- القوة الدافعة.. الشرارة التي تبقيك في الطريق
في عام 1980، خرج شاب كندي يدعى تيري فوكس في رحلة غير عادية. كان يبلغ من العمر 22 عاما فقط، وقد بترت ساقه اليمنى بسبب السرطان. بدلا من أن يستسلم، قرر أن يركض عبر كندا كلها، أكثر من خمسة آلاف كيلومتر، لجمع التبرعات لأبحاث السرطان.
لم يكمل تيري رحلته، فقد عاد المرض إلى جسده، لكنه قبل أن يرحل ألهم ملايين البشر حول العالم، وأصبح رمزا للإصرار والعزيمة، والقوة الدافعة التي لا تنطفئ.
كان ريتشارد جون، مؤلف كتاب “8 صفات لتكون عظيما”، قد التقى مئات الناجحين من مختلف الميادين، وكان تيري فوكس من أبرز النماذج التي استشهد بها عندما تحدث عن الصفة الرابعة: القوة الدافعة (Push). تلك الطاقة الداخلية التي تدفع الإنسان إلى المضي قدما رغم التعب والظروف والخيبات، بل أحيانا رغم الألم.
حبك لما تعمل هو القاطرة التي تسحبك، لكن القوة الدافعة هي المحرك الذي يمنع هذه القاطرة من التوقف
القوة الدافعة، أو الدافع الداخلي، ليست حماسا عابرا، بل هي إصرار مستمر يدفعك عندما تخور قواك، ويذكرك بسبب البداية حين تفقد الاتجاه. هي التي تجعلك تستيقظ بعد الفشل، وتبدأ من جديد عندما يتوقف الآخرون. إنها الصوت الداخلي الذي يقول: “يمكنك أن تفعلها، فقط خطوة أخرى”.
العظماء الذين درسهم ريتشارد جون لم ينجحوا لأن الطريق كان سهلا، بل لأنهم امتلكوا شيئا في داخلهم يدفعهم لتجاوز الحواجز. البعض يسميه الدافع الذاتي، والبعض يسميه العزيمة، لكن جوهره واحد: قوة تدفعك حين لا يدفعك أحد.
جاكلين نوفوغراتز، مؤسسة “أكومن فاند”، والتي عملت لسنوات طويلة في أفريقيا وسط صعوبات مادية ونفسية قاسية، تقول: “كنت أبكي كل ليلة تقريبا، لكن في الصباح أستيقظ وأبدأ من جديد”. هذه هي القوة الدافعة التي جعلت مشروعها الإنساني يغير حياة الآلاف.
مارثا ستيوارت، رائدة الأعمال والإعلام، واجهت إخفاقات وخسائر جسيمة، لكنها كانت تكرر عبارتها الشهيرة: “لا أحد يدفعني مثل نفسي”.
هذه النماذج، كما وصفها ريتشارد جون، تشترك في خيط واحد: كل واحد منهم وجد في داخله ما يدفعه ويحفزه أكثر مما يحفزه من الخارج.
تنشأ القوة الدافعة من الألم أحيانا، فالألم يمكن أن يتحول إلى وقود. تيري فوكس فقد ساقه، لكنه اكتشف في خسارته سببا للحياة. وكثير من العظماء انطلقوا من جرح، ومن حلم كبير. الحلم لا يكفي وحده، لكنه يولد طاقة داخلية تجعلك تتحمل المشقة من أجله، فمن يملك هدفا يستحق، يجد في نفسه ما يدفعه.
حبك لما تعمل هو القاطرة التي تسحبك، لكن القوة الدافعة هي المحرك الذي يمنع هذه القاطرة من التوقف.
كافئ نفسك على التقدم لا على الكمال، فالقوة الدافعة لا تحتاج إلى المثالية، بل إلى الاستمرار
كيف ننمي القوة الدافعة في حياتنا؟
- تذكر سبب البداية دائما. عندما تتعب أو تشعر بالملل، ارجع إلى سؤال: لماذا بدأت؟ فالإجابة تعيد شحنك من جديد.
- قسم أهدافك الكبيرة إلى مراحل، فالإنجاز الجزئي يولد دفعة جديدة للاستمرار.
- أحط نفسك بمن يدفعك إلى الأمام لا بمن يثبطك، فالبيئة المشجعة تغذي القوة الدافعة فيك.
- تعلم من كل سقوط، ففي كل مرة تنهض فيها تصبح أقوى، والنهضات المتكررة تصنع زخما داخليا لا يقهر.
- كافئ نفسك على التقدم لا على الكمال، فالقوة الدافعة لا تحتاج إلى المثالية، بل إلى الاستمرار.
القوة الدافعة ليست في العضلات ولا في الجسد، بل في النية الصادقة، والإصرار العميق، والقدرة على أن تقول لنفسك كل صباح: لن أتوقف الآن
بعض الناس يعتمد على المديح أو المكافآت ليستمر، وهؤلاء غالبا ما يتوقفون عند أول غياب للتقدير. لكن من يملك دافعا داخليا لا ينتظر تصفيق أحد، يدفعه إيمانه بنفسه، وبفكرته، وبقيمة ما يفعل. يقول ريتشارد جون: “العظماء يملكون في داخلهم مدربا صغيرا لا يتوقف عن تشجيعهم”.
إذا كان الشغف هو الحب لما تعمل، والعمل هو الجهد المبذول لتحقيقه، والتركيز هو عدم التشتت عن الهدف، فإن القوة الدافعة هي التي تبقيك ثابتا عندما يضعف الحب، ويتعب الجهد، ويضطرب التركيز. هي الوقود الذي يعيد تشغيل المحرك في منتصف الطريق، وبدونها يتوقف كل شيء.
لا أحد يولد ومعه القوة الدافعة، لكنها تبنى مع كل تحد يواجهك. تذكر أن العظماء لم يكونوا خارقين، بل أشخاصا عاديين امتلكوا قوة استثنائية في الاستمرار. في المرة القادمة التي تشعر فيها أنك وصلت إلى حدودك القصوى، تذكر تيري فوكس وهو يركض بساق واحدة. كان يمكنه أن يتوقف في أول كيلومتر، لكنه واصل الركض حتى أصبح رمزا للعظمة.
القوة الدافعة ليست في العضلات ولا في الجسد، بل في النية الصادقة، والإصرار العميق، والقدرة على أن تقول لنفسك كل صباح: لن أتوقف الآن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة