لأكثر من ألف عام، اعتبر الجامع الأزهر واحدا من أبرز مراكز التعليم الديني في العالم الإسلامي؛ جمع بين تقاليد التراث ومحاولات التجديد، منذ افتتاحه للصلاة في يونيو/حزيران عام 972 على يد الفاطميين.
عُرف بدوره في تدريس الحديث والتفسير وبمكانته كمحور للحراك الفقهي، إلى جانب حضوره العلمي والسياسي المتفاوت عبر العصور.
تذكر دائرة المعارف البريطانية أن جامعة الأزهر تُعدّ من أبرز المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، لا سيما في مجال الشريعة الإسلامية واللغة العربية، ويتمركز نشاطها حول الجامع الأزهر الواقع في قلب القاهرة القديمة.
ومنذ تأسيسها، ركزت مناهج الأزهر على تدريس علوم الشريعة والعقيدة وعلوم اللغة العربية، وقد شهدت بعض الفترات إدخال الفلسفة والمنطق ضمن المواد التعليمية. كما نُسب لبعض علماء الأزهر اهتمامهم بالطب والعلوم الطبيعية.
وضم الأزهر، في قائمة خريجيه أو ممن تلقّوا دروساً فيه، عددا من الشخصيات البارزة في العالم الإسلامي، منهم عبد الرحمن وحيد – الرئيس الرابع لإندونيسيا – وطه حسين – الأديب المصري المعروف بلقب “عميد الأدب العربي”، والذي تردّد اسمه بين المرشحين المحتملين لجائزة نوبل في الأدب.
وارتبط الجامع منذ نشأته بالسلالة الفاطمية، ويُرجّح أن تسميته بـ”الأزهر” جاءت تيمّنا بالسيدة فاطمة الزهراء – ابنة النبي محمد – إذ سعى الحكام الجدد إلى تأكيد نسبهم الممتد إلى علي بن أبي طالب، زوج فاطمة وابن عم النبي.
أنشئت الدولة الفاطمية على أسس الفقه الشيعي الإسماعيلي، وكان الأزهر أول مسجد يقيمه الفاطميون في مصر، فمثّل رمزا لدعوة دينية جديدة، كما مثّلت القاهرة رمزا لقيام دولتهم.
وفي السنوات التي تلت افتتاحه، لم يكن الأزهر مجرد مكان لإقامة الشعائر، بل قام بدور محوري في التثقيف وتعزيز الفقه الإسماعيلي، حيث ألقى الدعاة والفقهاء الدروس على الطلبة، مما حول المكان إلى ملتقى للنخبة العلمية والدينية.
وكان المعز لدين الله يحرص على أن يؤم الناس بنفسه في صلاة الجمعة وعيد الفطر وعيد الأضحى في الأزهر، كما كان يخطب في الجامع خلال جمع رمضان والأعياد. وكان الأزهر في العهد الفاطمي مركزًا للعديد من المناسبات والمظاهر الرسمية الأخرى.
وتميز الأزهر منذ مراحله المبكرة بتنوع العلوم التي تُدرَّس فيه، فلم يقتصر على العقائد والدعوة فحسب، بل شمل أيضاً اللغة والنحو والحديث ومناقشات الفقه، مما مهد الطريق لانتشار تأثيره على مستوى المجتمع المصري وخارجه، حيث توافد طلاب من العراق والشام والمغرب – وحتى الأندلس – للاستفادة من المحافل العلمية التي احتضنها.
وبعد نحو مئتي عام على تأسيسه، شهد الأزهر تحولا كبيرا على وقع التغيير السياسي والعقائدي الذي أحدثته الدولة الأيوبية. ففي عام 1169، أنهى صلاح الدين الأيوبي الدولة الفاطمية واستولى على مصر، ودعا للخليفة العباسي، وعمد الأيوبيون إلى إزالة كل مظاهر التشيع؛ فتوقفت الخطبة وصلاة الجمعة في الأزهر وحل محله جامع الحاكم.
وفي العهد الأيوبي، تحول الأزهر إلى تدريس مذهبي الشافعية والمالكية من المذاهب السنية.
وتذكر دائرة المعارف البريطانية أن الأزهر استعاد مكانته تحت حكم المماليك (1250–1517)؛ حيث تحول إلى أحد أبرز مراكز الدراسة السنية على مستوى العالم.
وتعرّض الأزهر لأضرار جراء زلزال في أوائل القرن الرابع عشر، ثم خضع للترميم. وشهدت مباني الجامعة، على امتداد القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وخاصة في المرحلة المتأخرة من العصر المملوكي، عدة عمليات توسعة وتعديل وتجديد، وذلك بعد أن أصبح تحت رعاية مباشرة من السلاطين المماليك.
وشهدت المؤسسة عدة تغييرات إدارية، من بينها إنشاء منصب شيخ الأزهر (الذي سُمي لاحقًا الإمام الأكبر)، وهو رئيس الجامعة الذي يتم انتخابه من قبل علماء الأزهر. وحتى اليوم، يُعتبر شيخ الأزهر من أبرز الشخصيات الدينية في العالم الإسلامي، حيث يشرف على المؤسسة الدينية والجامع والجامعة على السواء.
العصر الحديث
وشهد الأزهر محاولات تحديث وتنظيم على يد محمد علي باشا، حيث سعى إلى ضبط التعليم وتنظيم المدارس، وإعداد العلماء لخدمة الدولة وتنفيذ مشروعاتها الإصلاحية، مما أدى إلى تطوير نظام التعليم داخل أروقته، وإدخال مواد علمية جديدة على جدول الدراسة، إلى جانب العلوم الشرعية.
وكان الإصلاح الذي شهده الأزهر في القرن التاسع عشر نتيجة جهود عدة شخصيات، من بينهم جمال الدين الأفغاني، الذي درس بالأزهر في سبعينيات القرن التاسع عشر، وشدد على أن العلوم الحديثة وغيرها من التخصصات لا تتعارض مع القرآن الكريم، وكذلك محمد عبده – الذي تأثر بالأفغاني وهو شاب – ثم اقترح لاحقاً، بصفته عضواً في لجنة حكومية، عدة إجراءات واسعة لإصلاح الأزهر.
وساند علماء وطلاب الأزهر الثورة الوطنية التي قادها أحمد عرابي (1879–1882)، والتي أدت لاحقاً إلى الاحتلال البريطاني لمصر (1882–1956). وفي ظل الحكم البريطاني، تدهور التعليم به وتقلصت ميزانية الأزهر بشكل كبير.
الملك فؤاد “خليفة المسلمين”؟
في أعقاب انهيار الخلافة العثمانية عام 1924، ظهرت محاولات من بعض الحكام في العالم الإسلامي لتولي منصب الخليفة، وفي مصر أعرب الملك فؤاد عن رغبته في أن يصبح خليفةً للمسلمين.
ووفقًا لكتاب “الأزهر.. الشيخ والمشيخة” لحلمي النمنم، كان لمشايخ الأزهر دور بارز في دعم فكرة تولي الملك فؤاد للخلافة، ومن بينهم الشيخ محمد الأحمدي الظواهري الذي عبّر عن تأييده.
لكن ظهرت معارضة قوية من عدد من علماء الأزهر، من بينهم الشيخ علي عبد الرازق الذي عبر عن موقفه الرافض لفكرة الخلافة في كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم”، كما وقّع نحو 40 عالما أزهريا عريضة أعلنوا فيها أن مصر لا تصلح دارا للخلافة بسبب سطوة الإنجليز عليها.
وهكذا انقسم الأزهريون إلى فريقين: الأول يدعم إقامة مؤتمر لإعلان الخلافة، والثاني يضم عدداً من العلماء الذين عارضوا الفكرة.
ومع تصاعد المعارضة، تراجع الملك فؤاد عن رغبته.
الأزهر والسياسة
وفي مايو/ أيار من عام 1927، صدر القانون رقم 15 الذي منح الحكومة والبرلمان حق تعيين شيخ الأزهر بناءً على مرسوم ملكي يصدره الملك بناءً على ترشيحات الحكومة.
وخضع الأزهر لإصلاحات واسعة مرة أخرى في أوائل الستينيات من القرن العشرين، أثناء حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر (1956–1970)، الذي بدأ بفرض سيطرة أكبر على طريقة عمل الجامعة.
وتضم الجامعة الحديثة عدداً من الكليات، بعضها مخصص للطالبات، إلى جانب مراكز إقليمية تابعة لها.
وإضافةً إلى منهجها الأساسي القائم على الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة العربية، تقدم شبكة كليات الجامعة برامج دراسية في عدة مجالات، مثل الزراعة وطب الأسنان والصيدلة والإعلام والعلوم الإنسانية.
وساند الأزهر الحكومة المصرية لاحقاً في عدة قضايا، من بينها اتفاقية كامب ديفيد – التي أفضت إلى معاهدة سلام مع إسرائيل أدانتها عدة دول عربية.
وخلال العقود الأخيرة، اتخذ الأزهر مواقف محورية على الساحة الدولية، حيث سعى إلى تعزيز الحوار مع المؤسسات الدينية الأخرى، وتنظيم مؤتمرات مشتركة للحوار والسلام، كما تبنّى مبادرات عدة لمواجهة التطرف الفكري ومكافحة خطاب الكراهية والعمل على تقديم صورة معتدلة للإسلام.
وهكذا، جسّد الأزهر التغيرات الكبرى، سواء الدينية أو السياسية، التي شهدتها مصر على مدار أكثر من ألف عام.