ماو تسي تونغ: قائد “نهضة الصين” أم المسؤول عن فناء الملايين؟

في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1949 أعلن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية، التي أصبحت بعد نحو سبعين عاماً واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً وأكبر دولة مصدّرة في العالم.

الصين هي الأكثر سكاناً على مستوى العالم، وتعود حضارتها إلى ما يقارب أربعة آلاف عام. وقد أسهمت في ابتكارات أساسية شكّلت ركائز العالم المعاصر، مثل الورق والبارود والبوصلة والعملة الورقية والتسليف المصرفي والألعاب النارية.

ولد ماو تسي تونغ في 26 ديسمبر/كانون الأول عام 1893 في قرية شاوشان بمقاطعة هونان في الصين، وتوفي في 9 سبتمبر/أيلول عام 1976 في العاصمة بكين.

التمرد “المبكر”

غادر ماو بيت أسرته في الثالثة عشرة من عمره ليلتحق بمدرسة ابتدائية في منطقة مجاورة. وفي عام 1911 وصل إلى عاصمة الإقليم تشانغشا حيث دخل مدرسة عليا، وكان ذلك في وقت شهدت فيه الصين سقوط أسرة تشينغ الحاكمة وذروة ثورة سون يات سن.

انضم ماو حينها إلى وحدة من الجيش الثوري وخدم لفترة قصيرة لم تتجاوز ستة أشهر، قبل أن يعود إلى تشانغشا ليتأمل في مساره الدراسي. وقد تردّد بين دراسة القانون والتاريخ والأعمال، لكنه استقر في النهاية على التعليم، ليتخرج في عام 1918 من مدرسة لإعداد المعلمين.

الحزب الشيوعي

انتقل ماو تسي تونغ إلى بكين لمتابعة دراسته الجامعية، لكنه لم يكن يملك المال الكافي، فعمل في مكتبة الجامعة نحو ستة أشهر قبل أن يعود إلى تشانغشا ليعمل في التدريس.

في تلك الفترة تعرّف على عميد الكلية تشن دوشيو وأمين المكتبة لي دا تشاو، اللذين يعدان من مؤسسي الحزب الشيوعي الصيني، وكان ذلك في مايو/أيار 1921.

في العام نفسه تزوج ماو من يانغ كاي هوي، ابنة معلمه، والتي أعدمها حزب الكومنتانغ عام 1930. ومنذ عام 1928 ارتبط بهه تسه تشن، التي أنجبت له خمسة أطفال قبل أن يطلقها عام 1937، ثم تزوج لاحقاً الممثلة جيانغ تشينغ التي لعبت دوراً محورياً في الثورة الثقافية.

بين عامي 1920 و1921 انخرط ماو في تنظيم الطلبة والتجار والعمال ضد السيطرة اليابانية على الامتياز الألماني في إقليم شاندونغ، وهو أحد بنود معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى. وقد اعتبر ماو ذلك انتقاصاً من السيادة الصينية وأحد أسباب تصاعد مشاعر العداء للإمبريالية بين الناشطين الصينيين.

في عام 1924 انتقل ماو تسي تونغ إلى شنغهاي في إطار التعاون الذي فرض بين الحزب الشيوعي الصيني والكومنتانغ بضغط من الكومنترن (منظمة الأممية). كان حينها أحد الكوادر الشيوعية الصاعدة التي بدأت بالاحتكاك بالحياة السياسية في المدن الكبرى.

وبعد عام عاد إلى إقليم هونان حيث انخرط في تنظيم احتجاجات للفلاحين، قبل أن يضطر إلى الفرار إلى كانتون، مقر قيادة سون يات سن، الذي توفي فجأة في مارس/آذار 1925، ليتسلم تشيانغ كاي تشيك قيادة الكومنتانغ.

فعلى الرغم من أنه نشأ في أسرة ريفية، فإن سنوات دراسته جعلته يتبنى النظرة التقليدية للنخبة الصينية التي كانت تحتقر العمال والفلاحين وتصفهم بالجهل والقذارة. ومع تحوله إلى الماركسية أعاد تقييم نظرته للبروليتاريا الحضرية، لكنه ظل متأثراً بازدراء ماركس للفلاحين. غير أن عودته إلى قريته ومشاهدته لحركة الفلاحين الثائرة جعلته يغيّر موقفه جذرياً، ويرى في الريف وقود الثورة ومستقبل الصين.

وفي الوقت نفسه، عزز تشيانغ كاي تشيك سلطته داخل الكومنتانغ، وأقدم عام 1927 على شن حملة عنيفة ضد الشيوعيين عرفت بـ “مجزرة شنغهاي”، ما أنهى التحالف الأول بين الحزب القومي والشيوعيين. وإثر ذلك اضطر الشيوعيون إلى الانسحاب إلى الريف، حيث وجدوا في صفوف الفلاحين الساخطين قاعدة واسعة أصبحت لاحقاً الحاضنة الأساسية لحركتهم الثورية.

الماوية

وفي تلك المرحلة أيضاً بدأت ملامح عدائه للقوميين وشكوكه حيال الاتحاد السوفيتي، ما ساهم لاحقاً في صياغة توجهه الشيوعي المختلف عن النموذج السوفيتي.

وفي عام 1927 قاد ماو مجموعة صغيرة من الفلاحين من إقليم هونان إلى إقليم جيانغشي الجبلي، حيث أسس مع رفاقه من الحزب الشيوعي إدارة محلية على النمط السوفيتي، وبدأوا في تشكيل قوة مسلحة كانت النواة الأولى لـ الجيش الأحمر، الذي تمكن بعد 22 عاماً من هزيمة القوميين وإجبارهم على الانسحاب إلى جزيرة تايوان.

ومع مطلع الثلاثينيات، كان الكومنتانغ قد نجحوا في إضعاف نفوذ ملاك الأراضي وتوحيد البلاد تحت سلطتهم، ثم وجّهوا جهدهم نحو القضاء على الشيوعيين، لتبدأ واحدة من أكثر مراحل الصراع الداخلي دموية في تاريخ الصين الحديث.

في عام 1934 شن تشيانغ كاي تشيك حملة عسكرية واسعة على معقل الشيوعيين في إقليم جيانغشي، ما اضطرهم إلى الانسحاب وبدء ما عرف لاحقاً بـ”المسيرة الكبرى”. قطع الشيوعيون خلالها مسافة تقدر بستة آلاف ميل، من جيانغشي إلى بلدة يانان في إقليم شنشي شمالي البلاد.

ومن بين نحو ثمانين ألف مقاتل بدأوا المسيرة، لم ينج سوى عشرهم تقريباً.

وفي تلك المرحلة، طبّق ماو ورفاقه عملياً السياسات التي ستبنى عليها جمهورية الصين الشعبية لاحقاً، إذ وزعوا الأراضي على الفلاحين ونالوا دعمهم، وكتب ماو عن ضرورة تكييف الماركسية اللينينية مع الخصوصية الصينية، مؤكداً أن الفلاحين يشكلون القوة المحركة للثورة.

الحرب الأهلية

في عام 1937 غزت اليابان الصين، الأمر الذي دفع القوميين والشيوعيين إلى تجديد تحالفهم، بضغط من القوى الوطنية في البلاد وتشجيع من الكومنترن. وخلال سنوات الحرب ضد اليابان، تعاظمت قوة الجيش الأحمر ليصل قوامه إلى نحو مليون مقاتل، وتمكن ماو تسي تونغ من توسيع نفوذ الشيوعيين ليشمل ما يقارب مئة مليون صيني.

لكن ما إن انسحبت اليابان عام 1945 حتى عادت الحرب الأهلية بين القوميين والشيوعيين لتحتدم من جديد. واستمرت المعارك حتى عام 1949 حين حُسم الصراع بانتصار الشيوعيين وهزيمة الكومنتانغ، الذين انسحبوا إلى تايوان. وفي أعقاب هذا الانتصار أعلن ماو تسي تونغ قيام “جمهورية الصين الشعبية”، وتولى رئاسة الحزب الشيوعي ورئاسة الدولة، إضافة إلى رئاسته اللجنة العسكرية التي قادت جيش التحرير الشعبي.

ماو وستالين

بعد استيلاء الشيوعيين على السلطة في الصين عام 1949، وجد كل من ماو تسي تونغ والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين نفسه أمام ضرورة استغلال الظرف الجديد بأفضل شكل ممكن، بحسب دائرة المعارف البريطانية.

وفي ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، سافر ماو إلى موسكو حيث دخل في مفاوضات استمرت شهرين كاملين اتسمت بالصعوبة والتوتر. وفي النهاية، تمكن من إقناع ستالين بالتوقيع على معاهدة للمساعدات المتبادلة، تضمنت أيضاً دعماً اقتصادياً محدوداً للصين.

قبل أن يتاح للصين استغلال مواردها لإطلاق التنمية الاقتصادية، وجدت نفسها منخرطة في الحرب الكورية عام 1950 دعماً للنظام الشيوعي في كوريا الشمالية الحليف لموسكو.

هناك فقط، بحسب ما رواه ماو تسي تونغ لاحقاً، بدأ ستالين يثق به ويتخلى عن اعتقاده السابق بأنه مجرد قومي صيني متخفٍّ تحت عباءة الشيوعية.

 

المصدر: BBC