محمد وفرح وجواد، ثلاثة أطفال من مسافر يطا جنوب الخليل، يستعدون للعودة إلى مدرسة شعب البطم الأساسية المختلطة مع بدء العام الدراسي، لكن مدرستهم التي اعتادوا قصد صفوفها كل صباح لم تعد كما كانت.
ففي 4 أغسطس/آب الجاري، هدمت قوات الاحتلال غرفتين من المدرسة، فيما لا يزال الجزء المتبقي مهددا بالهدم، لتظل عودة الأطفال إلى مقاعد الدراسة معلقة بين أنقاض المبنى والخوف من فقدانه بالكامل.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
كانت بداية العام الدراسي تعني لهؤلاء الأطفال العودة إلى التعلم واللقاء بزملائهم، لكن ما جرى للمدرسة بدل هذا الحماس بشعور ثقيل بالقلق. تقول فرح جبارين للجزيرة نت إن المدرسة كانت المكان الوحيد الذي تتلقى فيه تعليمها قبل هدم جزء منها، بينما يخشى محمد جبارين أن يعود الجيش لهدم ما تبقى، ويتحدث جواد جبارين عن حزنه على مدرسته ورغبته في أن “تعود كما كانت” ليتمكن من مواصلة التعلم فيها.

ولا يواجه الأطفال خطر فقدان المدرسة وحده، فالطريق إليها لا يخلو من مخاطر أخرى، إذ يقول طلبة وأهالٍ إن مستوطنين يعترضون طريق الأطفال خلال ذهابهم إلى المدرسة وعودتهم منها، فيما تتعرض المدرسة نفسها لاعتداءات ومضايقات متكررة.
هذا الواقع لا يقتصر على شعب البطم أو مسافر يطا وحدها، بل ينسحب على عشرات التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث تتحول بداية العام الدراسي إلى موعد متجدد مع الخطر.
خطر يومي على أبواب المدارس
يختصر رئيس المجلس القروي لمسافر يطا نضال يونس واقع التعليم في المنطقة بأنه “اختبار يتجدد مع كل عام دراسي، وسط تصعيد غير مسبوق من سلطات الاحتلال”.
يقول للجزيرة نت إن هذا العام “يأتي في ظل تشديد سياسة الاحتلال في هدم المدارس، وعنف المستوطنين المستشري الذي يطال كل شيء في هذه القرى؛ التلاميذ الذاهبين إلى مدارسهم، والتلاميذ أثناء وجودهم في الصف، وحتى داخل البيت”، فضلا عن هدم أجزاء من المباني كما حدث في مدرسة شعب البطم.

ويشير إلى أن سبع مدارس في مسافر يطا “جميعها مهددة” بالهدم، متسائلا: “لا نعلم هل ينتهي هذا العام أو يبدأ العام القادم وهناك مدارس قبل أن تطالها يد الاحتلال بالهدم؟”.
ويؤكد تمسك أهالي مسافر يطا بالبقاء “رغم الألم والهمجية”، مطالبا بتوفير حماية للطلبة في طريقهم إلى المدارس ووسائل نقل آمنة تُخفف من المخاطر اليومية.
عودة إلى المدرسة.. عودة إلى القلق
يرى الناشط والمعلم طارق هذالين أن بدء العام الدراسي في المناطق المهددة بالهدم لا يحمل شعور العودة المعتاد، بل يعيد إلى الواجهة حالة من الخوف المستمر يعيشها الطلبة والأهالي والمعلمون منذ سنوات.
ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن بعض المدارس تحمل إخطارات هدم منذ ثلاث أو أربع سنوات، وأخرى منذ خمس أو عشر سنوات، فيما تحولت مدارس “التحدي” التي أنشأتها وزارة التربية والتعليم لخدمة المناطق النائية والمهمشة إلى أهداف مباشرة لسياسة الهدم، رغم محدودية أعداد طلبتها وحاجة التجمعات إليها.

ويشرح أن وجود إخطار لا يعني معرفة موعد التنفيذ، “لا تُبلغ سلطات الاحتلال عادة السكان أو إدارات المدارس مسبقا بموعد وصول الجرافات”، وهو ما يبقي الأهالي والطلبة في حالة ترقب دائم على منازلهم ومدارسهم وكل ما يحيط بهم.
ويضيف أن الخطر لا يقتصر على قرارات الهدم، في ظل توسع البؤر الاستيطانية واعتداءات المستوطنين. ويستشهد بخربة أم الخير، حيث أغلق مستوطنون الطريق الوحيد الذي كان يسلكه الطلبة سيرا على الأقدام للوصول إلى المدرسة، بعد وضع سياج شائك وأعلام في المكان بدعوى ملكية الأرض، ورغم محاولات الأهالي والنشطاء إعادة فتح الطريق وتنظيم اعتصامات، اضطر السكان في النهاية إلى البحث عن مسارات بديلة لإيصال أبنائهم إلى المدارس.
ويشير هذالين كذلك إلى اقتحام مستوطنين مدرسة رأس العوجا خلال العام الدراسي الماضي والاعتداء على طاقمها التدريسي وطلاب ونشطاء وإصابة عدد منهم، معتبرا أن هذه الحوادث “تؤكد أن المدرسة نفسها لم تعد بمنأى عن الاعتداء”.
ويخلص إلى أن هذه الظروف تضغط على الأهالي في معظم تفاصيل حياتهم، “لا يستهدف التضييق جانبا واحدا، بل يطال التعليم والسكن وحرية الحركة ومصادر المعيشة”، ويدفع السكان تدريجيا نحو التفكير في الرحيل.

مدارس التحدي.. صفوف على خط التهجير
يصف هذالين مدارس “التحدي” بأنها “أكثر من مجرد مبانٍ تعليمية”، إذ أتاحت لأطفال القرى النائية الوصول إلى التعليم دون اضطرارهم لقطع مسافات تصل إلى 20 أو 30 كيلومترا إلى مدارس مكتملة المرافق في البلدات أو المدن، وهي مسافات مكلفة وصعبة على كثير من الأسر.
ويشير إلى أن إنشاء هذه المدارس جاء أساسا لتقليل المسافات وحماية الطلبة من المخاطر في الطرقات المحيطة بالتجمعات، لكن هذه المدارس أصبحت نفسها مهددة اليوم، فقد هُدمت مدارس مثل إصفي الفوقا وأم قصة، فيما تواجه مدارس أخرى بينها خلة الضبع وبنات زيف والرفاعية وبيسان وصفد الأساسية أوضاعا قانونية وأمنية تهدد استمرارها.

أرقام تكشف اتساع الخطر
من زاوية أوسع، تكشف بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان حجم الملف وأبعاده القانونية والإنسانية. ويوضح أمير داود للجزيرة نت أن 84 مدرسة فلسطينية تخضع حاليا لأوامر هدم أو وقف عمل إسرائيلية، بينها 54 مدرسة مهددة بالهدم الكامل، و30 مدرسة تستهدف الأوامر أجزاء من مبانيها أو مرافقها.
وتضم هذه القائمة 74 مدرسة في المنطقة المصنفة “ج”، و10 مدارس داخل الحدود البلدية التي تفرضها سلطات الاحتلال على القدس الشرقية.
وتنتشر هذه المدارس من جنوب الخليل ومسافر يطا مرورا ببيت لحم والقدس الشرقية والتجمعات البدوية شرق القدس، وصولا إلى الأغوار ومحافظات رام الله ونابلس وقلقيلية، إلا أن “مستوى الخطر القانوني المباشر يتركز حاليا بصورة واضحة في جنوب الخليل ومسافر يطا، إضافة إلى مدرسة الولجة في بيت لحم”، وفق داود.

حين يصبح الحق في التعليم أداة للضغط
يكشف داود أن نحو 13 ألف طالب وطالبة يدرسون في هذه المدارس، ويعمل فيها أكثر من ألف معلم وموظف، مؤكدا أنها “ليست مدارس يمكن إغلاقها ونقل طلبتها بسهولة”، بل تمثل المرفق التعليمي الوحيد في تجمعات بدوية ورعوية وقرى صغيرة ومعزولة.
ويشير إلى أن أثر الإخطارات “يبدأ قبل وصول الجرافة”، إذ يخلق التهديد المستمر خوفا وقلقا، ويرفع نسب الغياب والتسرب، ويعطل الصيانة والتوسعة خشية الهدم، ويؤدي إلى تكدس الطلبة في غرف ضيقة أو منشآت مؤقتة، ويصعّب استقدام المعلمين والمحافظة على انتظام وصولهم، ويدفع بعض الأسر لنقل أبنائها إلى مدارس أبعد أو التفكير في الرحيل من التجمع.
ويقول إن التهجير طال فعلا طلبة ومدارس، فمنذ عام 2023 أدى تهجير تجمعات بدوية ورعوية إلى هجر عشر مدارس كانت تخدم أكثر من 460 طالبا، تعرضت سبع منها للتخريب وهُدمت ثلاث، بينها مدرستان هدمهما المستوطنون، كما نُقل 16 طالبا من تجمع يانون الفوقا إلى مدرسة في عقربا بعد تهجير عائلاتهم، قبل أن يُهدم مبنى المدرسة المهجورة.
ويرى داود أن هذه المعطيات تكشف “نمطا ممنهجا يتجاوز الحالات الفردية”، يبدأ بقيود التخطيط والبناء وأوامر وقف العمل والهدم، ويترافق مع تقييد الطرق واعتداءات المستوطنين، وصولا إلى تعطيل المدارس ودفع الأسر للبحث عن أماكن أخرى للتعليم والسكن.
ويختم بالقول إن سلطات الاحتلال “لا تهدد مباني مدرسية فحسب، إنها تستهدف قدرة التجمعات الفلسطينية على البقاء”، فعندما تُهدم المدرسة الوحيدة أو يصبح الوصول إليها شبه مستحيل، يتحول الحق في التعليم من ضمان أساسي إلى أداة ضغط إضافية تدفع الأسر نحو الرحيل.
المصدر: الجزيرة