الأيقونة القبطية: نافذة الأقباط الروحية على حياة المسيح والعذراء مريم عبر العصور

فن الأيقونات هو أول ما يلفت نظر الداخل إلى أي كنيسة قبطية في مصر وخارجها، فالأيقونة واحدة من أعمق أشكال التعبير الروحي والفني في الإيمان الأرثوذكسي، فهي ليست مجرد فن زخرفي يزين الجدران فحسب، بل ينظر إليها الأقباط على أنها “نافذة مقدسة” على السماء، تجسد ما يُعرف بـ “اللاهوت المرئي”، وتنقل أسراراً روحية وإيمانية من خلال ألوانها وخطوطها ورموزها الخاصة.

كما تمثل تلك الأيقونات، بالنسبة لأقباط مصر، شهادة حيّة ترمز إلى “حضور الله” وسط المؤمنين، وتعد رابطاً بين السماء والأرض، يستطيع الإنسان من خلال تأمل تفاصيلها أن يدخل في حوار صامت مع ما تمثله من شخصيات مقدسة، فيختبر البُعد السماوي الذي يتجاوز حيز زمانه ومكانه على الأرض.

وعلى مرّ العصور، نهضت الأيقونة القبطية بدور “الإنجيل الصامت”، وروت بأسلوب بصري حياة المسيح وآلامه وقيامته، فضلاً عن إبراز حضور العذراء القديسة مريم وقصص تحدثت عن تقوى القديسين والقديسات، ونقلت رسائل إيمانية فهمها الجميع، المتعلم وغير المتعلم. لذا، شكّلت تلك الأيقونات القبطية، في الأديرة والكنائس والمنازل أيضاً، وسيلة للتشجيع على حياة البر والتقوى، كما مثّلت حصناً حافظاً للإيمان المسيحي خلال فترات تاريخية اتسمت بالاضطهاد والمعاناة، وأصبحت شاهداً إيمانياً وحافزاً روحياً للتأمّل في حياة المسيح وتعاليمه جيلاً بعد جيل.

“فلسفة الأيقونة القبطية”

وبناء على ذلك برزت مظاهر التكريم التي يُظهرها الأقباط بلمس الأيقونات أو تقبيلها، فهي ليست سوى علامات “توقير واحترام” موجّهة إلى القديس المرسوم فيها، وليست عبادة كما يُساء الفهم أو يروج البعض، فهو فعل عفوي يترجم به الشخص محبة روحية كرسالة منه إلى ذلك القديس، تبرّكاً به، كي يتشفع له عند الله بصفته “وسيطاً باراً” يتمتع بسيرة عطرة في الورع والتقوى وأعمال البر.

وذكر فانسليب في رحلته، بحسب دراسة يوحنا نسيم يوسف “الأيقونات القبطية في التاريخ والأدب والطقوس”، ضمن منشورات مكتبة الإسكندرية، ما يشير إلى أن “الأقباط ليس عندهم تماثيل في كنائسهم ولكن صور مثل العذراء والمسيح ومارجرجس والملائكة ميخائيل ورفائيل وجبرائيل وغيرهم، وهم يوقّرون الصور ويقبلونها ويوقدون أمامها الشموع، وعندهم إيمان بأن الله يصنع البركات من خلالها”.

ويقول البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية السابق، في دراسة بعنوان “اللاهوت المقارن”: “إننا لا ننسى تأثير الصور كدروس تشرح أحداث الكتاب (المقدس)، وأبطال الإيمان فيه وفي التاريخ. وربما تترك الأيقونة تأثيراً عميقاً في النفس أكثر مما تتركه العظة أو القراءة أو مجرد الاستماع، وفي كل هذا تربط بين المؤمنين ههنا وملائكة السماء والأبرار الذين يعيشون في الفردوس. وتعطينا دفعاً داخلياً قوياً ننفّذ فيه قول (بولس) الرسول (اذكروا مرشديكم… تمثّلوا بإيمانهم)”.

ويضيف: “المعروف أن الأيقونات ترجع إلى العصر الرسولي نفسه… ويروي التقليد أيضاً قصة عن انطباع صورة للسيد المسيح فوق منديل (أثناء درب الصليب)، والذي يتتبع التاريخ يجد أن أقوى عصور الإيمان كانت حافلة بأيقونات يوقرها الناس، دون أن تُضعِف إيمانهم بل على العكس كانت تقويه”.

وتعد فلسفة الأيقونة، ودورها في التعليم المسيحي المبكر، عنصراً جوهرياً ضمن منظومة الروحانيات، إذ اضطلعت بوظيفة مؤثرة في الحياة الدينية والمجتمعية منذ المراحل الأولى لانتشار المسيحية، وقد برزت الأيقونات حينذاك بوصفها لوحات تصويرية تجمع بين البعد الفني والتشكيل الرمزي، لتتحول إلى أداة لاهوتية تُوظَّف كسلاح للعقيدة، وأداة إقناع المؤمنين الجدد في سياق العمل التبشيري.

ويلخّص الأب الراهب سارافيم البراموسي في دراسته الروحية بعنوان “الأيقونة فلسفة الروح” بدقة مكانة الأيقونة ووظيفتها في وجدان وفكر الأقباط قائلاً: “الأيقونات هي نوافذ نرى من خلالها عالماً آخر غير الذي ألفته حواس الجسد، لنخرج من منزلنا المشيّد من تراب الأرض، إلى عالم غير مادي، لا تنطبق عليه قوانين الجاذبية الزمنية، ولا تجتذبه الأرض إلى أسفل، بل هو عالم يهيم فيه القديسون على وقع نغمات الخلاص وتهليل الفرح (للرب) الجالس على العرش”.

ويضيف: “تلك النوافذ ليست مداعبة لخيالنا الإنساني، ولكنها تقوية وتثبيت لواقعنا الروحي، إنها حضور فعلي وصادق لأولئك الذين وقفوا متسربلين بمجد الحياة الجديدة.. حضور يهدئ من روعنا حينما يقسو علينا العالم ويتجبر علينا الشيطان ويهرب من حولنا الأحباء ويحاصرنا المرض ويلتهمنا مارد الفقر والحاجة وضيق العيش”.

ويلفت الآب الراهب سارافيم إلى أنه “وقتها تكون نظرة إلى الأيقونة كفيلة بأن تسكب في قلوبنا سلاماً من منابع السلام الإلهي، وحينما نخاطب قديس الأيقونة لا نملك إلى أن نستشعر حضوراً غير مدرك ولا مرئي ولكنه حقيقي”.

“الأيقونة القبطية عبر العصور”

كان النفور العميق من العالم الوثني، في مطلع العصور المسيحية الأولى، مقترناً بظروف الكنيسة الناشئة، عائقاً أمام نشوء فن التصوير وما يشاكله من الفنون، إذ رأى المسيحيون الأوائل في الصور ظلاً للوثنية البائدة، كما اعتبروا أن كل محاولة تصوير دينية تمثل عودة إلى الفكر الوثني ومعابده، وظهر هذا الموقف بوضوح في عزوفهم عن اتخاذ خطوات قد يُفهم منها على أنها عبادة للإمبراطور الروماني في تلك العصور، ورفضهم الانحناء أمام هيبته المصوّرة في تماثيله ورسومه.

ويذهب بعض مؤرخي الفن القبطي إلى أن الأيقونة القبطية ليست سوى امتداد لبورتريهات الفيوم المصرية الشهيرة، التي يمكن اعتبارها استمراراً لفنون مصر القديمة.

كانت تلك اللوحات (البورتريهات) الجصيّة تصور المتوفى بغرض أن “تعرف روحه سبيلها وتتحد بجسده” مرة أخرى، وظهرت في أواخر العصر الروماني. ومع دخول المسيحية مصر، بدأ الفن القبطي يتأثر ببيئته الفكرية الجديدة، فبرزت الأيقونة التي لم تعد تهتم بتفاصيل الملامح البشرية كما فعلت بورتريهات الفيوم، وإنما ركزت على البُعد الروحاني والرمزي، مجسدة بذلك لغة فنية تتجاوز حدود الشكل إلى المعنى.

ويضيف: “ظل مصورو العصر القبطي يمارسون فن التصوير بطريقة الرسوم الحائطية على نطاق واسع حتى القرن الحادي عشر الميلادي تقريباً، ثم شاعت طريقة الرسم على اللوحات الخشبية التي تعرف بالأيقونات، إذ وجدوا أنه عندما تتهشم جدران المباني يكون مصير الرسوم إلى زوال، فلجأوا إلى طريقة أخرى يصورون بها نواحي عقائدهم الدينية، بحيث تكون أكثر ثباتاً، وتكون الصور سهلة النقل يمكن تغيير مكانها”.

ويمكن تقسيم تاريخ الأيقونات إلى عدة أقسام أو مراحل بحسب الوظيفة أو الهدف أو الظرف التاريخي لرسمها على مدار العصور كالآتي:

(أولاً) مرحلة الرموز (القرون الثلاثة الأولى): وهي مرحلة كانت أبرز موضوعاتها تصوير يسوع المسيح تحديداً في موضوعات مختلفة.

ويتحدث الأب القس بيشوي حلمي في دراسته “كنيستي الأرثوذكسية ما أجملك” عن تلك المرحلة قائلاً: “استُخدمت الرموز في مجال الصور والرسومات في القرنين الأول والثاني على نطاق واسع، فنرى السيد المسيح في شكل الراعي الصالح، أو السمكة، أو مختفياً تحت المونوغرام، أي الحرفين الأولين من اسمه باليونانية (خريستوس=المسيح) وهما XP وذلك على شكل صليب (الحرفان متداخلان مع بعضهما البعض)”.

(ثانياً) مرحلة تقديم موضوعات من الكتاب المقدس (القرن الرابع): كان الهدف منها تقديم مضمون تعليمي في ظل نمو وانتشار المسيحية في شتى أرجاء العالم، فنظراً لكثرة أسفار المسيحيين والمبشّرين إلى كنائس في بلاد أخرى يتعبّد أهلها بلغات لا يعرفها المبشرون، استُخدمت الأيقونات كلغة مشتركة للحوار التعبدي بين أولئك المؤمنين الجدد.

(ثالثاً) مرحلة الأيقونات الإسخاتولوجية (الآخروية) (القرنين السادس والسابع): ففي ظل أجواء الرهبنة التي عاشها الأقباط، وعيونهم شاخصة نحو المجيء الثاني للمسيح في آخر الزمان، بحسب تعاليم الإنجيل، انصرفت الأيقونات خلال تلك الفترة إلى التعبير عن التطلّع الأخروي، فقدمت موضوعات مثل صور الشهداء والقديسين متوَّجين بالمجد، وأيقونات للملائكة، وأخرى للنبوءات الدينية، كما رُسم يسوع المسيح في بهائه جالساً على عرشه.

(رابعاً) مرحلة حرب وتحطيم الأيقونات (القرن السابع): مع تزايد عدد الأيقونات وانتشارها السريع، وسوء استخدام البعض لها، لاسيما فن الأيقونة البيزنطي، اشتدّ الصراع بين المؤيّدين والمعارضين، ولم يكد ينتهي القرن السابع حتى تأثّر فن رسم الأيقونة عموماً بعامل تاريخي مهم عُرف باسم حرب الأيقونات، وذلك عندما أصدر الإمبراطور لاون الثالث سنة 726م مرسوماً يقضي بتحطيم الأيقونات.

ويذكر الأب القس بيشوي حلمي في دراسته أنه “بعد سلسلة من الصراعات والاصطدامات انعقد مجمع نيقية عام 787 ميلادياً، بناء على دعوة الإمبراطورة إيريني (الأثينية)، وأعلن المجمع قانونية استخدام الأيقونات ووقع على قراراته 208 من الأساقفة، كما أعلن أيضا أنه يليق تقديم التكريم للأيقونات دون العبادة، وأن هذا التوقير مُقدم لها بطريقة نسبية لمن تمثلهم الأيقونات”، إلا أن ذلك لم يحُل دون نشوب مرحلة ثانية من الصراع عام 814 ميلادياً في عهد الإمبراطور لاون الخامس (813-820 ميلادياً)، الذي بدأ حركة جديدة من تحطيم الأيقونات.

وتشير بعض الدراسات المتخصّصة إلى أن ممارسة رسم الأيقونات واصل نشاطه بعد دخول العرب إلى مصر عام 640 ميلادياً، كما يقدّم كتاب “تاريخ البطاركة”، المنسوب إلى ساويرس بن المقفع، العديد من الروايات المتعلّقة بالأيقونات، وفي القرن العاشر وما بعده ألف عدد من الكتّاب، أبرزهم أبو المكارم سعد الله بن جرجس ويوحنا بن زكريا بن السباع، مؤلفات عن الكنائس والأديرة، ووثّقوا من خلال كتاباتهم حياة الأقباط كما عاشوها في عصرهم.

ومما لا شك فيه أن فن الأيقونات القبطي في العصور الوسطى بمصر يتجلّى في المجموعة المتميّزة من اللوحات المحفوظة في كنيسة أبي سيفين بفم الخليج في مصر القديمة في القاهرة، ومن بين هذه الأعمال أيقونة مؤرّخة تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي، وتُعدّ من أقدم النماذج المعروفة، وتمتاز بدقّة صناعتها، وزهاء ألوانها، وتناسق خطوطها، مما عزّز اعتقاد بعض خبراء علم الأيقونات بوجود مدرسة تصويرية قبطية تفوّقت على نظيراتها المعاصرة في إيطاليا في ذلك الوقت.

ويُلاحظ أن فن التصوير على تلك الأيقونات بدأ يضعف تدريجياً بعد نهاية القرن السادس عشر، فتراجع كثير من قوّته وما امتاز به من ابتكار، إلى أن بلغ القرن الثامن عشر حيث شاع استعمال الأقمشة أو الخيش لتغطية اللوحات والرسم عليها بالألوان، وتمثّل هذه الحقبة خاتمة المرحلة التي انحسر فيها فن التصوير القبطي وأفَل بريقه.

(خامساً) مرحلة ازدهار الأيقونات القبطية (من القرن الثامن عشر حتى الآن): وتحمل معظم الأيقونات المنسوبة إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر توقيع “إبراهيم الناسخ” و”يوحنا الأرمني القدسي”، وقد تأثر العديد من الرسامين بأسلوبهما، ونتيجة لذلك، اتسمت غالبية الأيقونات التي أُنتجت في هذه الفترة بأسلوب فني مشابه للأسلوب الذي أسسه هذان الرسامان.

وحملت أيقونات تلك الفترة خطوطاً مكتوبة باللغتين العربية والقبطية بشأن الموضوع المرسوم وهويّة القديس، وفي بعض الأحيان كانت تشير هذه الكتابات إلى اسم الكنيسة المكرّس لها تلك الأيقونة، أو إلى اسم الشخص الذي موّل صناعتها، وتميزت أيقونات هذان الرسامان أو تلاميذهما بملامح فنية خاصة أبرزها رسم الوجوه البيضاوية الشكل والعيون اللوزية.

 

المصدر: BBC