يُعتبر المسجد الحرام من أبرز معالم مدينة مكة المكرمة ومركز توجه ملايين المسلمين حول العالم، وهو يشهد باستمرار توسعات شاملة تعزز من سعة استيعابه للزوار وتطور مرافقه.
فقبل نحو مئة عام، كان المسجد الحرام لا يتسع لأكثر من 50 ألف مصلٍّ في وقت واحد. أما اليوم، وبفضل أكبر توسعة في تاريخه، وصلت الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام إلى 3 ملايين مصل في الوقت الواحد، ونحو 107 آلاف طائف في الساعة.
الحرم المكيّ
سُمي الحرم لأنه مكانٌ يُحرّم فيه ما يباح في مكان غيره، وتعد مكة المكرمة حرماً اختاره الله واختصه بمكانةٍ مقدسة، ويجب على المسلم احترام قدسيته وعظمته.
كما أحاط بن الخطاب المسجد بجدار قصير، لتصبح للمسجد خصوصية تفصله عن الدور من حوله، ووضع مصابيح تضيء صحن المسجد.
وتواصلت أعمال التوسعة على مر العصور، ومع قيام الدولة الأموية، أدخل خلفاءها الأعمدة التي جلبت من مصر وسوريا في بناء المسجد، وتبعهم في ذلك الخلفاء العباسيون والعثمانيون.
إذ اهتم سلاطين العصر العثماني بعمارة المسجد وأصبح يطلق على السلطان العثماني “خادم الحرمين الشريفين”، لتتوقف بعد سقوط الدولة العثمانية أعمال التوسعة لبعض الوقت، واقتصرت الأعمال على الترميم والإصلاح .
ومنذ تأسيس الدولة السعودية على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، شهد المسجد الحرام خطوات تطويرية مهمة، حيث أمر الملك المؤسس في عام 1927 بوضع المظلات في صحن المسجد لحماية المصلين من حرارة الشمس، وفي العام التالي أُنير المسجد كاملاً بالإضاءة الكهربائية. كما صُنع في عهده باب جديد للكعبة من الفضة الخالصة، نُقشت عليه آيات قرآنية بالذهب.
وفي عام 1955، انطلقت رسمياً أول توسعة للمسجد الحرام، بمبادرة من الملك سعود بن عبد العزيز. وقد شهدت هذه التوسعة، التي امتدت لعدة سنوات، مضاعفة مساحة الحرم لتصل إلى 160 ألف متر مربع، بطاقة استيعابية بلغت نحو 400 ألف مصلٍ.
وبعد مرور ثلاثة عقود، قام الملك فهد بن عبد العزيز بجولة أخرى من التوسعة بدأت عام 1988، شهد خلالها الحرم إدخال السلالم الكهربائية واستخدم نظام تكييف مركزي حديث مع تحسين شبكات المياه وأنظمة الصوت.
وأُضيف جزء جديد إلى المسجد الحرام من الجهة الغربية، حيث أصبحت المساحة الإجمالية لكامل المسجد نحو 366 ألف متر مربع بطاقة استيعابية وصلت إلى 820 ألف مصل.
وخلال تلك التوسعة أيضاً، استخدم الذهب والكريستال والزجاج والجرانيت لتزيين المسجد.
ومع تزايد أعداد الحجاج والمعتمرين، بدأت المملكة العربية السعودية بأمر من الملك عبد الله بن عبد العزيز في عام 2011 بتنفيذ أضخم توسعة يشهدها المسجد الحرام منذ تأسيسه، واستُكملت أعمالها في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز عام 2015. وخلال هذه التوسعة، اتسعت مساحة الحرم المكي لتصل إلى نحو 1.5 مليون متر مربع.
ولم تقتصر التوسعة على زيادة المساحات فقط، بل شهدت إدخال تقنيات حديثة متطورة داخل الحرم الشريف. فقد تم استخدام أنظمة رقمية مثل الكاميرات والحساسات لمراقبة أعداد المصلين وتنظيم التدفق لتفادي الازدحام.
كما اعتمدت التوسعة على الذكاء الاصطناعي من خلال روبوتات لتوزيع مياه زمزم وتعقيم الساحات، بالإضافة إلى تطبيقات إرشادية وشاشات تفاعلية متعددة اللغات، بهدف تسهيل تجربة الزوار داخل المسجد الحرام.
وعلى مر التاريخ، شهد الحرم المكي عدداً من المحطات التي استدعت في بعض الأحيان إغلاقه مؤقتاً، وتعد حادثة جهيمان العتيبي عام 1979، من أكثر الحوادث شهرة في العصر الحديث.
ففي صباح 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، تجمع حوالي خمسين ألف مسلم لأداء صلاة الفجر في ساحة الكعبة، بينهم مئتا رجل يتبعون جهيمان العتيبي، حيث سيطروا على الحرم المكي لمدة أسبوعين، مما دفع السلطات السعودية إلى إغلاقه وتنفيذ عملية عسكرية لاستعادته، منهية بذلك واحدة من أبرز الأحداث في تاريخ الحرم.
وفي عام 2020 مع انتشاء وباء كورونا أغلقت السعودية المسجد الحرام لنحو أربعة أشهر قبل أن تعيد فتحه في موسم الحج مع فرض إجراءات احترازية مشددة، ثمّ عاد المسجد للعمل بكامل طاقته الاستيعابية عام 2021.