطلوبا قبل عام واحد حين كانت الاستثمارات أكثر تواضعا.
وتضيف أن عددا قليلا من الأفراد يرغبون في دفع الأموال مقابل استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي، ويفضلون النماذج المتاحة بشكل مجاني، ولهذا فإن تحقيق الإيرادات يتطلب بيع هذه النماذج على نطاق أوسع للشركات.
وتنقل المجلة عن دراسة لبنك التسويات الدولية أن إيرادات الذكاء الاصطناعي تنمو بشكل سريع، لكن قد لا يكون هذا النمو بالسرعة الكافية لإرضاء المستثمرين.
وإجمالا، أنفقت شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة مبالغ طائلة على تطوير قدراتها في الذكاء الاصطناعي، ولديها التزامات ضخمة خلال السنوات القادمة لتوفير مراكز البيانات والطاقة اللازمة لها خلال السنوات القادمة، وذلك لمواجهة توقعاتها بتصاعد الطلب على منتجات وخدمات هذا القطاع مستقبلا.
لكن صحيفة وول ستريت جورنال تحذر من أنه إذا لم يرتفع الطلب على هذه الخدمات مستقبلا بالشكل المنتظر فستتحول هذه النفقات إلى “أعباء هائلة تثقل كاهل هذه الشركات والمستثمرين بها”.
بدورها، تحذر الإيكونوميست من أن تحقيق الإيرادات اللازمة لتغطية كل هذه النفقات الهائلة لا يبدو أمرا سهلا.
المصدر: الجزيرة