عبرت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران في أسبوعها الأول عتبة جديدة مع سقوط قتلى من الجنود الأمريكيين وتوسّع بنك الأهداف بين الطرفين، الذي بات يُهدد بإغراق المنطقة بأسرها في دوامة تصعيد لا سقف لها. فما كان تصعيدا محسوبا تضبطه رسائل الردع، تحوّل منذ انهيار مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران الماضي إلى مسار متدحرج يصعب لجمه، تتسع رقعته يوما بعد يوم.
واليوم، بات كل من مضيق هرمز وباب المندب رهينة الإغلاق أمام حرية الملاحة الدولية، بينما يلوح شبح إسرائيل بالانخراط في المواجهة، مما يُنذر بقلب المعادلة وإخراج الحرب عن السيطرة.
في هذا التقرير 6 مؤشرات ميدانية وسياسية تعكس احتمال اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وربما خروجها عن السيطرة خلال الأيام المقبلة.
توسع بنك الأهداف
لم تعد ضربات الجيش الأمريكي تقتصر على استهداف المواقع العسكرية ومنصات إطلاق الصواريخ -كما كان الحال في الفترة ما قبل توقيع مذكرة التفاهم- بل امتدت لتطال جسورا وبنى تحتية حيوية في العمق الإيراني.
وخلال الأسبوع الماضي، قصفت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 6 جسور في محافظة هرمزغان، ومحطة ربط السكك الحديدية في مدينة بندر عباس، بالإضافة إلى برج المراقبة البحرية في مدينة تشابهار مرتين.
كما استهدفت مطار إيرانشهر في محافظة سيستان وبلوشستان، وضربت خطوطا لنقل الكهرباء تربط مدنا رئيسية على الساحل الإيراني، إلى جانب منظومات رادارات ورصد ومراقبة إيرانية.
هذا التوسّع في دائرة الاستهداف -من القواعد العسكرية إلى شرايين الطاقة والنقل ومنظومات الدفاع الجوي- يكشف عن انتقال الهجمات من منطق “العقاب المحدود” إلى إستراتيجية عسكرية جديدة تقوم على إنهاك مقومات الدولة نفسها، وهو ما يهدد بتضييق هامش التفاوض وإجهاض فرص التهدئة المحتملة.
من جهته، أوضح الأستاذ في كلية الدراسات الأمنية في كينغز كوليدج لندن مارك هيلبورن أن الجسور تحوّلت لأهداف مشروعة بالنسبة لواشنطن، نظرا لدورها المحوري في دعم خطوط الإمداد اللوجيستي للقوات الإيرانية جنوبي البلاد.
وفي هذا السياق، ذكر مراسل الجزيرة في واشنطن محمد الأحمد أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تنظر إلى الضربات الحالية ضد إيران، باعتبارها حملة عسكرية مفتوحة بلا سقف زمني، مع رسائل واضحة إلى احتمال تصعيدها في المرحلة المقبلة.

استهداف منشآت في الخليج
كان الحرس الثوري الإيراني قد حذّر، في بيان صدر خلال الأيام الأولى لعودة المواجهة، أنه في حال طالت الضربات الأمريكية جسورا وبنى تحتية إيرانية، فإن قواته ستباشر تدمير الأصول الصناعية والمعلوماتية في شركات يملك الأمريكيون حصصا فيها بالمنطقة.
وتنفيذا لوعيده، أعلن الحرس الثوري استهداف منشآت حيوية في عدد من الدول العربية، وكان من أبرز الهجمات ضرب محطة لتوليد الكهرباء وتقطير المياه في الكويت، التي تعرضت لأكبر موجة من الهجمات الإيرانية منذ عودة التصعيد العسكري.
كما أعلن الجيش الإيراني استهداف “منشآت للجيش الأمريكي” في قاعدتي العديري وعلي السالم بالطائرات المسيرة، إلى جانب عدد من الجسور داخل الكويت.
واستهدفت طهران بمسيّرات من طراز “آرش” الانتحارية ما قالت إنها “مواقع تمركز القوات ومراكز الدعم اللوجيستي التابعة للجيش الأمريكي في الكويت”، وذلك ردا على ضربات أمريكية استهدفت جسورا وبنى تحتية في مناطق عدة جنوبي إيران.
وفي البحرين، أعلن الحرس الثوري تدمير مستودع زوارق مسيرة أمريكية ومركز رئيسي للذكاء الاصطناعي بزعم استخدامها من قِبل واشنطن لتحديد أهدافها بالصواريخ.
وقال الجيش الإيراني إن قواته استهدفت بالطائرات المسيرة “منشآت للجيش الأمريكي في قاعدة الشيخ عيسى وجسورا في البحرين”.
أما في الأردن، فقصفت طائرات مسيرة إيرانية “منشآت تابعة للجيش الأمريكي” في قاعدة الأزرق، وذلك قبل إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن مقتل وإصابة عدد من جنودها في المنطقة.
سقوط قتلى أمريكيين
اتخذت المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران منحى مثيرا للقلق عندما توعّدت الولايات المتحدة بالثأر لمقتل 3 من جنودها في الأردن والعراق، حيث توعّد ترمب إيران بدفع ثمن مضاعف مقابل كل جندي أمريكي يُقتل في الحرب الحالية.
وجاء وعيد ترمب بعدما أعلن الجيش الأمريكي، الأحد الماضي، عن أحدث خسائره في الحرب، إذ أكد مقتل اثنين من جنوده جراء ضربة في الأردن وانتشال رفات مجهولة الهوية من موقع الضربة، في حين قُتل جندي آخر بالعراق أثناء تفكيك ذخيرة مسيّرة إيرانية.
كما أعلن الجيش في الوقت ذاته فقدان جندي آخر جراء الهجوم في الأردن، إلى جانب مقتل الجنديين.
وفي هذا الصدد، نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن ترمب لم ينتهِ بعد من الرد الانتقامي، وأنه يركّز حاليا على جعل طهران “تدفع ثمن انتهاكاتها لمذكرة التفاهم وأعمالها الإرهابية المستمرة في مضيق هرمز”.
وأكد المسؤول الأمريكي أن “الرئيس سيجعل إيران تدفع ثمن مقتل الجنود الأمريكيين مؤخرا. وستستمر هذه الضربات المدمرة حتى يقرر الرئيس غير ذلك”.
إغلاق “هرمز” و”باب المندب”
لم يكن مفاجئا على الإطلاق إعلان الحرس الثوري الإيراني، في بيان بتاريخ 12 يوليو/تموز الجاري، إغلاق مضيق هرمز “حتى إشعار آخر”، إذ أكد أنه لن يُسمح لأي سفينة بالمرور.
وجاء في البيان أن “عدة سفن حاولت الإبحار عبر المسار غير المصرّح به، متجاهلة التحذيرات.. وبالتالي تعرضت إحدى السفن لإطلاق نار تحذيري، مما تسبب في إيقافها”.
لكن ما شكّل مفاجأة حقيقية هو إعلان جماعة أنصار الله (الحوثيين) إغلاق مضيق باب المندب وفرض حصار بحري على السعودية، وذلك ردا على ما وصفه بـ”الحصار السعودي” المفروض على الموانئ والمطارات شمال غربي اليمن.
ويأتي إغلاق مضيق باب المندب في أعقاب تصعيد متواصل وتهديدات متبادلة بين الحوثيين من جهة، والحكومة اليمنية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية من جهة أخرى.
ووصلت المواجهة ذروتها عقب قصف وزارة الدفاع اليمنية مدرج مطار صنعاء، مما اضطر إحدى رحلتي شركة ماهان الإيرانية القادمتين من طهران إلى تغيير وجهتها نحو مطار الحديدة.
وكانت الشركة قد سيّرت الرحلة الأولى في الثالث من يوليو/تموز الجاري إلى صنعاء، والثانية في 13 يوليو/تموز إلى الحديدة، بعد تعذر هبوطها في مطار صنعاء.
واتهم الحوثيون حينئذ السعودية بالوقوف وراء قصف المطار، معلنين في المقابل استهداف مطار أبها في المملكة بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ردا على ذلك.
ولم يتضح بعد ما إذا كان الحظر سيقتصر على السفن التي ترفع العلم السعودي أو تعود ملكيتها لشركات سعودية، أم يتسع ليطال كل سفينة تقصد موانئ المملكة أو تنقل نفطها.

انخراط إسرائيلي محتمل
على الجانب الإسرائيلي، أفادت تقديرات لموقع “والا” بأن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتوقع أن تُقدم إيران على مهاجمة إسرائيل بالصواريخ في أي لحظة، مشيرة إلى أن الجيش يراقب عن كثب ما يجري داخل إيران، خاصة بعد إطلاق 4 صواريخ على مدينة العقبة الأردنية.
من جانبه، أكد رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير متابعة التطورات في إيران والحفاظ على درجة عالية من الجاهزية، مؤكدا استعداد إسرائيل للعودة الفورية إلى القتال والعمل بقوة كبيرة ضد كل مَن يعتدي عليها.
أما وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، فتوعد الأحد الماضي بالرد بحزم على أي هجوم إيراني، وذلك بعد تصدي القوات الإسرائيلية والأردنية لصاروخ إيراني أُطلق باتجاه مدينة العقبة.
وأكد كاتس أنه “إذا غيّرت الولايات المتحدة سياستها، وهو أمر وارد، فنحن على أهبة الاستعداد للتحرك، سواء دفاعيا أو هجوميا” ضد إيران، مشددا على أن الرد الإسرائيلي سيكون مستقلا ودون أي شروط.
وذكرت مصادر إسرائيلية أيضا لموقع أكسيوس أن الجيش في حالة تأهب قصوى، ويستعد لاحتمال توسّع الحرب في المنطقة إلى حملة عسكرية واسعة النطاق خلال أيام.
انقسام في الرؤى بين الجانبين السياسي والعسكري بإيران
وفي خضم هذه التوترات الميدانية، يسارع الوسطاء الإقليميون لاحتواء دوامة الانتقام بين واشنطن وطهران، إذ كشف مصدران لموقع أكسيوس عن وجود جهود دبلوماسية لوقف إطلاق النار بينهما لفترة مؤقتة.
وقال المصدران إن كلا من قطر ومصر وباكستان ووسطاء إقليميين آخرين قدموا للولايات المتحدة وإيران مقترحا جديدا بوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام، لبحث أزمة مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام حركة الملاحة العالمية.
وينص الاقتراح على إعادة فتح ممري الملاحة في مضيق هرمز بشكل كامل، بحيث يصبح الممر الجنوبي عبر المياه العمانية خاليا من الهجمات الإيرانية، على أن يكون الممر الشمالي عبر المياه الإيرانية خاليا من الحصار البحري الأمريكي.
بدوره، أفاد مدير مكتب الجزيرة في إيران نور الدين الدغير بأن أجواء من التفاؤل والإيجابية تسود الشارع الإيراني بشأن مقترح التهدئة الجديد. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى وجود انقسام في الرؤية بين الجانبين العسكري والسياسي داخل أروقة النظام الإيراني، إذ تميل المؤسسة الأمنية إلى مواصلة المواجهة، في حين يدفع الجانب السياسي نحو الانخراط في المفاوضات.
ختاما، تنذر المؤشرات الستة مجتمعة باتساع رقعة المواجهة وربما خروجها عن السيطرة، خاصة بعد انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، التي كان يُنظر إليها باعتبارها الخطوة الأولى نحو إحلال السلام في المنطقة. فهل تحقق جهود الوساطة تفاهما جديدا لوقف الحرب كما فعلت سابقا؟ أم إن المنطقة على وشك الدخول في مرحلة اللاعودة؟
المصدر: الجزيرة