6 أسئلة عن لغز اتفاق واشنطن وطهران.. غموض البنود وإدارة هرمز

إذا كان الاتفاق قد دخل حيز التنفيذ، فلماذا لا يزال هناك قصف على الدول الخليجية ولبنان على وجه الخصوص؟ هذا ما يطرحه كل متابع لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، الذي جاء في “الأنفاس الأخيرة” قبل انقضاء المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطهران.

هذا الغموض لا يتوقف عند حدود استمرار القصف، بل ينسحب كذلك على طبيعة البنود المعلنة، حيث إن كل طرف يؤكد أنه خرج منتصرا من هذه الحرب، مقدما دلائل انتصاره على شكل بنود تم الاتفاق عليها لتكون مسودة للمفاوضات القادمة.

ولِفك هذه التعقيدات نطرح مجموعة من الأسئلة، التي تساعد على فهم الصورة الكاملة سواء للموقف الأمريكي أو الإيراني، وما تم تداوله بشأن مقترح الـ10 نقاط.

كيف أعلن ترمب عن الاتفاق وماذا قال؟

شابت تصريحات الرئيس الأمريكي شيئا من التناقض؛ إذ إن حديثه فور إعلان وقف إطلاق النار عن النصر المطلق ونجاح الجيش الأمريكي في تحقيق أهدافه، يختلف تماما عن لهجة تصريحاته الأخيرة حول السلام والجدوى الاقتصادية و”الأموال الكثيرة”.

ترمب أكد لوكالة الصحافة الفرنسية أن ما جرى هو انتصار كامل وشامل للولايات المتحدة، وأنه سيتم التعامل مع مسألة اليورانيوم الإيراني على أكمل وجه.

الأمر الذي عادت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت لتأكيده حين قالت إن عملية “الغضب الملحمي” حققت أهدافها ضمن السقف الزمني الذي حدده ترمب، وقالت إن نجاح الجيش الأمريكي منح الرئيس نفوذا هائلا في المفاوضات مع طهران.

بعد ساعات عاد الرئيس الأمريكي من جديد عبر منصته تروث سوشيال ليقول إن ما جرى هو يوم عظيم من أجل السلام العالمي، مشددا على أن إيران ترغب في تحقيق ذلك.

وكعادته في التركيز على “الاقتصاد والأموال”، أكد أن الولايات المتحدة ستقوم بتقديم المساعدة في ما يتعلق بحركة الملاحة المتراكمة في مضيق هرمز، وأن الساحة ستشهد الكثير من التحركات الإيجابية و”سيتم جني أموال طائلة”.

إعلان

بل إنه أطلق أحد أكثر تصريحاته تفاؤلا منذ بدء الحرب بقوله “قد يكون هذا هو العصر الذهبي للشرق الأوسط تماما كما نشهده في الولايات المتحدة”.

ورغم أن ما تم الاتفاق عليه حتى الآن هو وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فإن ترمب أشار بوضوح في منشوره إلى أن إيران تستطيع بدء عملية إعادة الإعمار، في إشارة واضحة أن “الحرب لن تعود من جديد”.

epa12872495 US President Donald Trump briefs the media on Iran from the James S Brady Press Briefing Room of the White House in Washington, DC, USA, 06 April 2026. EPA/YURI GRIPAS / POOL
العالم انشغل بمعرفة موعد تطبيق الاتفاق، فيما ركز ترمب بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي (الأوروبية)

كيف أعلنت إيران عن الاتفاق؟

طهران بدورها اعتبرت أن ما جرى انتصار تاريخي لها، وقالت إنها قبلت بهذا الوقف المؤقت للقتال بناء على نصيحة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ونظرا لما وصفته بتفوقها العسكري في الميدان.

وقال مجلس الأمن القومي الإيراني -في بيان- إن الشروط التي اقترحتها طهران “تتضمن وقف الحرب بشكل كامل ضد جميع عناصر محور المقاومة، ووضع بروتوكول للملاحة في مضيق هرمز بالتنسيق مع الجانب الإيراني، ورفع العقوبات وانسحاب القوات الأمريكية من كافة نقاط تمركزها في المنطقة”.

وقال البيان إن الطرفين اتفقا على بدء مفاوضات يوم الجمعة المقبل في باكستان التي طلب رئيس وزرائها شهباز شريف أمس الثلاثاء من ترمب تمديد مهلته التي منحها لإيران أسبوعين آخرين، وهو ما تم بالفعل.

كما خرجت وسائل الإعلام الإيرانية بخطابات نصر، مؤكدة أن الاتفاق جاء لصالح طهران كليا، وأنه يتيح لها امتيازات في مضيق هرمز، إلى جانب رفع العقوبات عنها، ودفع تعويضات عن الأضرار التي تعرضت لها بسبب الحرب.

People gather after a two-week ceasefire in the Iran war was announced, in Tehran, Iran, April 8, 2026. Majid Asgaripour/WANA (West Asia News Agency) via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.
التصريحات والمصادر الإيرانية تؤكد أن مسودة الاتفاق تخدم مصالح طهران بشكل كبير (رويترز)

متى يدخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ؟

ربما يكون هذا السؤال الأكثر تعقيدا وغموضا حتى الآن، فلم تتحدث الإعلانات الرسمية الصادرة من واشنطن وطهران بوضوح عن توقيت وقف إطلاق النار، بل تحدثت فقط عن اتفاق لوقف إطلاق النار، ليس “فوريا” بالمعنى الزمني، بل هو “معلق على شرط”.

فقد وافق ترمب على “تعليق قصف إيران ومهاجمتها لمدة أسبوعين”، لكنه ربط ذلك صراحة بـ”موافقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز”.

هذا الربط الزمني أكده مسؤول في البيت الأبيض لموقع أكسيوس، إذ حسم الجدل حول التوقيت قائلا “وقف إطلاق النار مع إيران يدخل حيز التنفيذ عندما تفتح مضيق هرمز”.

على الجانب الآخر، جاء الرد الإيراني مطابقا لنفس الآلية المشروطة، فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد موافقة إيران على توفير ممر آمن عبر المضيق لمدة أسبوعين “مع مراعاة القيود التقنية”، لكنه ربط ذلك بشرط معاكس، إذ أشار إلى أن توفير الممر الآمن يكون “إذا توقفت الهجمات”، في إشارة إلى أن القوات الإيرانية ستعلق عملياتها متى توقف استهدافها.

في مقابل الشروط المتبادلة بين واشنطن وطهران، خرج رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف برواية مختلفة تماما من حيث التوقيت والنطاق، فقد أعلن أن الولايات المتحدة وإيران والجهات المتحالفة معهما اتفقت على “وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى”.

بيانات ملاحية تكشف عبور 29 سفينة مضيق هرمز (مارين ترافيك)
معظم التصريحات حول موعد سريان الاتفاق ترتبط بشكل أساسي بفتح مضيق هرمز (مارين ترافيك)

ما مقترح البنود الـ10 وهل تم الاتفاق عليها؟

طبيعة الرد الإيراني وحالة الاحتفاء الكبير، طرحت العديد من التساؤلات حول المسودة أو المقترح الإيراني الذي كان أساسا لاتفاق وقف إطلاق النار لمدة الأسبوعين، والذي تضمن 10 بنود بحسب ما ذكرت الولايات المتحدة وإيران والوسيط الباكستاني.

إعلان

ورغم أن البنود -التي ستكون أساسا للتفاوض المقبل- لم تُنشر من أيّ طرف رسمي حتى الآن، فإن وسائل الإعلام الإيرانية المقربة من صُناع القرار، ذكرتها تفصيلا وجاء فيها:

  • تعهد الولايات المتحدة من حيث المبدأ بضمان عدم الاعتداء.
  • استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز.
  • القبول بالتخصيب.
  • رفع جميع العقوبات الأولية.
  • رفع جميع العقوبات الثانوية.
  • إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن.
  • إنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  • دفع تعويضات لإيران.
  • خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة.
  • وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد المقاومة الإسلامية البطلة في لبنان.

لكنّ هذه البنود -التي تعتبر مسودة التفاوض- بعيدة تماما عن فكرة “النصر المطلق” الذي تحدث عنه الرئيس ترمب، وهو الذي أكدت صحيفة نيويورك تايمز بتأكيدها أن المقترح ينص على الرفع الكامل لجميع العقوبات الدولية على إيران وعلى تقديم ضمان رسمي بعدم تعرض إيران لهجمات مستقبلية، علاوة على وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان.

لماذا تُقصف الدول العربية ولبنان بشكل خاص؟

بالرغم من أن الوسيط الباكستاني أكد في إعلانه عن وقف إطلاق النار أن لبنان مشمول بهذا الاتفاق، إلا أن الجيش الإسرائيلي لا يزال يقصف ويتوغل في جنوب لبنان، كما أن طهران مستمرة باستهداف دول المنطقة بالصواريخ والمسيرات.

وأعلنت 5 دول خليجية تعرضها لهجمات إيرانية منذ إعلان واشنطن وطهران وقف إطلاق النار، دون تبرير واضح أو تصريح رسمي من القيادة الإيرانية عن سبب استمرار القصف.

أما لبنان فهو أحد ألغاز هذا الاتفاق الذي تتضارب حوله التصريحات، ففي الوقت الذي أكدت معظم الأطراف المشارِكة في اتفاق وقف إطلاق النار أن لبنان مشمول بالاتفاق، إلا أن إسرائيل مصرة على عكس ذلك.

ونفى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الأربعاء، أن يكون وقف إطلاق النار المؤقت يشمل لبنان.

من جانبه، قال رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي ساعد في الوصول للاتفاق، في منشور على إكس إن الاتفاق يتضمن وقف الحملة الإسرائيلية في لبنان.

وسارعت إسرائيل عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار لإصدار أوامر إخلاء عاجلة جديدة لسكان جنوب نهر الزهراني، في جنوب لبنان، وذلك تمهيدا لشن هجمات على المنطقة.

أما جبهات القتال الأخرى، فقد أعلنت العراق ترحيبها بالاتفاق، فيما لم يصدر عن جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن أيّ بيانات حتى الآن.

Smoke and debris rise after a building is hit by an Israeli airstrike in the area of Abbasiyeh, on the outskirts of the southern Lebanese city of Tyre, on April 8, 2026.
إسرائيل تواصل قصفها للبنان رغم تأكيد الوسيط الباكستاني أن بيروت مشمولة بالاتفاق (الفرنسية)

هل ستُفرض رسوم على عبور مضيق هرمز؟

من أكثر الأمور الغامضة التي لم تتكشف حتى الآن الأمر المتعلق بفتح مضيق هرمز، والآلية الجديدة التي سيعمل بها، فمن ناحية يؤكد ترمب أن المضيق سيعمل بشكل كامل وأن الولايات المتحدة ستساعد في تسهيل عبور السفن والناقلات وسط الحديث عن “أموال طائلة” لم يحدد مصدرها بالضبط، وعلى الجهة الأخرى تتحدث بعض المصادر الإيرانية عن نظام تنسيق ورسوم جديدة سيتم تطبيقه.

ففي الوقت الذي أكدت فيه وكالة تسنيم أن إيران وعُمان تخططان لفرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز خلال الهدنة الممددة لأسبوعين، إلا أن المنامة نفت ذلك جملة وتفصيلا.

وجاء الرد على لسان وزير النقل العماني سعيد بن حمود المعولي، الذي أكد توقيع بلاده على كل الاتفاقيات الخاصة بالنقل البحري التي تقضي بعدم فرض رسوم على المرور بالمضيق.

ومنذ بداية حرب إيران، أعلنت طهران عن تقييد المرور عبر المضيق، مما عطّل نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، الأمر الذي أدى إلى أزمة اقتصادية وارتفاع كبير في أسعار النفط حول العالم.

إن مهلة الأسبوعين والمفاوضات المرتقبة في باكستان هي التي ستفك شفرات هذا الغموض، وتحدد ما إذا كان الشرق الأوسط يقف فعلا على أعتاب “عصر ذهبي” كما وصفه ترمب، أم أننا أمام مجرد “هدنة هشة” لالتقاط الأنفاس، قد تنهار عند أول اختبار عملي لها.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة