تيتانيك: هل يختفي حطام السفينة الشهيرة الغارقة خلال سنوات بسبب الصدأ والتحلل في قاع المحيط؟

تظهر علامات واضحة على تحلل حطام السفينة تيتانيك في قاع المحيط في المكان الذي غرقت فيه بعمق أميال من السطح، فما هو مصيرها النهائي؟

قضت السفينة تيتانيك ما يزيد على 112 عاما في ظلام دامس في أعماق المحيط، فعندما غرقت في ليلة باردة حالكة في شهر أبريل/نيسان عام 1912، تحطمت السفينة التي كان يبلغ طولها 269 مترا، مما أدى إلى غرق حطامها في عمق يصل إلى 12500 قدم (3.8 كيلومتر) تقريبا إلى قاع المحيط الأطلنطي، وكان على متن السفينة ما يزيد على 1500 راكب وطاقم السفينة.

وبصرف النظر عن الزيارات الاستكشافية عن طريق إرسال مجموعة من الغواصات إلى قاع المحيط ومهام انتشال القطع الأثرية الصغيرة إلى السطح، ظل الحطام دون مساس حتى بدأ يتعرض لعوامل تحلل بطيئة.

وكشفت صور من رحلة استكشافية حديثة إلى حطام تيتانيك من موقع يبعد نحو 640 كيلومترا جنوب شرق ساحل نيوفاوندلاند شرقي كندا آثار التدهور الذي لحق بالسفينة.

واستطاع العلماء العثورعلى معظم حطام تيتانيك مجمّعا حول مؤخرة السفينة، التي ظهر عليها تشابك ملتوي من الفولاذ، بينما ظلت المقدمة سليمة إلى حد كبير. وذلك لأنه عندما اصطدمت السفينة بالجبل الجليدي، هشم الاصطدام جزءا كان مثبتا بمسامير في بدن السفينة، مما سمح بتدفق نحو 43 ألف طن من الماء إلى داخل مقدمة السفينة.

وعندما انشطر جزء المؤخرة، كان لا يزال يحتوي على حجرات مليئة بالهواء، ومع دورانها في اتجاه قاع المحيط، تسبب ضغط الماء المتزايد بسرعة في انهيار الهيكل المحيط بهذه الحجرات الهوائية، مما أدى إلى تناثر المعادن والتماثيل وزجاجات الشمبانيا ومتعلقات الركاب أثناء الغرق.

وتتحمل تيتانيك في قاع المحيط ضغطا يصل إلى نحو 40 ميغا باسكال، وهو ضغط أكبر من تلك الموجود على السطح بنحو 390 مرة، ولكن نظرا لعدم وجود حجرات هوائية متبقية في السفينة، فمن غير المرجح حدوث المزيد من الانهيارات الكارثية.

وعلاوة على ذلك يلعب وزن السفينة الضخمة نفسها دورا في تحللها، فمع استقرار 52 ألف طن من الفولاذ في قاع المحيط، يتسبب ذلك في خلق قوة التواء عبر الهيكل الفولاذي الذي يسحب السفينة بعيدا، كما رصد العلماء عن طريق ارسال الغواصات الاستكشافية المتعاقبة وجود شقوق وتصدعات كبيرة تظهر في الصفائح الفولاذية لبدن السفينة، كما بدأت مناطق السطح تنهار إلى الداخل.

ويقول غيرهارد سيفرت، عالم الآثار البحرية في المياه العميقة، الذي أشرف في عام 2022 على رحلة استكشافية تهدف إلى التقاط صور عالية الدقة لحطام تيتانيك بالتعاون مع شركة “ماغلان” لرسم الخرائط في أعماق البحار: “ستتغير الصورة المميزة لحطام السفينة تدريجيا عاما بعد عام، وهذا ليس لصالحها”.

ويضيف: “قد يكون سقوط جزء السور، الذي كان لا يزال في موضعه في عام 2022 عندما تابعت الحطام مع (ماغلان)، أو انهيار السقف في حمام القبطان قبل سنوات، أمثلة على ذلك”.

“التهام البكتيريا”

يعلو الصدأ هيكل تيتانيك، مثل أي هيكل مصنوع من الحديد، ولكن على عمق 3.8 كيلومترات من سطح البحر، تختلف مجريات الأمور مقارنة بما يحدث لمثيلها على البر حيث يؤدي الأكسجين والماء إلى تفاعل كيميائي لإنتاج أكسيد الحديد.

وعلى متن السفينة تيتانيك، كان سبب التآكل هو وجود البكتيريا، فالحطام مغطى بغشاء حيوي مؤلف من البكتيريا والفطريات البحرية وغيرها من الميكروبات، ويتغذى كل ذلك على الحطام نفسه.

في البداية كانت المواد العضوية مثل المفروشات والوسائد والمناشف والأثاث مصدرا غنيا من العناصر الغذائية للميكروبات التي تعيش في أعماق المحيط، مما أدى إلى استقرار الوضع، وبمرور الوقت، سيطرت أيضا ميكروبات أخرى أكثر تطرفا على الحطام، ربما من القاع نفسه عندما اصطدم الحطام به، أو من فوهات حرارية مائية بعيدة على سلسلة جبال تقع وسط المحيط.

ولاحظ مستكشفو الحطام أنه أصبح مغطى بـ”الصدأ”، على شكل تكوينات تشبه الجليد تتدلى من الهيكل المكون من معدن مؤكسد، وتعيش داخل هذه التكوينات مجموعة من الكائنات الحية الدقيقة المتعاونة والمتنافسة، وعندما انتشل العلماء أحد هذه التكوينات في عام 1991 أثناء رحلة الأكاديمية مستيسلاف كيلديش إلى الحطام، تمكنوا من إعادته إلى السطح في حاوية مغلقة.

واكتشف العلماء، من بين الميكروبات، نوع من البكتيريا كان جديدا تماما على العلم وهي بكتريا أُطلق عليها فيما بعد اسم “هالوموناس تيتانيكا Halomonas titanicae”، وهي بكتريا تحمل جينات تسمح لها بتكسير الحديد.

ويعتقد العلماء أن مؤخرة السفينة تراكمت عليها مستويات أكبر من الضرر بعد غرقها، مما تسبب في تدهورها أسرع بمقدار أربعين عاما مقارنة بحالة مقدمة السفينة.

ويشرح أنتوني الخوري، عالم الأحياء الدقيقة في كلية ولاية فلوريدا الشرقية، الذي عمل مع المخرج السينمائي الكندي ومستكشف أعماق المحيطات جيمس كاميرون، كيف تسهم الميكروبات في تحلل تيتانيك: “هذا هو السبب وراء تحلل السفينة تيتانيك بشكل أكبر من الجزء الخلفي، عندما انشطرت السفينة، وسبب زحف التحلل نحو الأمام، نحو الجزء الأمامي، الأكثر سلامة نسبيا” .

ومن بين الأشياء الغريبة التي اكتشفها كاميرون داخل الحمامات التركية في تيتانيك، خلال رحلته الاستكشافية إلى حطام السفينة عام 2005، تشكل خيوط صدأ معقدة ولكنها دقيقة أطلق عليها المخرج اسم “زهور الصدأ”.

وباستخدام غواصة يجري التحكم بها عن بعد، اكتشف أن خشب الساج والماهوجني في الحمامات محفوظ بشكل فريد، لأن الحمامات كانت عميقة داخل السفينة وبالتالي كانت خالية من الأكسجين، لذا منعت هذه البيئة الخالية من الأكسجين البكتيريا والميكروبات الأخرى، التي قد تتسبب في فساد الخشب، من العيش هناك.

وعلى الرغم من ذلك كانت الحمامات مغطاة بنمو غريب ومتفرع من الصدأ يرتفع حتى متر ونصف من الأرضية، ومن الغريب أن “زهور الصدأ” هذه بدت وكأنها تشير إلى نفس الاتجاه. ورصد الخوري وكاميرون وزملاؤهما أدلة تشير إلى أنها (زهور الصدأ) تشكلت من مستعمرات بكتيريا منتجة للصدأ والبكتيريا “المغناطيسية” التي تعيش على الحطام.

وتحتوي هذه الميكروبات غير العادية على بلورات نانوية من الحديد تسمح لها بالتكيف مع المجالات المغناطيسية، ويقول الخوري إنه في الوقت الذي تلتهم فيه هذه المستعمرات من البكتيريا حديد تيتانيك، فإنها تترك وراءها آثارا من الصدأ “تزدهر” عموديا على طول خطوط المجال المغناطيسي للأرض.

“وجبة حديد هائلة”

هيأت الكمية الهائلة من المعدن الغني بالحديد، الذي قدمته تيتانيك في قاع المحيط، نظاما بيئيا استثنائيا حولها، فمع تآكلها، تذوب جزيئات الحديد في المياه المحيطة، مما يجعلها ثرية بمغذيات نادرة وحيوية في أعماق المحيط.

ويقول الخوري: “على الرغم من أن الحديد يعد العنصر الأكثر شيوعا على الأرض بشكل عام، فإن الحديد المذاب يعد أندر المغذيات في قاع المحيط، مما يحد من نجاح أي نظام بيئي بحري”.

وغالبا تكون الفوهات الحرارية البركانية في قاع المياه مصدرا رئيسيا للحديد في أعماق المحيط، كما يمكن أن تساعد في دعم مجموعة واسعة من بيئة الحياة، حيث تلعب البكتيريا دورا مهما في جعل الحديد متاحا للكائنات الحية الأخرى القريبة.

ويضيف الخوري: “يعمل حطام تيتانيك بشكل أساسي كواحة كبرى من الحديد في قاع البحر، وهي عبارة عن كتلة من الحديد تزن 46 ألف طن على شكل سفينة فاخرة سابقا، وتوفر هذه الواحة عنصرا غذائيا مرغوبا فيه، مما يسهل وجود شعاب مرجانية نشطة في أعماق المحيط، ويسكنها نجم البحر وشقائق النعمان والإسفنج الزجاجي والشعاب المرجانية القاعية وخيار البحر، وبالطبع مستعمرات بكتيرية من الحديد”.

وخلص الخوري وزملاؤه إلى أن هذه البكتيريا المرتبطة بالحديد لا تأكل الحديد على تيتانيك فحسب، بل “قادرة أيضا على تنفسه” بدلا من الأكسجين.

ويقول: “إنه نظام بيئي رائع بعيدا عن الشمس، له آثاره على نوع الكائنات الحية المتطرفة التي قد نكتشفها داخل أوروبا والمحيطات الكونية الأخرى خارج الأرض يوما ما”.

كما يؤثر الحديد الموجود في تيتانيك على قاع البحر، وتنتشر تدفقات الصدأ من الحطام بمعدل نحو 4 بوصات سنويا، وتمتد حتى 6 بوصات في الرواسب، وتتركز هذه التدفقات من الحديد بشكل خاص حول هيكل مؤخرة السفينة.

ويقدّر العلماء فقدان تيتانيك نحو 0.13 إلى 0.2 طن من الحديد من تكويناتها بسبب الصدأ كل يوم، وقد دفع هذا البعض إلى تقدير أن الحديد في مقدمة السفينة يمكن أن يذوب تماما في غضون 280-420 عاما.

“التيارات في قاع البحر”

 

المصدر: BBC