عمر سليمان: قصة الصندوق الأسود لعصر حسني مبارك

في 19 يوليو/ تموز من عام 2012 توفي عمر سليمان نائب الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عن عمر ناهز 76 عاماً، وكان سليمان في الولايات المتحدة لإجراء فحوص طبية.

وكان سليمان المدير العام الأسبق للمخابرات العامة المصرية، هو الذي أعلن بيان تنحي مبارك عن السلطة في 11 فبراير/ شباط 2011، وجاء ذلك بعد أن عينه مبارك نائباً لرئيس الجمهورية في خضم أحداث الثورة المصرية.

وفي 10 فبراير/ شباط 2011 أعلن الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك إنه فوض نائبه عمر سليمان تولي اختصاصاته بمقتضى الدستور.

وبعد فتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة المصرية تقدم سليمان بأوراق ترشحه في اللحظات الأخيرة، إلا أن اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة قررت في أبريل/ نيسان من عام 2012، استبعاده من السباق الرئاسي معللة ذلك بأخطاء في التوكيلات التي تقدم بها لدعم طلبه كمرشح مستقل.

كما حصل على بكالوريوس العلوم العسكرية، ثم دبلوم في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وتبع ذلك دبلوم في الشؤون الدولية من جامعة عين شمس. وهذه الخلفية المتنوعة جعلته مؤهلاً للعب أدوار متعددة في الدولة، وكان يُعرف عنه إتقانه للغات وقدرته على التعامل مع ملفات سياسية معقدة.

وشارك سليمان في معظم الحروب المصرية بدءاً من حرب اليمن عام 1962 وحربي 1967 و1973.

الملف الفلسطيني

ولعل من أبرز القضايا التي تولى إدارتها كانت ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث كان وسيطاً معتمداً بين حركتي فتح وحماس، وبين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، كما تولى سليمان مهمة الوساطة حول صفقة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الذي كان مُحتجزاً لدى حركة حماس جلعاد شاليط.

وكان سليمان يحظى بثقة الولايات المتحدة وإسرائيل، لما عُرف عنه من قدرة على ضبط الأمور وتحقيق نتائج ملموسة دون ضجيج إعلامي.

ومن الناحية الداخلية، لعب دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب في تسعينيات القرن 20، خاصة في مواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة مثل “الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي”.

واعتمد سليمان على أسلوب الاختراق والتفكيك بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، وهو ما جعل منه رجلًا يُحسب له حساب في الأوساط الأمنية الدولية.

ووفقاً للتقارير الغربية، فقد نسّق جهاز المخابرات بقيادته عمليات تعاون وثيق مع وكالات أمنية كبرى، من بينها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) ووكالة الاستخبارات البريطانية (إم آي 6)، خصوصاً في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول من عام 2001، حيث أصبحت مصر مركزاً مهماً في “الحرب على الإرهاب”.

وقد ظهرت حملة شعبية في مصر في سبتمبر/ أيلول من عام 2010 تطالب بانتخابه رئيساً للجمهورية.

علاقته بمبارك

تحدثت بعض التقارير عن ارتباط سليمان بعلاقة وثيقة خاصة بمبارك توطدت بينهما على إثر تعرض الرئيس لمحاولة اغتيال في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، عام 1995.

ويومها كان من المقرر أن يستقل الرئيس مبارك سيارة عادية، إلا أن عمر سليمان أصر على إرسال سيارة مصفحة من مصر إلى إثيوبيا قبل محاولة الاغتيال بيوم واحد.

كما كُلّف بمهام سرية تضمنت زيارات إلى دول أفريقية وآسيوية وعربية، وكان له دور بارز في إدارة ملف السودان ودعم استقرار الحكم في دارفور وجنوب السودان، بما يضمن المصالح المصرية، خاصة المتعلقة بمياه النيل.

ولم يكتفِ سليمان بالدور الأمني، بل أصبح مشاركاً في صياغة السياسات العامة للدولة، وكان يُستشار في ملفات الاقتصاد والطاقة والمياه.

وقد طُرح اسمه في عدة تقارير غربية كشخصية محتملة لخلافة مبارك، نظراً لقربه من الرئيس ومكانته الرفيعة في مؤسسات الدولة، غير أن ظهوره المفاجئ في 29 يناير/ كانون الثاني 2011، كنائب لرئيس الجمهورية أثناء اندلاع ثورة 25 يناير/ كانون الثاني، شكّل لحظة فارقة في حياته السياسية.

امتصاص غضب الشارع

كان تعيينه في منصب نائب الرئيس المصري -المنصب الذي ظل شاغراً لـ 30 عاماً- قراراً يهدف إلى امتصاص غضب الشارع وطمأنة الدوائر الدولية.

وخلال الفترة القصيرة التي شغل فيها هذا المنصب، ألقى خطاباً شهيراً أعلن فيه أن الرئيس حسني مبارك قد كلفه بإجراء تعديلات دستورية والإعداد لانتقال سلمي للسلطة، لكن هذه المحاولة لم تنجح في تهدئة غضب المتظاهرين، الذين رأوا في سليمان امتدادًا للنظام القديم وليس بديلًا حقيقياً.

وفي 11 فبراير/ شباط من عام 2011، ظهر عمر سليمان في بث تلفزيوني مقتضب ليعلن تنحي الرئيس مبارك عن الحكم وتسليم السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو الإعلان الذي شكل ذروة ثورة يناير ونهاية عهد امتد 30 عاماً.

ومنذ تلك اللحظة، تراجع سليمان عن الظهور في المشهد السياسي بشكل ملحوظ، وتوارت أخباره عن الساحة الإعلامية.

الابتعاد عن المشهد السياسي والوفاة

بعد إبعاده أو ابتعاده من المشهد الانتخابي، توجه عمر سليمان إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أقام لبعض الوقت. وفي 19 يوليو/تموز من عام 2012، أُعلن عن وفاته في أحد مستشفيات مدينة كليفلاند بالولايات المتحدة، إثر مرض مفاجئ لم يُكشف عن طبيعته بشكل واضح. وقد أثارت وفاته جدلًا واسعًا في مصر، وظهرت نظريات مؤامرة حول إمكانية تعرضه لعملية اغتيال صامتة، بالنظر إلى ما كان يحمله من أسرار تتعلق بالدولة المصرية والإقليم بأسره.

في اليوم السابق مباشرة، أي في 18 يوليو/تموز، شهدت دمشق واحدة من أعنف الضربات الأمنية خلال الحرب السورية، عندما وقع تفجير مبنى الأمن القومي، وأدى إلى مقتل عدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين في النظام السوري السابق. وبينما يرى البعض في تزامن الحدثين مجرد مصادفة زمنية، فإن عالم المخابرات يظل بطبيعته عالمًا معتماً، يصعب فيه الجزم بما إذا كان هناك ارتباط مباشر، أو إن كانت مجرد أحداث متوازية في منطقة كانت تغلي حينها على حافة الانفجار.

وكان عمر سليمان شخصية مركبة، يجمع بين الصرامة العسكرية والحس السياسي، بين العمل الاستخباراتي المعقّد والقدرة على التفاوض والدبلوماسية، ولم يكن رجلاً جماهيرياً، ولا يبدو أنه كان يسعى إلى الشهرة، لكنه كان يحظى باحترام واسع في دوائر الحكم وصناعة القرار، وقد ارتبط اسمه بأكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط، وكان يُنظر إليه كرجل المهمات الصعبة.

وقد وُجهت له اتهامات من قوى الثورة بأنه أحد رموز النظام الذي طالما استند إلى أجهزة الأمن لقمع المعارضة وإدارة شؤون البلاد بعيدًا عن أي رقابة ديمقراطية، إلا أن مؤيديه رأوا فيه صمام أمان للدولة، وحاميًا لمصالحها في أوقات الاضطراب والتحديات الأمنية الكبرى، خصوصاً مع تصاعد خطر الجماعات الإرهابية وغياب الاستقرار الإقليمي. ورغم رحيله، ما زال يُستحضر في النقاشات المتعلقة بالأمن القومي والسيادة والدور المصري في محيطه العربي والأفريقي.

 

المصدر: BBC