75 أسطوانة كيميائية مشبوهة انتهت بخطأ بورشة حدادة في سوريا

في أروقة مجلس الأمن الدولي، وخلال جلسة عُقدت يوم الثلاثاء الماضي، تحول تقرير دبلوماسي روتيني إلى كشف عن حادثة أمنية بالغة الخطورة تروى للمرة الأولى، وقعت في “ورشة حدادة”  بسوريا، كادت تتحول إلى بؤرة لكارثة صحية وبيئية غير محسوبة.

وعلى لسان مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، تكشفت تفاصيل القصة التي بدأت في موقع عسكري مهجور، وانتهت تحت مطارق الحدادين.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2بعد أيام من خلافة والده.. مجتبى خامنئي يدشن حسابه الجديد على “إكس”
  • list 2 of 2أصوات إسرائيلية: هذه ليست حربنا إنها حرب نتنياهو

end of list

اكتشاف مفاجئ

وبدأت فصول القصة حين عثرت وحدات من وزارة الدفاع السورية على 75 أسطوانة قديمة وفارغة، يُشتبه في أنها كانت تحوي مواد سامة تعود للبرنامج الكيميائي في حقبة النظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

في إطار ما وصفه “علبي” بالتزام سوريا النابع من “وفاء عميق للألم الذي ذاقه الشعب السوري”، تحركت اللجنة الوطنية السورية بشفافية تامة، أبلغت اللجنة الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية فورا، وطرحت فكرة نقل بعض هذه الأسطوانات إلى مقر المنظمة في لاهاي لتقديمها كـ “قصة نجاح” تجسد روح التعاون.

هنا أخذت القصة منعطفا خطيرا، طلبت الأمانة الفنية للمنظمة “التريث” في نقل الأسطوانات لأسباب تتعلق ببروتوكولات السلامة، لكن، وفي ظل خلل مفاجئ في التنسيق على الأرض، لم تصل هذه التعليمات في الوقت المناسب للعمال القائمين على تنظيف الموقع العسكري.

بالنسبة لعمال التنظيف، لم تكن تلك الأسطوانات سوى معادن قديمة تشغل حيزا في المكان، وفي تصرف عفوي يحمل في طياته خطرا مميتا، قام العمال بنقل الأسطوانات الـ 75 إلى “محل حدادة” محلي للتعامل معها.

تحت مطرقة الحداد

في ورشة الحدادة، وبلا أي معدات وقاية أو إدراك لطبيعة المواد التي قد تكون عالقة في جدران تلك الأسطوانات، بدأ العمال بتفكيكها وتدميرها بالكامل لتحويلها إلى “خردة” معدنية للبيع، عملية التفكيك العشوائية هذه وضعت كل من شارك فيها وجها لوجه أمام أخطار صحية جسيمة، وفتحت الباب أمام احتمالات تسرب بقايا سموم صامتة.

إعلان

بمجرد أن أدركت السلطات السورية ما حدث، أُعلنت حالة استنفار، وقد سارعت الجهات المعنية للتواصل مجددا مع الأمانة الفنية للمنظمة، وتوجهت فرق مختصة برفقة مفتشي المنظمة الدولية في سباق مع الزمن إلى ورشة الحدادة.

وجرى إحصاء الأسطوانات وتأكيد وجودها كاملة (75 أسطوانة)، ولكن بعد أن تحولت إلى قطع مدمرة، فُرض طوق من تدابير السلامة الصارمة على الفور لضمان عدم حدوث أي تلوث، ولإغلاق دائرة التحقيق بشفافية، زودت دمشق المنظمة بمعلومات جوهرية، شملت إجراء مقابلات دقيقة مع الحدادين والعمال الذين فككوا الأسطوانات، بالإضافة إلى رفع عينات من الموقع لفحصها.

تأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء على حجم التحدي الذي تواجهه سوريا في تصفية تركة الماضي، وقد أشار المندوب السوري إلى أن بلاده فتحت أبوابها لأكثر من 25 موقعا مشتبها به، ووفرت أكثر من 10 آلاف وثيقة أصلية، ورتبت مقابلات مع 19 شاهدا.

DAMASCUS, SYRIA - AUGUST 13: An aerial view shows the residential area after twelve years on from the Eastern Ghouta chemical massacre, in which the ousted Assad regime killed more than 1,400 civilians with toxic gas, survivors continue to live with the fear and anguish of that day, in Damascus, Syria on August 13, 2025. The August 21, 2013 attack, one of the deadliest of its kind, left thousands dead, most of them women and children. (Photo by Bakr Al Kasem/Anadolu via Getty Images)
صورة جوية لغوطة دمشق بعد 12 عاما من مجزرة الكيماوي التي حفرت مأساة 1400 ضحية في ذاكرة الناجين. (الأناضول)

لكن حادثة ورشة الحدادة، بحسب علبي، تُرسل رسالة تحذير واضحة للمجتمع الدولي بأن النية الحسنة والشفافية لا تكفيان وحدهما للتعامل مع هذا الملف المعقد، فمن دون دعم دولي حقيقي وبناء للقدرات الوطنية للتعامل الآمن مع المواد المكتشفة، سيبقى التغلب على هذه التحديات قاصرا، وقد تتحول أي “خردة” منسية إلى كارثة وشيكة.

 

المصدر: الجزيرة