في 30 سبتمبر/أيلول من عام 1955 تنازل سلطان المغرب محمد بن عرفة عن العرش وغادر طنجة، ثم إلى فرنسا التي أقام فيها حتى وفاته في 17 يوليو/تموز عام 1976 عن عمر ناهز تسعين عاماً، ودُفن هناك ولم تُنقل رفاته للمغرب إلا في ثمانينيات القرن الماضي حيث دفن في فاس. فمن هو محمد بن عرفة الذي جلس على عرش العلويين بين عامي 1953 و1955؟
لقد بدأت حكايته قبل جلوسه على العرش بعقود، وتحديداً في عام 1912 عندما تقاسمت فرنسا وإسبانيا مناطق مغربية بينهما، فخضعت منطقة الريف في الشمال وكذلك منطقة الصحراء الغربية للحماية الإسبانية، في حين خضع الجزء الأوسط من الأراضي المغربية لحماية فرنسية.
البدايات والحماية الفرنسية
فبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، دخل المغرب مرحلة جديدة من المطالب الإصلاحية والسياسية، فقد وقّع حزب الاستقلال وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، ونُظّمت مظاهرات شعبية واسعة رافقتها اعتقالات واضطهادات من جانب سلطات الحماية.
عرش مُهتز والتنحي
في 20 أغسطس/آب من عام 1953، أقدمت فرنسا على نفي محمد الخامس إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر، وقد كان هذا القرار نقطة تحول حاسمة، إذ لم يكن المغاربة يتوقعون أن تصل فرنسا إلى حد المساس بالسلطان. وفي اليوم نفسه، نصبت الإقامة الفرنسية العامة بتوجيه من باشا مراكش التهامي الكلاوي أحد أفراد الأسرة العلوية وهو محمد بن عرفة الذي كان يبلغ من العمر حينئذ 67 عاماً.
منذ البداية، عاش محمد بن عرفة في عزلة داخل القصر، ولم يتلق البيعة التقليدية من غالبية العلماء، الذين كانوا يمثلون المرجعية الدينية للمجتمع المغربي، وتجاهلت كثير من المدن والقبائل وجوده تماماً، فيما واصلت الأحزاب الوطنية تأكيدها على أن السلطان الشرعي هو محمد الخامس المنفي.
ولم يقتصر الرفض على النخب الوطنية، بل امتد إلى عامة الشعب، فقد شهدت المدن المغربية، خصوصاً الدار البيضاء والرباط وفاس، مظاهرات حاشدة ترفض حكمه، وظهرت كتابات على الجدران تدعو لعودة محمد الخامس، كما تم توزيع منشورات سرية تهاجم محمد بن عرفة وتصفه بالعميل، وكل ذلك جعل وجوده في الحكم يفاقم من الأزمة السياسية بدلاً من أن يهدئها.
وكانت سلطات الحماية نفسها تدرك أن الوضع معقّد، فمحمد بن عرفة لم يحقق الهدف المطلوب، والمقاومة المسلحة بدأت تزداد قوة، مثل جيش التحرير المغربي الذي تأسس سنة 1955، وقد نفّذت هذه المجموعات عمليات ضد الفرنسيين وضد أعوانهم، مما جعل البلاد على حافة انفجار شامل، وهنا أدرك الفرنسيون أن الاعتماد على سلطان صوري لن يجلب الاستقرار.
ومع تفاقم الأزمة، بدأ محمد بن عرفة يُفكر جدياً في الاستقالة، ففي صيف 1955، صرح لبعض المقربين منه أنه لم يعد قادراً على الاستمرار في موقع يهدد حياته، وأنه يفضل التخلي عن العرش، وبعد محاولات متكررة للاغتيال وضغوط داخلية وخارجية، اضطر إلى إعلان تنحيه في 30 سبتمبر/أيلول عام 1955، وغادر بعدها إلى طنجة، ثم إلى فرنسا حيث أقام فترة طويلة.
ومهّد رحيل محمد بن عرفة الطريق لعودة محمد الخامس، ففي 16 نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1955، عاد السلطان المنفي إلى الرباط وسط استقبال شعبي هائل، مما شكّل إعلاناً عملياً عن نهاية شرعية بن عرفة، وفي العام التالي أعلن نفسه ملكاً بعد إعلان فرنسا وإسبانيا إنهاء حمايتهما على المغرب، وباتت منطقة الريف أيضاً تحت سيادة محمد الخامس. وتوارث عرش المغرب بعد وفاة محمد الخامس كل من ابنه الحسن الثاني الذي حكم البلاد مدة 38 عاماً، ثم حفيده محمد السادس في عام 1999.
كانت فترة حكم بن عرفة القصيرة، التي امتدت عامين، مضطربة للغاية، ففي 24 ديسمبر/كانون الأول عام 1953 انفجرت سيارة في السوق الرئيسية في الدار البيضاء ولقي 18 شخصاً حتفهم بينما جُرح 40 آخرون من بينهم أوروبيون.
وبداية من عام 1954 تصاعدت وتيرة الأعمال المسلحة لدرجة استهداف باشا مراكش بأحد مساجد المدينة في 20 فبراير/شباط من ذلك العام، كما تعرّض المقيم العام الفرنسي، أوغسطين غيوم، هو الآخر لمحاولة اغتيال في 24 مايو/أيار.
وفي يونيو/حزيران عام 1954 عينت فرنسا مقيماً عاماً جديداً هو فرانسيس لاكوست، الذي لم يمر عام حتى حل محله غيربرت غرادفال الذي تعرض لهجوم لدى وصوله المغرب، أسفر عن مقتل 6 أشخاص في يوليو/تموز عام 1955.
لقد طُوي عهد محمد بن عرفة سريعاً باعتباره مرحلة انتقالية فاشلة في تاريخ المغرب، وبعد تنحيه، عاش محمد بن عرفة حياة شبه منسية حيث أقام بين فرنسا ومصر، وظل بعيداً عن الشأن العام المغربي، ولم يلق أي اعتراف رسمي من الدولة المستقلة، ولم يُشر إليه في المناسبات الوطنية، وظل في نظر المغاربة رمزاً للاستعمار، ولم يُنظر إليه يوماً كسلطان شرعي، وتوفي عام 1976 في فرنسا ودُفن هناك، بعيداً عن تراب بلاده.
ولم يترك محمد بن عرفة إرثاً سياسياً أو إصلاحياً يُذكر، بل ارتبط اسمه بالحقبة الاستعمارية، وفشل الاستعمار في فرض من يريده على الشعب المغربي.
لقد مثّل محمد بن عرفة نموذجاً على أن الشرعية السياسية لا تُفرض بالقوة، وأن الشعوب قادرة على رفض أي بدائل مفروضة عليها، ورغم أن الفرنسيين حاولوا تقديمه كسلطان رسمي، إلا أن التاريخ سجله كرمز لفشل الاستعمار في تدجين الإرادة الوطنية، وهذا البعد التاريخي يجعل من سيرته درساً في العلاقة بين القوة والشرعية.
كانت فرنسا قد راهنت على صناعة بدائل شكلية للشرعية السياسية والدينية في المغرب، لكنها فشلت في إدراك أن السلطان لم يكن مجرد منصب بروتوكولي، بل رمزاً لوحدة الأمة، وهذا الوعي الشعبي العميق بالشرعية جعل من المستحيل فرض شخصية ضعيفة مثل محمد بن عرفة.
ومن جانب آخر، يعكس عهد محمد بن عرفة التداخل بين الديني والسياسي في المغرب، فالسلطان لم يكن مجرد حاكم دنيوي، بل كان أيضاً أمير المؤمنين، أي المرجعية الدينية العليا، وعندما رفض أغلب العلماء مبايعته، انهار الأساس الديني لحكمه، مما أكد أن الشرعية في المغرب ليست مسألة شكلية، بل لها جذور روحية وتاريخية عميقة.
وتختزل تجربة محمد بن عرفة مرحلة حرجة من تاريخ المغرب، حيث بلغ الصراع بين الاستعمار والحركة الوطنية ذروته. لقد كان عهده قصيراً لكنه كاشف لطبيعة العلاقة بين الشرعية السياسية والهوية الوطنية، وإذا كان قد قَبِل بالعرش في لحظة تاريخية ملتبسة، فإن التاريخ لم يغفر له، وبقي في الذاكرة المغربية شاهداً على فشل مشروع استعماري كامل.