عدن- لم يكن اليمني عبد الرحمن يعرف أين هو، ولا لماذا أُخذ، ولا متى سيخرج. كل ما بقي عالقا في ذاكرته من تلك الليلة أن عينيه عُصبتا، وأن صوته تلاشى داخل سيارة مغلقة، قبل أن يبدأ فصلٌ طويل من الغياب داخل أحد السجون السرية في مدينة عدن التي تخضع منذ سنوات لسيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.
وعبد الرحمن (اسمٌ مستعار اختاره) شاب ثلاثيني وافق على الحديث للجزيرة نت، مشترطا عدم الكشف عن هويته الحقيقية، خوفا على سلامة شقيقه الذي يقول إنه لا يزال محتجزا في أحد السجون السرية بعدن منذ نحو 8 سنوات، دون أن تعرف أسرته مكانه أو مصيره حتى اليوم.
وتجسّد قصته معاناة مئات الأسر التي لا تزال تبحث عن ذويها داخل شبكة من مراكز الاحتجاز السرية في عدن ومحافظات جنوبية أخرى منذ عام 2016.
وعلى مدى سنوات، تحوّلت هذه السجون إلى أحد أبرز الملفات الحقوقية المثيرة للجدل، مع تكرار شهادات عن احتجاز مدنيين خارج نطاق القضاء، في أماكن غير معلنة، من دون أوامر قضائية أو تهم واضحة، وبعيدا عن أي رقابة قانونية أو إنسانية.
رحلة الاعتقال والإخفاء
يقول عبد الرحمن لـ “الجزيرة نت” إن فترة اعتقاله وإخفائه القسري استمرت قرابة 3 سنوات، بعد أن اختُطف من أحد الشوارع وسط مدينة عدن، قبل الإفراج عنه في أواخر عام 2023، مؤكدا أنه تنقل خلالها بين 4 أماكن احتجاز سرية في مديرية التواهي، خاضعة جميعها لإشراف تشكيلات أمنية محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويذكر من بين هذه السجون: سجن قاعة وضاح، وسجن فتح، وسجن القصر المدوّر، إضافة إلى سجن شلال، الذي يقول إنه يقع داخل منزل قيادي أمني بارز في المجلس الانتقالي، شلال شايع (مدير أمن عدن السابق، وقائد جهاز مكافحة الإرهاب حاليا).
ويوضح عبد الرحمن أن بعض هذه السجون أُنشئت تحت الأرض، فيما أُقيمت أخرى فوقها داخل منازل مدنية ومبانٍ أمنية، مضيفا “طوال فترة اعتقالي لم يُسمح لي بأي زيارة، ولم يكن أهلي يعلمون أين أنا، أو إن كنت حيا أصلا”.
وخلال جلسات التحقيق، يقول عبد الرحمن إنه تعرّض لأنماط قاسية من المعاملة السيئة والتعذيب الجسدي والنفسي، شملت -بحسب إفادته- الضرب، والصعق بالكهرباء، وغمره في الماء، وإجباره مكبلا على البقاء في وضعيات بدنية مؤلمة، والتعليق من الأطراف. ما خلّف آثارا صحية خطِرة، بينها إصابات في الرأس وشرخ في عظم الجمجمة، إضافة إلى تمزق في الجهاز العصبي والمفاصل، استدعت نقله لاحقا إلى مصر لتلقي العلاج بعد الإفراج عنه.
ويشير إلى أن خروجه من المعتقل لم يكن نتيجة ثبوت براءته أو صدور حكم قضائي، بل جاء -على حد تعبيره- بعد ضغوط كبيرة من أقاربه، وبموجب تعهدات خطية شملت عدم الحديث عمّا جرى داخل المعتقل، وعدم ذكر أسماء أو جهات، أو المشاركة في أي احتجاجات أو أنشطة سياسية مناهضة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
أما التهم التي وُجّهت إليه، فيصفها بأنها “ملفقة ومتغيرة”، تراوحت -بحسب قوله- بين الانتماء السياسي، والارتباط بتنظيمات متطرفة، وصولا إلى اتهامات بالتعامل مع دول إقليمية، من دون أن يُقدم أي دليل يثبتها.
ويقول عبد الرحمن، وهو يروي كيف تحوّلت حياته إلى “سجن مفتوح” حتى بعد إطلاق سراحه “خرجت دون إدانة، لكنني لم أعد إلى حياتي”، موضحا أنه فقد عمله، وبحث طويلا عن مصدر رزق دون جدوى، ولا يزال يعيش في قلق دائم، إلى حد النوم خارج المنزل، خوفا من اعتقاله مجددا، خصوصا أن شقيقه لا يزال محتجزا حتى الآن.
وتشير شهاداته إلى أن السجون التي تنقل بينها كانت تضم من 30 إلى 40 معتقلا في كل منها، جميعهم كانوا يتعرضون لانتهاكات قاسية بدرجات متفاوتة، “بعض المعتقلين تدهورت أوضاعهم الصحية بشكل خطِر، وسمعنا عن آخرين فارقوا الحياة، ثم نُقلوا إلى أماكن مجهولة، دون أن نعرف ما الذي حلّ بهم”.
ولا تُعدّ شهادة عبد الرحمن حالة فردية، بل واحدة من مئات الشهادات التي أعادت ملف السجون السرية والمخفيين قسرا في جنوب اليمن إلى الواجهة، بالتزامن مع متغيرات سياسية وأمنية تشهدها عدن وعدد من المحافظات الجنوبية.

أسماء وتقارير
وبرزت ظاهرة السجون السرية منذ عام 2016، عقب استعادة عدن ومحافظات جنوبية أخرى، في ظل فراغ أمني وضعف مؤسسات الدولة، وتعدّد التشكيلات العسكرية والأمنية الخارجة عن الأطر الرسمية.
ووفق تقارير حقوقية محلية ودولية، أُنشئت خلال تلك الفترة مراكز احتجاز غير قانونية، خضعت لإشراف تشكيلات أمنية محسوبة على المجلس الانتقالي الجنوبي، دون رقابة قضائية أو إشراف من النيابة العامة، واستخدمت لاحتجاز معارضين سياسيين ونشطاء ومواطنين على خلفيات أمنية.
وخلال السنوات الماضية، ارتبطت بهذه الانتهاكات أسماء سجون عدة، أبرزها سجن بئر أحمد، ومعسكرات تابعة للحزام الأمني في عدن، وسجن الريان في المكلا، ومنشأة بلحاف في شبوة، إضافة إلى مواقع احتجاز غير معلنة داخل معسكرات ومنازل خاصة.
وتشير تقارير حقوقية، بينها تقرير لوكالة “أسوشيتد برس”، ومنظمات دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية”، إلى أن عدد هذه السجون تجاوز 20 موقعا، وأن نحو ألفي شخص اختفوا قسرا خلال عامي 2017 و2018 فقط في عدن وحضرموت، وسط توثيق لانتهاكات جسيمة.
قضايا عديدة
وتبرز عدة قضايا مؤلمة ضمن ملف السجون السرية والإخفاء القسري في جنوب اليمن. ومن بين أحدث الضحايا، الناشط السياسي أنيس سعد الجردمي، الذي توفي في يونيو الماضي بعد شهرين من اختطافه وإيداعه في سجن معسكر النصر التابع للحزام الأمني، في حين اتهمت أسرته قيادات أمنية بارزة بالمسؤولية عن وفاته نتيجة التعذيب، وفق مصادر يمنية.
وفي واقعة أخرى، وثّقت رئيسة مؤسسة “دفاع” للحقوق والحريات في عدن، المحامية هدى الصراري، اختطاف الشيخ عبد القادر علي عبد الله (الشيباني) عام 2020 من عدن، رغم حالته الصحية الحرجة.
وقد تنقّل الشيباني بين عدة أماكن احتجاز داخل اليمن وخارجه، حيث بقي نحو 8 أشهر دون رعاية طبية، وأُفرج عنه لاحقا في حالة حرجة قبل أن يفارق الحياة في أكتوبر/تشرين الأول 2021.
كما تُعد قضية المقدم علي عشّال الجعدني، قائد كتيبة في قوات الدفاع الجوي، واحدة من أبرز حالات الإخفاء القسري، التي أثارت موجة غضب واسعة في الأوساط الحقوقية والقبلية.
وبعد اختطافه في يونيو 2024 من مدينة إنماء بعدن على يد عناصر مسلحة تابعة لقوات “مكافحة الإرهاب” التابعة للمجلس الانتقالي.
توجيه رئاسي
ومع توجيه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الأسبوع الماضي بإغلاق السجون غير القانونية في عدن ولحج والضالع، والإفراج عن المحتجزين الذين لم تُثبت بحقهم أي تهم، تجدّدت آمال حذرة لدى أسر الضحايا والمخفيين قسرا.
لكن بالنسبة لعبد الرحمن، لا يزال هذا القرار “خبرا سياسيا” لم ينعكس على أرض الواقع. “لم يُكشف مصير أي مخفي قسرا حتى الآن، ولم تُفتح هذه السجون أمام القضاء أو النيابة”، كما يقول.
من جهته، قال وكيل وزارة العدل، فيصل المجيدي، للجزيرة نت إن التوجيه الرئاسي جاء استجابة لمعاناة أهالي المعتقلين، وبناء على تقارير حقوقية “ذات وزن وثقل”، مؤكدا أن وزارة العدل والنيابة العامة بدأتا إجراءات التنسيق مع الجهات الأمنية المسيطرة على الأرض.
وأوضح المجيدي أن النيابة العامة أصدرت تعاميم لرؤساء النيابات في المحافظات للنزول الميداني ومتابعة التنفيذ، مشيرا إلى أن العمل لا يزال في مراحله الأولى، وسط وضع أمني معقد يتطلب وقتا لإعادة الترتيب.
غير أن حقوقيين يرون أن إغلاق السجون، إن لم يُرافقه تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، سيظل إجراء محدود الأثر.
ويقول رئيس منظمة “سام” للحقوق والحريات، توفيق الحميدي، إن هذه الانتهاكات “لا يمكن إغلاقها بقرار إداري”، مشددا على ضرورة التعامل معها كجرائم جسيمة، وحفظ مواقع الاحتجاز باعتبارها “مسرح جريمة”.
وأضاف الحميدي للجزيرة نت أن منظمته وثّقت خلال عام 2017 عشرات مواقع الاحتجاز خارج إطار القانون، بينها 14 موقعا في عدن وحضرموت، شملت بئر أحمد، وقاعة وضاح، ومعسكر الإنشاءات، وسجن الريان، والقصر الجمهوري سابقا، مشيرا إلى أن بعض هذه الحالات انتهت بوفاة محتجزين.
وبين شهادات ناجين لم يستعيدوا حياتهم الطبيعية، وأسر لا تزال تبحث عن أثر لأبنائها، وقرارات رسمية تنتظر التطبيق على الأرض، يبقى السؤال الأبرز مفتوحا:
هل تمثل هذه الخطوات بداية لمسار يكشف الحقيقة ومصير المفقودين ويحقق العدالة بمحاسبة المسؤولين، أم ستظل إجراءات إدارية مؤقتة تخفف الضغط دون أن تطوي سنوات الغياب القسري والمعاناة الصامتة؟
المصدر: الجزيرة