الصحة النفسية: لماذا لا نستمتع بلحظاتنا الحاضرة؟

كانت عبارة قصيرة، كأنها خبر عاجل، دفعتني لتعديل جلستي والتركيز على شاشة هاتفي، أعدت قراءتها أكثر من خمس مرات في محاولة لفهم معناها. لكنها في كل مرة كانت تفتح أمامي عشرات الأسئلة التي تدور في ذهني.

لم تكن العبارة هذه المرة ذات طابع سياسي يتعلق بالصراعات التي تشهدها منطقتنا أو الحروب التي تخلف عشرات القتلى، بل كانت رسالة صامتة تلامس أزمة إنسانية نعيشها جميعاً دون أن نشعر بها: أزمة الغفلة عن اللحظة الراهنة.

جاءت الرسالة في مقطع فيديو أثناء تصفح حسابي على إنستغرام، كُتب فيها: “هناك نسخة منك بعد 10 سنوات من الآن، ستتوسل إليك للاستمتاع بما أنت فيه أكثر قليلاً”.

وبينما ننشغل بالسعي وراء طموحات المستقبل وتسلق جبال الأهداف القادمة، هناك جزء منا ينزف من الحنين لما فقدنا من لحظات جميلة لم ننتبه لها حينها.

وعندما سألناها عن أسباب ذلك، أوضحت أنها كانت تركز كثيراً على مظهرها ووزنها في سنوات العشرينات، وكانت تشعر دائماً بأنها غير كاملة. لكنها اليوم، عند مراجعة صورها القديمة، ترى أنها كانت قاسية على نفسها إلى حد كبير.

كان أحمد، وهو أب لطفلين في منتصف الأربعينات، يتمنى في سنوات سابقة أن يكبر أطفاله سريعاً ليقتنص هدوءه ووقته الخاص. لكن بعد أن دخل أطفاله مرحلة المراهقة وبدأوا بالانشغال عنه، تغيّرت نظرته تماماً.

يقول: “كنت أضيق بصراخهم، بأسئلتهم المتكررة، وبالفوضى التي يملؤون بها البيت. الآن أشتاق لأيامهم الأولى، لأصواتهم، ولعشوائية حديثهم. أدركت متأخراً أن تلك الفوضى كانت أجمل ما في حياتي”.

لكن لماذا نميل إلى تجاهل اللحظة الراهنة والانشغال بما قبلها أو بعدها؟ وهل هناك سبب نفسي يجعل “الآن” يبدو دائماً أقل أهمية من “لاحقاً” أو “سابقاً”؟

يجيب الدكتور نواف الرفاعي، وهو إخصائي إرشاد نفسي تحدثت إليه بي بي سي: “من وجهة النظر النفسية والعصبية، يميل الإنسان بشكل طبيعي إلى ما يُعرف بـ ‘السفر الذهني’، حيث يقضي جزءاً كبيراً من يقظته متنقلاً بين أحداث الماضي وتوقعات المستقبل. هذه العملية ترتبط بنشاط داخلي في الدماغ يُسمى ‘الشبكة الافتراضية’، وهي المسؤولة عن التأمل والتخطيط، لكنها تتحول عند بعض الأشخاص إلى مصدر دائم للشرود والتشتت”.

ويضيف: “العقل لا يرى السكون على أنه راحة، بل كخطر أو تهديد، فيدفعنا نحو التفكير الزائد والمقارنة والقلق. لكن لحظة الشفاء تبدأ حين نُعيد علاقتنا مع هذا الهدوء، ونتعلم كيف نكون حاضرين من دون مقاومة”.

بحسب الرفاعي، فإن من يعانون من صعوبة التواجد في الحاضر، ليسوا غافلين، بل “منشغلون معرفياً بشكل مفرط”، ويعتقدون أن التفكير المكثف سيقودهم إلى حلول، لكنه في الحقيقة يبعدهم عن أي شعور بالرضا أو الإنتاجية.

قصة روان، 34 عاماً، تعكس جانباً آخر من الأزمة، فهي رفضت عرض زواج في سنتها الأخيرة من دراسة الماجستير، قبل خمس سنوات، لأنها أرادت التركيز على دراستها وتأسيس مستقبلها الأكاديمي.

كانت ترى أن الزواج في ذلك الوقت سيشتت انتباهها ويؤخر طموحاتها، بحسب ما تقول لبي بي سي.

لكن بعد التخرج، لم تعد الفرص كما كانت، ولا الشخص نفسه بقي في حياتها. تقول اليوم: “كنت أظن أن الوقت المثالي سيأتي لاحقاً، لكنه لم يأتِ. ربما كان يجب أن أوازن، بدلاً من تأجيل كل شيء”.

حالة روان، تُظهر كيف يمكن أن يؤدي التفكير المستقبلي المفرط إلى تفويت فرص الاستمتاع بالحاضر وبناء حياة متكاملة، بحسب ما يفسّره مختصون نفسيون لبي بي سي.

ففي دراسة أطلقها الأمريكي جون كابات-زين، والمعروف برائد الحركة العصرية لليقظة الذهنية عام 1994، ركز على أهمية العيش في اللحظة الحالية كوسيلة لتحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر.

ويشرح كابات-زين كيف أن إدراك اللحظة الراهنة بدون إصدار أحكام أو انغماس في التفكير الزائد يساعد الأفراد على مواجهة الضغوط اليومية بشكل أكثر فعالية، مما ينعكس إيجابياً على حالتهم النفسية.

تُظهر الدراسة أن ممارسة تقنيات اليقظة الذهنية، مثل التأمل والوعي التام بما يحدث حولنا وداخلنا، تُمكن الأشخاص من تحسين جودة حياتهم عبر تعزيز الشعور بالرضا والسلام الداخلي.

شبكات التواصل: سباق المقارنات اللامرئي

وفي زمن تتقاطع فيه الحياة اليومية مع لحظات العرض الرقمي، لم تعد المقارنة بحاجة إلى جهد. كل ما تحتاجه هو تمرير الإصبع على الشاشة.

ويشرح الرفاعي أن عدد الإعجابات وعدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي يهدِم التقدير الذاتي الداخلي.

ويوضح: “اللحظات الجميلة لم تعد تُعاش، بل تُجهّز للنشر. الناس يتسابقون لنشر اللحظة بدل أن يعيشوها، وتتحول المتعة إلى عرض، والإنجاز إلى واجهة”، بحسب الرفاعي.

ويضيف: “أذكّر مرضاي دائماً أن المقارنة تسرق الفرح، لكن التحرير الانتقائي، بمعنى اختيار ما نظهره فقط، يسرق الواقع. وهذه بيئة خصبة لزرع فجوة دائمة بين ما نشعر به، وما نظن أنه يجب أن نشعر به”.

في الأسطر الأخيرة من هذا التقرير تمرين بسيط قد يغيّر نظرتك للحظة الراهنة – لعبة قصيرة لا تحتاج لهاتف أو إنترنت، فقط حواسك الخمسة، وقلب حاضر، فأكمل القراءة.

لكن المشكلة، بحسبها، أن هذا “الشبه” قد يتحوّل إلى مرآة مشوّهة. فالفلاتر لا تقتصر على الصور، بل تطال نوع القصص التي تُعرض؛ إنجازات متكررة، أجسام مثالية، رحلات فاخرة، لحظات تبدو منزوعة من همّ الحياة اليومية.

وتشرح: “تستهدفنا الخوارزميات بالمزيد من هذا المحتوى إذا أبدينا تفاعلاً بسيطاً معه، كأنها تغذّي شعوراً داخلياً بأننا متأخرون عن الركب، أو أن وتيرة حياتنا بطيئة”.

وتشبّه الرمحي هذا التأثير بقولها: “كأنك تمشي على قدميك بينما تمر السيارات من حولك بسرعة فائقة. تشعر حينها أنك لا تتحرك، رغم أنك في الواقع تسير”.

وتُحذّر من تأثير هذا التعرّض المستمر على الصورة الذاتية، لا سيما وأن معظم الناس يتصفحون هذه المنصات قبيل النوم، وهي لحظة حساسة تترسّخ فيها الصور والمقارنات في الذاكرة.

وعن المحتوى المثالي والمُفلتر، ترى الرمحي أنه أحد أبرز أسباب الشعور بعدم الكفاية، إذ أن “المنصات الرقمية اليوم تُقدّم أدوات سهلة ومغرية لتعديل كل شيء، من ملامح الوجه إلى لون السماء. وهذا يُغري المستخدمين بأن يظهروا دوماً في أفضل حالاتهم، حتى لو كانت بعيدة عن الواقع” كما تقول.

لكن الخطر، كما تراه، ليس فقط بما نُظهره، بل بما نخفيه. فـ”الخوف من الحكم أو الرفض يجعل الناس يخشون مشاركة لحظاتهم العادية أو لحظات الضعف. فتتحوّل المنصات إلى مسرح كبير نؤدي فيه أفضل نسخة من أنفسنا، بينما نخفي حقيقتنا خلف الكواليس”.

وتضيف: “هذا كله يُعيد برمجة وعينا تدريجياً، فيبدو لنا أن الجميع يعيشون حياة كاملة، ونحن وحدنا العاديون، المتأخرون، الناقصون”.

هل أنت جاهز للدخول في تحدي اللحظة؟

في نهاية حديثه مع بي بي سي، يوجّه الرفاعي، وهو معالجٌ نفسي، دعوة بسيطة للقارئ – لكنها قد تكون نقطة تحوّل حقيقية:

 

المصدر: BBC