تصدّرت قضية “مياه تنورين” العناوين في لبنان بعدما أعلنت وزارة الصحة اكتشاف بكتيريا مضرّة في بعض عبواتها.
ما بدا في البداية إجراءً وقائياً روتينياً تحوّل خلال ساعات إلى أزمة وطنية، هزّت ثقة اللبنانيين بأشهر علامة مياه في البلاد.
وفيما نفت الشركة الاتهامات ودافعت عن جودة منتجها، اتّسع الجدل ليطال أداء الأجهزة الرقابية نفسها، وسط أسئلة عن سلامة المياه التي يشربها الناس يومياً.
ماذا قالت الوزارة الصحة لاحقاً؟
وجاء في البيان أن الوزارة “تتابع بمسؤولية فحص عينات إضافية من مياه تنورين في مختبرات مختلفة، وهي بانتظار النتائج النهائية ليبنى على الشيء مقتضاه”، موضحة أن التحقيق العلمي لا يزال جارياً لتحديد ما إذا كان التلوث محصوراً بدفعات محددة أم أوسع من ذلك.
كما أعلنت الوزارة أنها بدأت أخذ عينات من معظم شركات تعبئة المياه الأخرى المتداولة في الأسواق، للتأكد من مطابقتها للمواصفات الصحية، مشيرة إلى أن الهدف “ليس استهداف شركة بعينها، بل حماية المستهلك اللبناني وضمان سلامة المياه المعبّأة في البلاد”.
وفي ختام البيان، أكدت الوزارة أنها سترفع الإجراء فوراً عن شركة “تنورين” إذا تبيّن أنها اتخذت كل الخطوات الضرورية لضمان جودة منتجاتها وسلامتها. وصرّح الوزير نزار هاني بأن الأزمة “غير مستعصية ويمكن معالجتها”، مضيفاً أن الهدف من القرار “وقائي وتنظيمي، لا عقابي”.
كيف ردّت الشركة؟
وأوضحت الشركة أن نتائج فحوصاتها الداخلية الأخيرة أظهرت مطابقة منتجاتها بالكامل للمواصفات اللبنانية والدولية، مشيرة إلى أن مختبرات “معهد البحوث الصناعية” كانت قد أصدرت قبل أسبوع من الأزمة تقريراً يؤكد خلوّ مياهها من أي تلوث جرثومي، بما في ذلك بكتيريا “الزائفة الزنجارية” التي أشارت إليها وزارة الصحة.
وعقدت الشركة مؤتمراً صحافياً في 14 تشرين الأول/أكتوبر في مقرها لشرح ملابسات القضية ووضع الرأي العام أمام التفاصيل الكاملة حول جودة مياهها، مؤكدة “ثقتها بوعي اللبنانيين وحرصها على الشفافية في التعامل مع أي التباس”.
وخلال المؤتمر، قالت إدارة الشركة إن “قرار وزارة الصحة جاء متسرعاً في الإعلان، وكان يفترض التواصل مع الشركة بشكل رسمي قبل نشره”، معتبرة أن ما جرى “قد يكون ناتجاً عن خطأ في إجراءات فريق الترصد الوبائي التابع للوزارة أو في طريقة أخذ العينات”.
ما المؤكد حتى الآن؟
بين بيان وزارة الصحة وردّ شركة “تنورين”، يعيش اللبنانيون حالة من الالتباس بين القلق والثقة. تؤكد الوزارة أن العينات التي خضعت للفحص أظهرت فعلاً وجود تلوث في بعض الدفعات، وأنها تواصل التحقق من نطاق المشكلة، فيما تصرّ الشركة على أنها تمتلك نتائج علمية معاكسة صادرة عن مختبر رسمي لبناني تؤكد سلامة مياهها وخلوّها من أي بكتيريا.
وفي موازاة ذلك، وسّعت وزارة الصحة نطاق الرقابة ليشمل جميع شركات تعبئة المياه في لبنان، ما جعل القضية تتجاوز “تنورين” لتتحول إلى اختبار شامل لمنظومة سلامة المياه المعبّأة في البلاد.
ويشير خبراء الصحة إلى أن البكتيريا المكتشفة قد تكون خطرة على فئات محددة، مثل الأطفال وكبار السن ومرضى نقص المناعة، لكن وجودها في بعض العبوات لا يعني بالضرورة انتشار عدوى جماعية، خصوصاً مع اتخاذ إجراءات سريعة لعزل الدفعات الملوثة.
ما دلالات الأزمة؟
تتجاوز أزمة “مياه تنورين” حدود الجدل التقني حول جودة منتج واحد، لتتحول إلى قضية تمسّ الثقة في واحدة من أكثر السلع استهلاكاً في لبنان.
في بلد يعاني منذ سنوات من ضعف البنية التحتية للمياه العامة، يعتمد معظم السكان على المياه المعبّأة كمصدر رئيسي للشرب. وتُعدّ “تنورين” من أبرز العلامات التجارية وأكثرها حضوراً في الأسواق، وغالباً ما يُوصى بها في المستشفيات والعيادات لاعتدال تركيبتها المعدنية. لذلك، فإن أي شبهة تلوث، حتى لو كانت محدودة، كفيلة بإثارة قلق واسع بين اللبنانيين.
القضية كشفت أيضاً حاجة ملحّة إلى نظام رقابة فعّال وشفاف يضمن سلامة المياه ويضبط العلاقة بين الشركات والجهات الرقابية الرسمية. فلو توفرت آليات أكثر دقة في الفحص والتنسيق، لما تحوّل خلاف علمي إلى أزمة رأي عام بهذا الحجم.