9 أمتار تحت ركام غزة.. محمود يجمع “بقايا” أسرته من أجل وداع أخير

نشرت وكالة أسوشيتد برس تقريرا إنسانيا يسلط الضوء على وجع الفقد في قطاع غزة، متجسدا في قصة الفلسطيني محمود حماد الذي لا يزال، بعد أكثر من عامين على تدمير منزله في غارة جوية إسرائيلية، ينبش الركام بيديه بحثا عن بقايا زوجته وأطفاله.

لم يجد حماد سبيلا لتهدئة لوعته سوى العودة إلى أطلال بيته الذي كان مكونا من 6 طوابق في حي الصبرة بمدينة غزة، حيث شرع في رحلة تنقيب يدوية مضنية مستخدما أدوات بسيطة كالمعاول والغربال.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2العملية “سيرينغيتي 2.0”.. أفريقيا تضرب شبكات الجريمة الإلكترونية
  • list 2 of 2“بوسمانتسي” سجن اللاجئين المنسي على حدود الاتحاد الأوروبي

end of list

يجلس منحنيا فوق ما كان يوما شقته، يملأ غربالا بالتراب ويهزه بعناية، آملاً أن يعثر على عظام صغيرة تمنحه يقينا مؤلما بأن يتمكن أخيرا من دفن عائلته بكرامة.

في الأيام الأخيرة، عثر حمّاد البالغ من العمر 39 عاما، على شظايا عظام دقيقة يعتقد أنها تعود للطفلة التي لم تولد بعد، والتي كانت زوجته حاملا بها عندما استهدفت الغارة الإسرائيلية المبنى الذي تقطنه العائلة، فقتلت زوجته وأطفالهما الخمسة.

وكان حمّاد قال، في مقابلة مع الجزيرة مباشر، الشهر الماضي، إنه كان يستخدم الغربال في بداية الحرب لتنقية الطحين من التراب لإطعام الأطفال، “أما اليوم فأستخدمه لجمع رفات زوجتي وأطفالي”.

وأشار إلى أنه ينزل إلى أعماق تصل إلى 9 أمتار تحت الأرض، مستعينا بالفأس والمطرقة، وبمساعدة محدودة من جيران وأقارب، قبل أن يبدأ في غربلة الرمل والتراب بحثا عن عظام زوجته وأبنائه.

بعد تناول الفطور

بدأت القصة -كما ترويها وكالة أسوشيتد برس- قبيل منتصف نهار 6 ديسمبر/كانون الأول 2023، وكان محمود حمّاد قد خرج للتو من الشقة متوجها إلى الطابق العلوي، بينما كانت زوجته نعمة حمّاد، الحامل في شهرها التاسع، وأطفالهما الخمسة، الذين تراوحت أعمارهم بين 8 و16 عاما، ينهون تناول الإفطار.

كان الجيش الإسرائيلي قد ألقى منشورات تحذيرية تطالب السكان بالمغادرة نحو جنوب القطاع، لكن حمّاد رفض الرحيل.

إعلان

وبينما انتقلت زوجته مؤقتا مع الأطفال إلى منزل أهلها، عادت قبل يوم واحد من القصف. قال إن زوجته أخبرته: “إما أن نعيش معا أو نستشهد معا”. وأضاف: “هم استشهدوا، وبقيت أنا على قيد الحياة”. كما استشهد شقيقه وزوجة شقيقه وأبناؤهما الأربعة جميعا.

جروح وكسور بالغة

أصيب حمّاد بجروح بالغة، شملت كسورا في الصدر والحوض والركبة، ونزيفا داخليا في الصدر، ونُقل إلى عيادة قريبة.

بعد الغارة، تمكن الجيران من انتشال جثمان ابنه الأكبر إسماعيل، واثنين من أبناء شقيقه. أما البقية، فبقوا تحت الأنقاض.

وبعد تعافيه، عاد حمّاد ليعيش قرب أنقاض منزله. قال “بقيت مع زوجتي وأطفالي في الركام. كل يوم كنت أتحدث إليهم. كانت رائحتهم لا تزال عالقة، وشعرت بارتباط عميق بهم”.

وبدأ الحفر بنفسه بحثا عن جثامينهم بعد أن عجز الدفاع المدني عن الوصول بسبب القصف ونقص المعدات. وعلى مدار أشهر، عكف على تكسير السقوف والجدران المنهارة إلى حجارة صغيرة، ووضعها في أكياس.

بعضها أكلته الحيوانات

في مارس/آذار 2024، عثر على بقايا يعتقد أنها تعود لعائلته. وقال: “كانت عظاما بسيطة مغطاة ببقايا لحم… وبعضها كانت الحيوانات قد أكلته”.

وفي أواخر عام 2024، كان قد حفر حتى وصل إلى شقة شقيقه، التي كانت في الطابق الثالث، حيث عثر على جثماني شقيقه وزوجته. وتمكّن لاحقا من دفنهما في مقبرة مؤقتة أنشأها سكان المنطقة خلال الحرب لدفن موتاهم إلى حين نقلهم إلى مقابر رسمية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استأنف حمّاد الحفر فوصل إلى عمق 9 أمتار. وأخيرا، بلغ شقته هو، التي كانت في الطابق الأرضي. وهو يركز الآن على إزالة الركام من الجهة الشرقية، لأنه يعرف أن زوجته كانت هناك في لحظاتها الأخيرة.

صحة غزة:
حالة حماد ليست فردية، بل هي جزء من كارثة كبرى يرزح تحتها نحو 8 آلاف مفقود لا يزالون تحت الأنقاض

ليست حالة فردية

وأشارت أسوشيتد برس، نقلا عن بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة، إلى أن حالة حماد ليست فردية، بل هي جزء من كارثة كبرى يرزح تحتها نحو 8 آلاف مفقود لا يزالون تحت الأنقاض.

ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، انتُشلت أكثر من 700 جثة ليصل عدد شهداء حرب الإبادة إلى أكثر من 72 ألفا.

ووفقا لوحدة تحليل صور الأقمار الاصطناعية التابعة للأمم المتحدة، دمر القصف الإسرائيلي أو ألحق أضرارا بـ81% من مباني القطاع البالغ عددها 250 ألف مبنى، بما في ذلك المدارس والمستشفيات والمنازل الخاصة.

وقد جعل ذلك من غزة واحدة من أكثر الأماكن دمارا على وجه الأرض، حيث تراكم فيها نحو 61 مليون طن من الركام، أي ما يعادل 15 هرما من أهرامات الجيزة الكبرى في مصر، أو 25 برج إيفل في باريس من حيث الحجم، بحسب الأمم المتحدة.

ولا تزال أعمال الإنقاذ مستحيلة في أكثر من 50% من مساحة قطاع غزة الواقعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. وهناك، يقوم الجيش بشكل منهجي بتفجير المباني وتجريفها، مما يقلّص أكثر فأكثر فرص العثور على أي جثامين مفقودة داخلها، طبقا لتقرير وكالة الأنباء الأمريكية.

 

المصدر: الجزيرة