ربما يكون لدي عزوف عن مخالطة الناس في المناسبات الاجتماعية، وأحياناً أشعر بالسعادة عندما تُلغى بعض هذه المناسبات. وأحيانا أقضي عدة ساعات وحدي. حتى أنني ذات مرة ذهبت إلى مكان منعزل للتأمل الصامت لمدة عشرة أيام.
لهذا يمكنني أن أتفق مع الكاتبة أنيلي روفوس التي قالت في كتابها بعنوان “حزب الفرد الواحد: مبادئ المنعزلين”:
“عندما يعاقب الوالدان أبناءهم في برامج التلفزيون ويأمرونهم بالذهاب إلى غرفهم، كنت أشعر بالحيرة. لقد أحببت غرفتي، وكان المكوث في غرفة وراء باب مغلق يعد متعة ومكافأة بالنسبة لي. وكان العقاب بالنسبة لي أن يطلبوا مني أن ألعب بإحدى الألعاب مع قريبي لويس”.
ميول اجتماعية كهذه غالباً ما تكون بعيدة عن المثالية. حيث تشير وفرة من الأبحاث إلى الآثار الضارة للعزلة، والتي تعتبر مشكلة صحة عامة خطيرة في بعض بلدان تشهد تسارعاً في سن شيخوخة سكانها، لكن الحديث عن العزلة بوصفها “وباء” يعد تضخيماً مبالغاً فيه.
تعزيز الإبداع
وقد توصل إلى أن صفات الشخصية التي من الشائع ارتباطها بالإبداع تتميز بالانفتاح (مثل تقبل أفكار وتجارب جديدة)، والاستقلالية، التي ربما تتضمن “عدم الاكتراث بالعادات الإجتماعية”، و”تفضيل البقاء في عزلة”.
في الحقيقة، يظهر بحث فيست الذي أجراه على كل من العلماء والفنانين أن من أبرز صفات المبدعين هي قلة اهتمامهم بالمخالطة الإجتماعية.
فالعزلة تتيح للمرء التفكر، وإمعان النظر الضروريان لتلك العملية الإبداعية.
وقد صدر مؤخراً ما يعزز تلك الأفكار عن عالمة النفس جولي باوكر، من جامعة بافالو بالولايات المتحدة، والتي تدرس العزلة الاجتماعية.
فالعزلة الاجتماعية عادة تصنف إلى ثلاثة أنواع: الخجل الناتج عن الخوف أو التوتر، والتجنب أو عدم الرغبة في المخالطة الاجتماعية، وأخيراً النزوع الطبيعي إلى الوحدة.
وكانت هذه النتائج مهمة، لأنه في الوقت الذي ذكرت فيه أبحاث سابقة أن العزوف عن المخالطة الاجتماعية يمكن أن يسبب ضرراً نفسياً، تشير دراسة باوكر وزملائها إلى أن ذلك العزوف يمكن أن يكون مفيداً من الناحية العملية أيضاً.
ويرجح أن يكون الأشخاص غير الاجتماعيين قد “تشبعوا من التفاعل” مع الآخرين، كما تقول باوكر، مضيفة: “هم يفضلون البقاء وحيدين، لكنهم لا يمانعون من المكوث مع آخرين”.
هناك بالطبع تباين ثقافي وجنسي في هذا الأمر. فعلى سبيل المثال، تشير بعض الأبحاث إلى أن الأطفال غير الاجتماعيين في الصين لديهم مشاكل أكاديمية مرتبطة بالتحصيل الدراسي، وفي التعامل مع الآخرين أكثر من الأطفال في الغرب.
وتقول باوكر إن هذه الاختلافات آخذة في الذوبان في ظل انتشار العولمة. وقد تبين أيضاً أن العزلة يمكن أن تكون مهمة لما هو أكثر من الإبداع.
هناك اعتقاد شائع بأن القادة بحاجة إلى أن يكونوا اجتماعيين. لكن هذا يعتمد على شخصيات موظفيهم بشكل رئيسي.
وقد أظهرت دراسة نشرت في عام 2011 أنه في فروع سلسلة محلات للبيتزا حيث كان الموظفون يعانون من الكسل، كان المديرون المنفتحون أكثر جنياً للأرباح. لكن في الفروع التي كان الموظفون فيها أكثر نشاطاً، كان المديرون الانطوائيون أكثر تأثيراً.
أحد أسباب ذلك هو أن هناك احتمالاً أقل بأن يشعر الانطوائيون بالتهديد من قبل شخصيات أو أفكار قوية محيطة بهم. ومنذ القدم، كان الناس على دراية بوجود رابط بين العزلة والتركيز الذهني. وفوق كل ذلك، تؤمن الثقافات القائمة على التدين بأن العزلة مهمة من أجل الحصول على الإلهام والتنوير.
وقد فسرت لنا الأبحاث الحديثة السبب في ذلك. فإحدى فوائد العزلة الاجتماعية هي حالة الراحة الدماغية، والتي تسير جنباً إلى جنب مع ما يصاحب العزلة من هدوء وسكون.
فعندما يكون شخص آخر حاضراً بجوارك، لا يستطيع دماغك إلا أن يعيره بعض الانتباه. ويمكن أن يكون هذا شرود ذهني إيجابي. لكنه يبقى شروداً.
ومن بين وظائف أخرى، تساعد هذه الشبكة على تماسك الذاكرة، وعلى فهم مشاعر الآخرين. ولا يساعد كبح جماح العقل المشتت فقط على التركيز على المدى البعيد، ولكنه يقوي شعورك بنفسك وبالآخرين.
ولذلك فإنه من المفارقات أن تكون فترات العزلة عاملاً مساعداً عندما يحين موعد المخالطة الاجتماعية مرة أخرى. فالغياب العرضي ومن وقت لآخر للتركيز يساعد في نهاية الأمر على التركيز على المدى البعيد.
وهناك شاهدة معاصرة أيضا على أن العزلة تساعد على الإنتاج والتفكير، وهي الكاتبة سوزان كين، مؤلفة كتاب “الصمت: قوة الإنطوائيين في عالم لا يتوقف عن الكلام”.
وتقول كين، وهي مؤسسة شركة “ثورة الصمت” التي تحث على الهدوء وتوفير أماكن عمل صديقة للانطوائيين: “في هذه الأيام نميل إلى الاعتقاد بأن الإبداع يبرز من عملية اجتماعية بلا شك، لكنها في الحقيقة تتطلب اهتماماً مستمرا، وتركيزاً عميقاً”.
وتضيف: “البشر أيضاً كائنات اجتماعية، فعندما نحيط أنفسنا بالآخرين، فإننا نستمع لآرائهم ونتأثر بالنمط الذي يتبعونه. ولكي نرسم فعلاً طريقنا ورؤيتنا الخاصة، علينا أن نكون راغبين في عزل أنفسنا على الأقل لبعض الوقت”.
الصحة العقلية
الخط بين العزلة المفيدة والانعزال الضار عن الآخرين يمكن أن يكون غير واضح تماماً.
ويقول فيست: “كل الأشياء تقريباً يمكن أن تكون قابلةً للتكيف والتماثل إلى حد كبير”.
وأي اضطراب بشري يمكن أن يكون له علاقة بخلل وظيفي ما. وإذا امتنع شخص عن الاهتمام بالناس وقطع كل اتصاله بهم، فيمكن أن يشير ذلك إلى أنه يعاني من “إهمال مرضي” للعلاقات الاجتماعية. لكن عدم المخالطة الاجتماعية الإبداعية تختلف عن ذلك اختلافاً واضحا.
للحقيقة، يقول فيست: “يوجد خطر لدى الناس الذين لم يمارسوا الوحدة أو العزلة على الإطلاق”. ومن الصعب أن تكون مسترخياً بشكل كامل، ومدركاً لذاتك، ومتأملاً في حياتك، دون ممارسة العزلة الاجتماعية من وقت لآخر.
وكما هو الحال مع أشياء كثيرة أخرى، للكيف أفضلية على الكم. فتقوية عدد قليل من الصداقات الوثيقة بدون الشعور بالحاجة إلى أن تملأ حياتك بالثرثرة مع كثير من الناس، قد تكون أفضل لك على المدى البعيد.
وهكذا، إذا كانت شخصيتك تميل إلى عدم المخالطة الاجتماعية، فلا ينبغي أن تشعر بأنك تحتاج إلى تغيير. لكن بالطبع، يأتي ذلك القول مصحوباً بتحذيرات.
وطالما كنت تمتلك علاقات اجتماعية منتظمة، فأنت تختار العزلة بدلاً أن تكون مرغماً عليها، حيث أن لديك على الأقل بضع أصدقاء جيدين.
وتعد عزلتك أمراً جيداً لراحتك، وإنتاجيتك، فلا جدوى من أن ترهق نفسك في محاولة تغيير طبيعتك الشخصية. ولذلك، كن حراً في تحديد مدى وطبيعة علاقاتك الاجتماعية، فهذا أمر عادي يقره علماء النفس.