أمراض القلب: لماذا تصيب الشباب بشكل متزايد؟

كنت أشاهد مباراة بين إشبيلية وخيتافي في الدوري الإسباني صيف عام 2007، حين سقط أنتونيو بويرتا، لاعب وسط إشبيلية البالغ من العمر 22 عاماً، فاقداً الوعي على أرض الملعب.

في اللحظات التالية، أسرع زملاؤه إلى تثبيت لسانه لمنع اختناقه. وبعد دقائق، تمكن الفريق الطبي من إنعاشه، فاستعاد وعيه وغادر الملعب ماشياً على قدميه.

لكن بويرتا تعرض داخل غرفة تبديل الملابس لسكتة قلبية أخرى، أو لسلسلة منها، وفق ما أعلنه الأطباء لاحقاً.

وكشف التشريح لاحقاً أن بويرتا كان يعاني من مرض قلبي وراثي غير قابل للعلاج يُعرف باسم خلل تنسج البطين الأيمن المحدث لاضطراب النظم.

شهدت تلك الفترة وفاة أكثر من لاعب محترف على أرض الملعب خلال سنوات قليلة، بينهم المجري ميكلوش فيهير (24 عاماً)، الذي سقط أرضاً بعد تلقيه بطاقة صفراء عام 2004 أثناء مباراة لفريقه بنفيكا البرتغالي.

هذه الحوادث دفعت الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) إلى استحداث اختبارات إلزامية للقلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي قبل المسابقات الكبرى.

ومنذ ذلك الحين، تعرّض لاعبون آخرون لسكتات قلبية مشابهة على أرض الملعب، لكن الوعي المتزايد بطرق التدخل السريع ووجود فرق طبية متخصصة بالقلب أنقذ حياة كثيرين، من بينهم الدنماركي كريستيان إريكسن (2021) والإنجليزي فابريس موامبا (2012).

وخارج الملاعب، برزت في السنوات الأخيرة عشرات القصص لشبان توفوا فجأة في منتصف العشرينات أو أوائل الثلاثينات من العمر بسبب توقف مفاجئ في القلب، رغم عدم ممارستهم أي نشاط مجهد لحظة الوفاة.

ولفهم ما إذا كانت أمراض القلب في ازدياد بين فئة الشباب، وأسباب ذلك، طرحنا هذه الأسئلة على طبيبين مختصين، فجاءت بعض الإجابات مفاجئة.

الحالات في ارتفاع “مقلق”

يقول الطبيب المتخصص في جراحة القلب جيمس إيتشيسون من مستشفى “كينغز كولدج” لندن في دبي، إنه تفاجأ عندما اطّلع على بيانات تشير إلى زيادة تصل إلى 20 بالمئة في العديد من العوامل المعروفة بتأثيرها على أمراض القلب والأوعية الدموية.

أما البروفيسور سمير علم، رئيس الفريق الطبي وأستاذ أمراض القلب في الجامعة الأميركية في بيروت، فيؤكد أن السنوات العشر الماضية شهدت ارتفاعاً حاداً في معدلات الأزمات القلبية والسكتات الدماغية بين الشباب، واصفاً الزيادة في نسب الوفيات بأنها “مقلقة”.

ويشير علم إلى دراسة أمريكية أظهرت ارتفاعاً بنسبة 50 بالمئة في إصابات أمراض القلب لدى الفئة العمرية بين 30 و45 عاماً خلال الخمسة عشر عاماً الأخيرة.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تُعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة عالمياً، إذ تسببت عام 2019 بوفاة نحو 17.9 مليون شخص، أي ما يعادل 32 بالمئة من مجموع الوفيات حول العالم، وكانت 85 بالمئة من هذه الوفيات ناجمة عن النوبات القلبية والسكتات الدماغية.

وتنطبق هذه الأرقام على الرجال والنساء على حدّ سواء حول العالم. إذ تُعدّ أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة بين النساء أيضاً، خلافاً للاعتقاد الشائع بأنها تصيب الرجال بالدرجة الأولى.

بحسب الطبيبين، تعود أسباب هذا الارتفاع إلى تراكم مجموعة من العوامل السلبية المؤثرة على شرايين القلب، أبرزها التغيّر الكبير في أنماط الحياة، والجلوس لفترات طويلة أمام شاشات التلفاز والهواتف المحمولة، إضافة إلى الإقبال على الأطعمة السريعة الغنية بالدهون وغير الصحية.

ويقول إيتشيسون إن نمط حياة الشباب اليوم بات “أكثر كسلاً”، موضحاً أنهم “يمارسون نشاطاً بدنياً أقل، ولا يذهبون إلى أعمالهم سيراً على الأقدام، على سبيل المثال”. ويضيف أن التوصية العامة هي ممارسة 30 دقيقة على الأقل من التمارين الرياضية المجهدة ثلاث مرات أسبوعياً، موضحاً أن المقصود بالتمارين المجهدة هي تلك التي تؤدي إلى التعرّق، وتسارع ضربات القلب، والشعور بالإرهاق.

كما يشير الطبيبان إلى أن ارتفاع معدلات البدانة، وضغط الدم المرتفع، وارتفاع نسب الدهون في الدم، والسكري، والتدخين من بين الأسباب الرئيسية وراء تزايد أمراض القلب بين الشباب.

ويحذر إيتشيسون من انتشار الاعتقاد بين الفئات الأصغر سناً بأن التدخين الإلكتروني والسجائر الإلكترونية أكثر أماناً من السجائر التقليدية، قائلاً: “قد يكون صحيحاً أنها لا تُشعل حريقاً في المنزل إذا غفوت أثناء استخدامها، لكن مستويات النيكوتين فيها قد تكون أحياناً أعلى من السجائر العادية، وهو ما يؤدي إلى تضييق شرايين القلب وزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية”.

ويجدد الطبيب دعوته قائلاً: “لا تدخن. لا تستخدم السجائر الإلكترونية. لا تستخدم الشيشة.”

من جهته، يشير البروفيسور سمير علم إلى أن التعرض للتدخين السلبي يعد بدوره من العوامل الخطرة المرتبطة بالنوبات القلبية.

ويضيف علم إلى ذلك التأثير السلبي لفيروس كوفيد-19، مؤكداً أن “تداعيات الفيروس على شرايين القلب ما زالت مستمرة”.

فقد أظهرت دراسات عدة أن الإصابة بفيروس كورونا، ولا سيما خلال عام 2020، ارتبطت بزيادة معدلات النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة المبكرة، حتى بعد مرور ثلاث سنوات على التعافي من العدوى.

هل نلوم التوتر المفرط؟

يعتقد كثيرون أن التوتر المزمن في الحياة اليومية الحديثة قد يكون عاملاً رئيسياً في الإصابة بأمراض القلب.

ويشرح قائلاً: “هناك تأثير مباشر للضغط النفسي، إذ يرسل الدماغ إشارات إلى الجسم يتجاوب معها بطريقة تؤدي في النهاية إلى تصلب الشرايين”.

ويضيف: “لا يقتصر أثر الضغط النفسي على التسبب بذبحة قلبية حادة، بل يساهم أيضاً في تكوين العوامل المؤدية للإصابة بالذبحة القلبية مستقبلاً”.

ويرى علم أن “جزءاً من المشكلة يكمن في أن التوتر سيظل موجوداً دائماً، لكن على كل شخص أن يجد الطريقة التي تناسبه لتعلّمها وممارستها، بهدف تجنّب الضغط النفسي أو على الأقل التخفيف من حدته قدر الإمكان”.

ويوافق إيتشيسون على أن “التوتر يرتبط بعوامل تبدو مرتبطة بأمراض القلب”، لكنه يوضح أن ذلك “لا يعني وجود علاقة مباشرة وواضحة بين الأمرين”.

ويشرح قائلاً: “نعلم أن التوتر قد يتسبب بتضيّق مؤقت في الشرايين لدى المصابين بالذبحة الصدرية المستقرة المزمنة، لكنه لا يُسبب المرض نفسه. ومع ذلك، فإن التوتر المزمن الناتج عن العمل أو ضغوط الحياة اليومية قد يكون عاملاً مساهماً في أمراض القلب”.

ويستشهد بأحد الأبحاث التي خلصت إلى أن الأشخاص الذين يشعرون بالقلق من فقدان وظائفهم كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب بنسبة تقارب 20 بالمئة.

ويضيف: “نعلم أن غير المتزوجين أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب مقارنة بالمتزوّجين. لكن هذا لا يعني أن الزواج بحد ذاته سبب هذه الفوائد، بل قد يشير ببساطة إلى وجود شخص يعتني بك ويشاركك الحياة”. ويختم قائلاً: “لذلك لا أستطيع الجزم بأن التوتر المزمن الناتج عن عدم الزواج هو عامل رئيسي للإصابة بأمراض القلب”.

وفي السياق ذاته، يشير المركز الطبي لجامعة روتشستر الأميركية على موقعه الرسمي إلى أن الجسم يفرز هرمون الكورتيزول استجابةً للتوتر. وتوضح الدراسات أن ارتفاع مستويات الكورتيزول الناتج عن التوتر طويل الأمد يمكن أن يرفع معدلات الكوليسترول والدهون الثلاثية وسكر الدم وضغط الدم، وهي جميعاً عوامل خطر شائعة للإصابة بأمراض القلب.

ويضيف المركز أن التوتر المزمن قد يؤدي أيضاً إلى تغيّرات تُعزّز تراكم الترسبات الكلسية في الشرايين التاجية، ما قد يتسبب في انسدادها وحدوث ذبحة قلبية مميتة.

 

المصدر: BBC